وَفِي سادس عشر الْمحرم سنة سَبْعَة عشر توفّي السَّيِّد الشريف البارع فِي الْعلم وَالْعَمَل والجود وَالْكَرم الشَّيْخ الْحُسَيْن بن عبد الله العيدروس بتريم وَدفن بهَا عِنْد أَبِيه وَكَانَ مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَكَانَ عَالما بِالْكتاب وَالسّنة حَافِظًا لكتاب الله مواظبًا على تِلَاوَته لَيْلًا وَنَهَارًا قَائِما بِمَا جرى عَلَيْهِ سلفه من الأوراد والأذكار وأكرام الوافدين
[ ٨٨ ]
والفقراء وَالْمَسَاكِين وبذل الجاه فِي الشفاعات للْمُسلمين وَإِصْلَاح ذَات بَينهم وَللَّه در من قَالَ إِن الْحُسَيْن تَوَاتَرَتْ أخباره فِي فَضله عَن سادة فضلاء
غيث يسيح على العفاه سحابه سَحا إِذا شحت يَد الأنواء
تال لآثار النَّبِي مُحَمَّد مستمسك بِالسنةِ الْبَيْضَاء
ورث المكارم والعلى عَن سادة ورثوا عَن الْآبَاء فالآباء
وَرُوِيَ عَن الشَّيْخ عبد العيدروس أَنه كَانَ يَقُول كنت كثير الدُّعَاء فِي سجودي أَن يَرْزُقنِي الله ولدا عَالما سنيًا وَأَرْجُو أَن يكون هُوَ الْحُسَيْن وروى عَن أَخِيه الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الله العيدروس أَنه كَانَ يَقُول الشَّيْخ الْحُسَيْن أكْرم مني فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ ينْفق عَن ضيق لكَونه بحضرموت وَنحن ننفق عَن سَعَة فَهُوَ بذلك أكْرم مني وَكَانَ مشاركًا فِي جَمِيع الْعُلُوم الْمَنْطُوق مِنْهَا وَالْمَفْهُوم وَمن مشايخه الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد أَبَا كثير وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم ابْن ظهيرة والفقيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم الاسقع والفقيه الْعَلامَة عبد الْهَادِي السودي قبل أَن ينجذب وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي علم الْفلك وَكَانَ يُحَقّق قِرَاءَة الشَّيْخَيْنِ وَكَانَ الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد أَبَا محزمه يَقُول مَا رَأَيْت اعقل مِنْهُ وجاور بِمَكَّة المشرفة سنتَيْن وزار قبر جده الْمُصْطَفى ﷺ مرَّتَيْنِ
وَمن كراماته حكى عبد الرَّحِيم الْخَطِيب قَالَ صليت وَرَاء السَّيِّد حُسَيْن ﵁ صبح يَوْم الْجُمُعَة فَقَرَأَ السَّجْدَة فأصابتني حقنة وهممت بمفارقته فَقَرَأَ فِي الثَّانِيَة سُورَة الْإِخْلَاص وأسرع فعجبت لذَلِك وظننت أَن لَهُ حَاجَة أَيْضا فَلم يزل فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى طلعت الشَّمْس كعادته
وَمن شعره هَذِه الأبيات الحسان الَّتِي أَشَارَ فِيهَا إِلَى التَّعَرُّض لنفحات الرَّحْمَن ترج فضلا بدا فِي الْوَقْت وارتقب فَرُبمَا نفحات الله تقترب
وَكن مَعَ الْعَالم الْقُدسِي مُنْقَطِعًا وغب عَن الْكَوْن والأغيار واستلب
واشهد محيا جمال والجلال وَقل حسبي وقسمك فِي الْمَطْلُوب والطلب
[ ٨٩ ]
وَانْظُر إِلَى وَجهه الْوَاضِح بِلَا حجب يَأْتِيك من فَضله منا بِلَا تَعب
وامعن إِلَى حسنه الساري مكافحة وَأنْظر نظر ابتهاج غير مُضْطَرب
واعكف على الْغَايَة الْمَطْلُوب مِنْهُ وَقل هَذَا هُوَ الْحق وَالْمعْنَى بِلَا ريب
وعش وطب وبشرب الذّكر ذوق لَهُ من لَا يطيب بِذكر الله لم يطب
هَذَا صفاء الْعَيْش إِن كنت اللبيب لَهُ سرا تقرب فَهُوَ من أفضل الْقرب
واسلك سَبِيل طَرِيق الله اجمعها محبَّة وتأدب غَايَة الْأَدَب
واعمل إِلَى الْعَالم اللاهوت منطويًا على الْفِرَار من الْآفَات واللعب
وجاهد النَّفس واعمل مَا يخلصها وَانْظُر لما قَالَ أهل الْعلم والكتب
فَإِن عز اولي الدَّاريْنِ قد جمعت فِي طَاعَة الله لَا فِي المَال وَالنّسب
ثمَّ الصَّلَاة على الْمَحْمُود مرتقيًا مقَام قوسين عَال عالي الرتب
وفيهَا توفّي الْعَلامَة الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْأَسْقَع أَبَا علوي بتريم فِي شَوَّال وَكَانَ من الْفُقَهَاء البارعين وَالْعُلَمَاء المتفننين أَخذ أَنْوَاع الْعُلُوم وبرع وتفنن وَلزِمَ الْجد وَالِاجْتِهَاد فِي الْعلم وَالْعَمَل وَأَقْبل على نفع النَّاس اقراء وافتاء مَعَ الدّين المتين وَترك مَا لَا يعنيه وَشدَّة الْوَرع والزهد وَالْعِبَادَة والخمول وَكَانَ حسن التَّقْرِير فِي تدريسه وَأخذ عَنهُ غير وَاحِد
وَمن مشايخه خَاله الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله أَبَا فضل وَكَانَ جلّ انتفاعه عَلَيْهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر أَبَا علوي وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم أبن ظهيرة الْقرشِي والفقيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن أَبَا فضل والحافظ السخاوي وَله مِنْهُ إجَازَة وَمكث فِي مَكَّة مُدَّة لطلب الْعلم وَمن محفوظاته الْحَاوِي فِي الْفِقْه ومنظومة الْبرمَاوِيّ فِي الْأُصُول والفقيه ابْن مَالك فِي النَّحْو ومقرراته كَثِيرَة جدا وَحكي أَنه قَرَأَ الْأَحْيَاء أَربع مَرَّات وَمن كَلَامه كل قرصك والزم خلصك إِشَارَة إِلَى القناعة وَالْعُزْلَة وَرَآهُ بَعضهم فِي الْمَنَام بعد مَوته فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَقَالَ ﴿فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر﴾
وَمن كراماته أَن بعض خُدَّامه سرق دَاره فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى
[ ٩٠ ]
الْمَكَان الْفُلَانِيّ تَجِد فِيهِ مَا أَخذ مِنْهُ فَفعل فَوجدَ سَرقته فِي ذَلِك الْمَكَان الَّذِي عينه ﵀
وفيهَا فِي ضحى يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع من شهر محرم الْحَرَام توفّي الْفَقِيه الْعَالم الصَّالح وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن أبن القَاضِي صفي الدّين أَحْمد أبن عمر المزجد إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر بِمَسْجِد الاشاعر وَدفن بجوار الشَّيْخ عَليّ المرتضى وبمقبرة بَاب سِهَام وأسف عَلَيْهِ وَالِده أسفا كثيرا وصبر واحتسب وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَكَانَ قد نجب ودرس وَأفْتى ﵀
وفيهَا ولدت مولودة بقرية النويدرة وَطلب لَهَا من يُؤذن لَهَا فِي اذنها فحين بلغ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله سمع الطفلة عِنْد ذَلِك تَقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثَلَاثَة مَرَّات
وَفِي فجر يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع عشر من شهر ربيع الأول توفّي الشَّيْخ الصَّالح عَليّ بن أسماعيل المشرع إِلَى رَحْمَة الله وَدفن ضحى ذَلِك الْيَوْم إِلَى جنب وَالِده
وَفِي لَيْلَة الْأَحَد وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الْأُخَر توفّي الْفَقِيه الصَّالح أَبُو الْقسم بن عَليّ بن مُوسَى المشرع شَهِيدا بمرجال حصل لَهُ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة الْحَادِي عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور وَهُوَ قَاعد بَين النَّاس فِي بَيته لقِرَاءَة ولد النَّبِي ﷺ فانكسر رَأسه وَأقَام تِسْعَة أَيَّام ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وعوضه الْجنَّة وَلم يعرف قَاتله وَدفن إِلَى جنب أَبِيه وجده
وَفِي يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث عشر من شهر رَمَضَان توفّي الشَّيْخ الْعَالم الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل المشرع عجيل بِدِينِهِ زبيد ضحى وَصلى عَلَيْهِ بِمَسْجِد الأشاعر بعد صَلَاة الْعَصْر وَدفن إِلَى جنب أَبِيه قبلي تربة الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الجبرتي ﵀ وعوضه الْجنَّة آمين
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة الْحَرَام توفّي الشَّيْخ الصَّالح أَبُو الْقَاسِم الْجُنَيْد أَحْمد بن مُوسَى المشرع عجيل بِمَكَّة المشرفة وَكَانَ قد أنقطع للمجاورة للحرمين الشريفين فَكَانَ يُقيم بِمَكَّة أَيَّامًا وبالمدينة أَيَّامًا وَصلى عَلَيْهِ بِالْحرم الشريف بعد صَلَاة الْعَصْر من ذَلِك الْيَوْم وشيعه
[ ٩١ ]
جمع عَظِيم وحملت جنَازَته على الرؤوس وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وفيهَا خسف بفيل السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب الْمُسَمّى مَرْزُوق بقرية يُقَال لَهَا الركز من زَوَايَا الشَّيْخ شهَاب الدّين قطب زَمَانه وواسطة عقد أقرانه أَحْمد بن علوان نفع الله بِهِ قَرِيبا من قَرْيَة يفرس وَكَانَ قد أدخلهُ بَيت بعض فُقَرَاء الشَّيْخ كرها وسألهم مَا لَا طَاقَة لَهُم بِتَسْلِيمِهِ فَلم يشعروا حَتَّى غَابَ أَكثر الْفِيل فِي الأَرْض وَكَانَت من الْقَفَا من قبل رجلَيْهِ فَصَرَخَ صرخات وَمَات إِلَّا رحم الله سائسه فَكَانَ عِبْرَة لمن رَآهُ وَلم يقدر أحد على اخراج شَيْء مِنْهُ من مَوضِع الْخَسْف
وفيهَا كَانَ دُخُول الافرنج عدن وَقتل كَبِيرهمْ الْمُسَمّى عين الْبَقر على يَد الْأَمِير مرجان وَهَذَا مرجان هُوَ الَّذِي عمر قبَّة العيدروس بعدن وَدفن مَعَه فِيهَا