وَفِي يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع عشْرين من شهر رَجَب الحارم سنة سبع وَسِتِّينَ توفّي الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير قدوة العارفين وَحجَّة الله على السالكين
[ ٢٣٧ ]
وجيه الدّين عبد لرحمن بن الشَّيْخ عمر بن الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان ابْن مُحَمَّد العمودي وَهُوَ الَّذِي يلتقي فِيهِ نسبه مَعَ ابْن عَمه الشَّيْخ أَحْمد ابْن عُثْمَان الَّذِي تقدم ذكره بِمَكَّة المشرفة وَدفن بالمعلاه وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء الصَّالِحين والمشيخ العارفين كثير الْعِبَادَة والإجتهاد عَظِيم اورع والزهد والمثابرة على الاعمال الصَّالِحَة مَعَ الِاشْتِغَال بالعلوم النافعة لوجه الله تَعَالَى وكاتن مشاركًا فِي كثير من فنونها وَكَانَ يحفظ الارشاد فِي الْفِقْه
وَمن مشايخه الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ وَالشَّيْخ الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر الهيتمي وَمَا أحسن قَول الشَّيْخ عبد الْقَادِر الفاكهي فِيهِ حِين ذكر أَنه أَخذ عَن الشَّيْخ ابْن حجر أَخذ عنخ رِوَايَة أخد شيخ عَن شيخ كَمَا قيل فِي أَخذ أَحْمد عَن الشَّافِعِي ثمَّ قَالَ ولعمري أَن شَيخنَا العمودي هُوَ أجل من ايْنَ يُقَال فِي حَقه بعد انتهائ تقيذ وَيُطلق وَإِن جلّ اشيخ يَعْنِي ابْن حجر وحسبك بِمَا أَشرت إِلَيْهِ لمنصب الْمُشبه والمشبه بِهِ انْتهى
وَمن تصانيفه حَاشِيَة على الارشاد وَكَانَ أَرَادَ محوها فَمَنعه الشَّيْخ ابْن حجر من ذَلِك وَمِنْهَا النُّور المزرورو وَكَانَ كثيرا التَّعْظِيم لأهل الْعلم مَعَ الخمول المفرط والتواضع الزَّائِد والاستقامة والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى فَلم يتَزَوَّج لذَلِك مُدَّة عمره مُقبلا على الطَّاعَة مذ نَشأ
وحكطر الفاكهي أَنه سَمعه يَقُول طلب مني الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ الْحُضُور فِي اللَّيْل سَاعَة لاستماع درسه الْعَام فَمَا وافقته إِلَّا امتثالا لامره الأكيد قَالَ فَقلت لَهُ مَا سَمِعت فَقَالَ وقفت سَاعَة وَأَنا مَشْغُول وَلم أدر مَا يَقُول وَإِنَّمَا وقفت امتثالًا أَي لشغله بالاوراد الَّتِي لَا رخصَة عِنْده فِي تَركهَا
وروى أَنه قدم إِلَى تريم لزيارة من بهَا مكن الْمَشَايِخ فَاجْتمع بالشيخ الْكَبِير الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه شهَاب ابْن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ عَليّ أَبَا عليوي فَأخْبرهُ بِأَنَّهُ اجْتمع بالامام الْغَزالِيّ فِي غرفَة بداره يقظة من طَرِيق الْكَشْف واستجاز مِنْهُ كتبه فَأَجَازَهُ بهَا فَطلب مِنْهُ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن أَن
[ ٢٣٨ ]
يُجِيزهُ بهَا بِالْإِجَازَةِ الْمَذْكُورَة بذلك وَكَانَت لَهُ أَحْوَاله فاخرة وكرامات طَاهِرَة قَالَ الفاكهي ومناقبه افردتها برسالة
قلت وَهُوَ الَّذِي طلب من الشَّيْخ ابْن حجر أَن يشْرَح مُخْتَصر الْفَقِيه عبد الله أَبَا فضل فِي الْفِقْه جاور بِمَكَّة سنينا وَمَات بهَا رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا
وَحكي أَن الشريف أَبُو نمى سُلْطَان مَكَّة أرسل إِلَيْهِ بِمِائَة دِينَار فَلم يقبلهَا واستحى الرَّسُول أَن يردهَا على الشريف فَبَقيت عِنْده حَتَّى مَاتَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ﵁ فَأخْبر الشريف عِنْد ذَلِك فَأمره بِأَن يَدْفَعهَا إِلَى الشريف عبد الله بن الْفَقِيه الْآتِي ذكره
قَالَ الفاكهي وَسمعت من لفظ شَيخنَا صَاحب الكرامات الباهرة والمجاهدات المعلومات الظَّاهِرَة ولي الله علد الرَّحْمَن العمودي نفع الله بِهِ يَقُول ان شخصا من آل العمودي يخرج من مَقْبرَة المعلاه وَهُوَ من السّبْعين الْألف الشافعة وَلَا أعلم فِي المعلاة من العمودين أجل مِنْهُ وان كَانَ بهَا عَمه وَآخَرُونَ مِنْهُم بل سَمِعت مِنْهُ أَيْضا مَا دلّ دلَالَة صَرِيحَة أَن أَبَاهُ الشَّيْخ عمر المدفون بالقنفذه من السّبْعين الْألف الشافعين وَلَا يستعظم هَذِه المنقبة عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه الأجاهل بحالهما وَلَو من مخالطيه وَمن أَرَادَ لوقوف على عنوان مناقبه وعَلى مراتبه فليقف على كتابي ارشاد الْمُغنِي وَالْفَقِير إِلَى فضل التقشف وَالرِّضَا باليسير فَانِي شرحت فِيهِ بعض أَحْوَاله وأشرت إِلَى جمع كراماته الدَّالَّة على قطبيته وكماله بل ان أَرَادَ أوسع مِنْهُ فليتطلبه فَرُبمَا يعثر عَلَيْهِ فَإِنِّي أَرْجُو جمع كتاب أوسع فِي كراماته بعد تتبعها من أهل جهاته وخصوصياته ضامًا ذَلِك إِلَى مَا عِنْدِي من كثير وَلَا ينبئك مثل خَبِير وَمن نظمه هَذِه الأبيات فِي القهوة أسرار قهوتنا خُذْهَا مبينَة تعين سالكنا فِي اللَّيْل مَا سهرا
وتشرح الْقلب والأعضء تبسطها وَتذهب الْهم وَالْأَحْزَان والكدرا
فَاشْرَبْ فديتك مِنْهَا مَا قدرت لَهُ وقم نَصَحْتُك بالأسحار مَا يسرا
واخلص لَدَى نِيَّة مهما شربت لَهَا وَكن كيئيسًا بهَا الْخيرَات مدخرا
واقتد بشربها مِمَّن مضى خلفا ذَوي الصّلاح وَلَا تقتد بِمن خسرا
[ ٢٣٩ ]
.. واسال آلهك ان يفضل برحمته على نبيك خير الْخلق والبشرا
وَكَانَ وَالِده الشَّيْخ عمر نفع الله بِهِ من كبار أهل الْعلم وَكَانَ يدرس بِبَلَدِهِ قيدون ويفتي بهَا وَحكي أَنه ارْتَفع إِلَيْهِ اثْنَان فِي دَعْوَى وَكَانَ أَحدهمَا على الْحق وَالْآخر على الْبَاطِل فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا الشَّيْخ أَن يصطلحا سترا للْحَال فَأبى ذَلِك الرجل الَّذِي كَانَ مُبْطلًا وَقَالَ لَا أرْضى أَلا بِحكم الشَّرْع فَغَضب الشَّيْخ عِنْد ذَلِك وَقَالَ أما إِذا كَانَ هَكَذَا فشهود الملاحف مَا يجوزوا عِنْدِي وَكَانَ ذَلِك الشَّخْص أعْطى اثْنَيْنِ كل وَاحِد ثوبا حَتَّى يَشْهَدَانِ لَهُ فكاشف الشَّيْخ بذلك
وَحكي أَنه دخل عدن فِي زمَان الشَّيْخ أبي بكر العيدروس فإضافه الشَّيْخ أَبُو بكر وَبَالغ فِي ذَلِك فَلَمَّا راي الشَّيْخ عمر كَثْرَة مَا صنع خطر فِي قلبه أَن هَذَا اسراف فَالْتَفت إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو بكر عِنْد ذَلِك وَقَالَ أكرمناهم قَالُوا إسارف قَالَ الشَّيْخ عمر عِنْد ذَلِك اسْتغْفر الله وَلم يعلم الْحَاضِرُونَ بِشَيْء من ذَلِك حَتَّى حكى لَهُم الشَّيْخ عمر بخاطره الَّذِي خطر لَهُ وكاشفه الشَّيْخ بِهِ
وَحكى وَلَده الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمودي ﵀ أَنه كَانَ فِي مجْلِس وَفِيه جمَاعَة من أهل الْكَشْف فصدر من أحدهم سوء أدب عَلَيْهِ فَعُوقِبَ ذَلِك الرجل بالسلب فِي لحَال
وَحكي أَن الشَّيْخ عمر ﵁ بلغ رُتْبَة القطبية وَكَانَ قد ولي المشيخة ببلاده قيدون بعد أَبِيه على طَرِيقه سلفه فَلَمَّا آل الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى صفك الدِّمَاء وَنَحْوه وَرُجُوع أَمر لَك امرتبة إِلَى قوانين الْملك ترك ذَلِك وعزل نَفسه زهدا فِيهَا ورغبة فِيمَا عِنْد الله من الثَّوَاب وَكَانَ فِي زَمَنه يسوس الْخلق إِلَى قوانين الشَّرْع الشريف وَلَا يحابى فِي الْحق الْقوي على الضَّعِيف فكرهنه الْعَامَّة لذَلِك وعزموا على أَنهم يقتلوه وبولوا مَكَانَهُ أَخَاهُ عُثْمَان فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ مَا يحْتَاج إِلَى هَذَا وتركهم وَمَا يُرِيدُونَ وعزم إِلَى مَكَّة المشرفة ففلما قفل مِنْهَا مَاتَ بالقنفذه وقبره بهَا مَشْهُور وَعَلِيهِ بِنَاء عَظِيم رَحمَه الله تَعَالَى وَقيل أَنه دَعَا عِنْد ذَلِك عَلَيْهِم أَن الله تَعَالَى يبتليهم بِسبع مثل يُوسُف فَاسْتَجَاب الله ذَلِك فمنعوا الْقطر هَذِه الْمدَّة
[ ٢٤٠ ]
حَتَّى أقحطت الأَرْض ولاقى النَّاس بِسَبَب ذَلِك شدَّة عَظِيمَة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة وَأَبوهُ هَذَا يكرهان مايفعله بَنو عمهم من حم لالسلاح وَنَحْوه وَكَانَ ينكران عَلَيْهِم أَشد الْإِنْكَار أعَاد الله علينا من بركتهما فِي الدَّاريْنِ آمين
وَكَانَت وَفَاته فِي هَذَا الْقرن وَلم أعلم تَارِيخه وَلِهَذَا لم أرجم لَهُ كماوقع لي فِي غَيره وَقد ذكرت السَّبَب فِي ذَلِك وَإِلَّا فَهُوَ حري بأنيذكر على الِاسْتِقْلَال كَيفَ وَهُوَ أحد مِمَّن تنزل الرَّحْمَة عِنْد ذكره وَهُوَ غَنِي بفضله وشهرته عَن الإطناب فِي أمره وترجمته
وفيهَا كَانَت وَفَاة أَحْمد شاه أَبَا أَحْمد آباد قَتِيلا
وفيهَا جَاءَ كنكيز خَان إِلَى سرت وَحرق دورها وخربها وَخرب أَهلهَا واستأسر ثمَّ صَالحه سرت خداوند وَذهب إِلَى بَلَده بروج