زعم بَعضهم أَن أقدم التواريخ تَارِيخ القبط لِأَنَّهُ بعد انْقِضَاء الطوفان وَأقرب التواريخ الْمَعْرُوفَة تَارِيخ يزدجرد بن شهريار الْملك الْفَارِسِي وَهَذَا هُوَ تَارِيخ أرخه الْمُسلمُونَ عِنْد افتتاحهم بِلَاد)
الأكاسرة وَهِي الْبِلَاد الَّتِي تسمى بِلَاد إيران شهر وَأما التَّارِيخ المعتضدي فَمَا أَظُنهُ تجَاوز بِلَاد الْعرَاق وَفِيمَا بَين هَذِه التواريخ تواريخ القبط وَالروم وَالْفرس وَبني إِسْرَائِيل وتاريخ عَام الْفِيل وأرخ النَّاس بعد ذَلِك من عَام الْهِجْرَة وَأول من أرخ الْكتب من الْهِجْرَة عمر بن الْخطاب ﵁ فِي شهر ربيع الأول سنة سِتّ عشرَة وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كتب إِلَى عمر ﵁ أَنه يأتينا من قبل أَمِير الْمُؤمنِينَ كتب لَا نَدْرِي على أَيهَا نعمل قد قَرَأنَا صكًا مِنْهَا مَحَله شعْبَان فَمَا نَدْرِي أَي الشعبانين الْمَاضِي أَو الْآتِي فَعمل عمر ﵁ على كتب التَّارِيخ فَأَرَادَ أَن يَجْعَل أَوله رَمَضَان فَرَأى أَن الْأَشْهر الْحرم تقع حِينَئِذٍ فِي سنتَيْن فَجعله من الْمحرم وَهُوَ
[ ١ / ٣٢ ]
آخرهَا فصيره أَولا لتجتمع فِي سنة وَاحِدَة وَكَانَ قد هَاجر ﷺ يَوْم الْخَمِيس لأيام من الْمحرم فَمَكثَ مُهَاجرا بَين سير ومقام حَتَّى دخل الْمَدِينَة شَهْرَيْن وَثَمَانِية أَيَّام وَقَالَ العسكري فِي كتاب الْأَوَائِل أول من آخر النيروز المتَوَكل قَالَ بَينا المتَوَكل يطوف فِي متصيد لَهُ إِذْ رأى زرعا أَخْضَر قَالَ قد استأذنني عبيد الله بن يحيى فِي فتح الْخراج وَأرى الزَّرْع أَخْضَر فَقيل لَهُ أَن هَذَا قد أضرّ بِالنَّاسِ فهم يقترضون ويستسلفون فَقَالَ هَذَا شَيْء حدث أم هُوَ لم يزل كَذَا فَقيل لَهُ حَادث ثمَّ عرف أَن الشَّمْس تقطع الْفلك فِي ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَربع يَوْم وَأَن الرّوم تكبس فِي كل أَربع سِنِين يَوْمًا فيطرحونه من الْعدَد فيجعلون شباط ثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات ثَمَانِيَة وَعشْرين يَوْمًا وَفِي السّنة الرَّابِعَة وَهِي الَّتِي تسمى الكبيس نيجر من ذَلِك الرّبع يَوْم تَامّ فَيصير شباط تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا فَكَانَت الْفرس تكبس الْفضل الَّذِي بَين سنتها وَبَين سنة الشَّمْس فِي كل مئة وَسِتَّة عشر سنة شهرا وَهَذَا الكبس على طوله أصح من كبس الرّوم لِأَنَّهُ أقرب إِلَى مَا يحصله الْحساب من الْفضل فِي سنة الشَّمْس فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام عطل ذَلِك وَلم يعْمل بِهِ فاضر بِالنَّاسِ ذَلِك وَجَاء زمن هِشَام فَاجْتمع الدهاقنة إِلَى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فشرحوا لَهُ وسألوه أَن يُؤَخر النيروز شهرا فَكتب إِلَى هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة فَقَالَ هِشَام أَخَاف أَن يكون هَذَا من قَول الله تَعَالَى إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر التَّوْبَة فَلَمَّا كَانَ أَيَّام الرشيد اجْتَمعُوا إِلَى يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وسألوه أَن يُؤَخر النيروز نَحْو شهر فعزم على ذَلِك فَتكلم اعداؤه فِيهِ فَقَالُوا هُوَ يتعصب للمجوسية فَاضْرب عَنهُ فَبَقيَ على ذَلِك إِلَى الْيَوْم فَاحْضُرْ المتَوَكل إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس وَأمره أَن يكْتب كتابا فِي تَأْخِير النيروز بعد أَن يحسبوا الْأَيَّام فَوَقع الْعَزْم على تَأْخِيره إِلَى سَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا)
من حزيران فَكتب الْكتاب على ذَلِك وَهُوَ كتاب مَشْهُور فِي رسائل إِبْرَاهِيم وَإِنَّمَا احتذى المعتضد مَا فعله المتَوَكل إِلَّا أَنه قد قصره فِي أحد عشر يَوْمًا من حزيران فَقَالَ البحتري يمدح المتَوَكل الْخَفِيف
(لَك فِي الْمجد أول وأخير ومساع صغيرهن كَبِير)
(إِن يَوْم النيروز عَاد إِلَى الْعَهْد الَّذِي كَانَ سنه ازدشير)
(أَنْت حولته إِلَى الْحَالة الأولى وَقد كَانَ حائرا يستدير)
قَالَ أَحْمد بن يحيى البلاذري حضرت مجْلِس المتَوَكل وَإِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس يقْرَأ الْكتاب الَّذِي انشأه فِي تَأْخِير النيروز والمتوكل يعجب من حسن عِبَارَته ولطف مَعَانِيه وَالْجَمَاعَة تشهد لَهُ بذلك فدخلتني نفاسة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا الْكتاب خطأ فَأَعَادُوا النّظر فِيهِ وَقَالُوا مَا نرَاهُ وَمَا هُوَ فَقلت أرخ السّنة الفارسية بالليالي والعجم تورخ بِالْأَيَّامِ وَالْيَوْم عِنْدهم أَربع وَعِشْرُونَ
[ ١ / ٣٣ ]
سَاعَة تشْتَمل على اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ جُزْء من ثَلَاثِينَ جُزْءا من الشَّهْر وَالْعرب تورخ بالليالي لِأَن سنتهمْ وشهورهم قمرية وَابْتِدَاء رُؤْيَة الْهلَال بِاللَّيْلِ قَالَ فَشَهِدُوا بِصِحَّة مَا قلت واعترف إِبْرَاهِيم وَقَالَ لَيْسَ هَذَا من علمي قَالَ فخف عني مَا دخلني من النفاسة ثمَّ قتل المتَوَكل قبل دُخُول السّنة الجديدة وَولى الْمُنْتَصر واحتيج إِلَى المَال فطولب بِهِ النَّاس على الرَّسْم الأول وانتقض مَا رسمه المتَوَكل فَلم يعْمل بِهِ حَتَّى ولي المعتضد فَقَالَ ليحيى بن عَليّ المنجم قد كثر ضجيج النَّاس فِي أَمر الْخراج فَكيف جعلت الْفرس مَعَ حكمتها وَحسن سيرتها افْتِتَاح الْخراج فِي وَقت لَا يتَمَكَّن النَّاس من أَدَائِهِ فِيهِ قَالَ فشرحت لَهُ أمره وَقلت يَنْبَغِي أَن يرد إِلَى وقته وَيلْزم يَوْمًا من أَيَّام الرّوم فَلَا يَقع فِيهِ تَغْيِير فَقَالَ الْحق عبد الله بن سُلَيْمَان فوافقه على ذَلِك فصرت إِلَيْهِ ووافقته وحسبنا حسابه فَوَقع فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر من حزيران وَأحكم أمره على ذَلِك وَأثبت فِي الدَّوَاوِين وَكَانَ النيروز الْفَارِسِي فِي وَقت نقل المعتضد لَهُ يَوْم الْجُمُعَة لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن شهور الرّوم الْحَادِي عشر مكن نيسان فاخره حَسْبَمَا أوجبه الكبس سِتِّينَ يَوْمًا حَتَّى رَجَعَ إِلَى وقته الَّذِي كَانَت الْفرس ترده إِلَيْهِ وَكَانَ قد مضى لذَلِك مِائَتَان وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة فارسية تكون من سني الْعَرَب مِائَتَيْنِ وَتِسْعَة وَثَلَاثِينَ سنة وَبضْعَة عشر يَوْمًا وَوَقع بعد التَّأَخُّر يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن شهور الرّوم الْحَادِي عشر من حزيران)
انْتهى مَا حَكَاهُ العسكري قلت قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر التَّوْبَة الْآيَة فِي النسيء قَولَانِ الأول إِنَّه التَّأْخِير قَالَ أَبُو زيد نسأت الْإِبِل عَن الْحَوْض إِذا أخرتها وَكَأن النسيء عبارَة عَن التَّأْخِير من شهر إِلَى شهر آخر وَالثَّانِي هُوَ الزِّيَادَة قَالَ قطرب نسأ الله فِي الْأَجَل إِذا زَاد فِيهِ وَالصَّحِيح الأول نسأت الْمَرْأَة إِذا حملت لتأخير حَيْضهَا ونسأت اللَّبن إِذا أَخَّرته حَتَّى أَكثر المَاء فِيهِ كَانَت الْعَرَب تعتقد تَعْظِيم الْأَشْهر الْحرم تمسكا بِهِ من مِلَّة إِبْرَاهِيم ﵇ وَكَانَ يشق عَلَيْهِم الْكَفّ عَن مَعَايشهمْ وَترك الإغارة والقتال ثَلَاثَة أشهر على التوالي فنسئوا أَي أخروا تَحْرِيم ذَلِك الشَّهْر إِلَى غَيره فأخروا حُرْمَة الْمحرم إِلَى صفر فيحلون الْمحرم ويحرمون صفر وَإِذا احتاجوا إِلَى تَحْرِيم صفر أخروه إِلَى ربيع الأول هَكَذَا كل شهر حَتَّى يَدُور التَّحْرِيم على شهور السّنة كلهَا فَقَامَ الْإِسْلَام وَقد رَجَعَ الْمحرم إِلَى مَوْضِعه وَذَلِكَ بعد دهر طَوِيل فَخَطب ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع وَقَالَ إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَوَاحِد فَرد وَهُوَ رَجَب مُضر الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان ووقف ﷺ بِعَرَفَة فِي حجَّة الْوَدَاع يَوْم التَّاسِع وخطب بمنى يَوْم الْعَاشِر واعلمهم أَن
[ ١ / ٣٤ ]
أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزَّمَان وَعَاد الْأَمر إِلَى مَا وضع عَلَيْهِ حِسَاب الْأَشْهر يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأمرهمْ بالمحافظة عَلَيْهَا لِئَلَّا تتبدل فِيمَا يَأْتِي من الزَّمَان وَأول من نسأ النسيء بَنو مَالك بن كنَانَة أَبُو عبيد بَنو فقيم من كنَانَة أَو أول من فعل ذَلِك نعيم بن ثَعْلَبَة من كنَانَة وَكَانَ يكون الْمَوْسِم فَإِذا هم النَّاس بالصدر قَامَ فَخَطب وَقَالَ لَا مرد لما قضيت فَلَا أعاب وَلَا أحاب فَيَقُول لَهُ الْمُشْركُونَ لبيْك فيسألونه أَن ينسئهم شهرا يغيرون فِيهِ فَيَقُول فَإِن صفرًا الْعَام حرَام فيحلون الأوتار وينزعون الأسنة الأزجة وَإِن قَالَ حَلَال عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة وأغاروا وَكَانَ من بعده جُنَادَة بن عَوْف وَهُوَ الَّذِي أدْركهُ النَّبِي ﷺ وَكَانَ يُقَال لَهُ القملش أَو أول من نسي النسيء عَمْرو بن لحي بن قمعة بن جُنْدُب