تَقول الْعَرَب أرخت وورخت فيقلبون الْهمزَة واوًا لِأَن الْهمزَة نَظِير الْوَاو فِي الْمخْرج فالهمزة)
من أقْصَى الْحلق وَالْوَاو من آخر الْفَم فَهِيَ محاذيتها وَلذَلِك قَالُوا فِي وعد أعد وَفِي وُجُوه أجوه وَفِي أثوب أثوب وَأحد ووحد فعلى ذَلِك يكون الْمصدر تَارِيخا وتوريخًا بِمَعْنى وَقَاعِدَة التَّارِيخ عِنْد أهل الْعَرَبيَّة أَن يورخوا بالليالي دون الْأَيَّام لِأَن الْهلَال إِنَّمَا يرى لَيْلًا ثمَّ إِنَّهُم يؤنثون الذّكر ويذكرون الْمُؤَنَّث على قَاعِدَة الْعدَد لِأَنَّك تَقول ثَلَاثَة غلْمَان وَأَرْبع جوَار إِذا عرفت ذَلِك فَإنَّك تَقول فِي اللَّيَالِي مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر ثَلَاث لَيَال إِلَى بَابه وَتقول فِي الْأَيَّام مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَأَرْبَعَة أَيَّام وبابه فَإِن قلت لأي شَيْء فعلوا ذَلِك والتأنيث فرع على التَّذْكِير كَمَا تقرر فِي بَاب مَا لَا ينْصَرف لما كَانَ التَّأْنِيث عِلّة من الصّرْف قلت لِأَن الأَصْل فِي الْعدَد التَّأْنِيث لكَونه جمَاعَة والمذكر الأَصْل فأنث الأَصْل فِي هَذَا الْبَاب وَبَقِي الْمُذكر بِغَيْر تَأْنِيث لِأَنَّهُ فرع وَلِأَن الْفرق لَا يحصل إِلَّا بِزِيَادَة وَالزِّيَادَة يحتملها الْمُذكر لِأَنَّهُ أخف من الْمُؤَنَّث وَقَالُوا يَوْم وَاحِد ويومان وَثَلَاثَة أَيَّام وَمَا بعده إِلَى الْعشْرَة فَلم يضيفوا وَاحِد وَلَا اثْنَان إِلَى مُمَيّز فَأَما مَا جَاءَ من قَول الشَّاعِر الرجز
(كَأَن خصييه من التدلدل ظرف عَجُوز فِيهِ ثنتا حنظل)
[ ١ / ٣٥ ]
فبابه الشّعْر وضرورة الشّعْر لَا تكون قَاعِدَة فَإِن قلت لأي شَيْء فعلوا ذَلِك قلت لِأَنَّهُ يعود إِلَى بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لِأَنَّك إِذا قلت اثْنَا يَوْمَيْنِ أَو وَاحِد رجل فاليومان هما الأثنان وَالْوَاحد هُوَ الرجل وَإِذا قلت يَوْم ورجلان فقد دللت على الكمية وَالْجِنْس وَلَيْسَ كَذَلِك فِي أَيَّام وَرِجَال فِيمَا فَوق الثَّلَاثَة لِأَن ذَلِك يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير فيضاف الْعدَد إِلَيْهِ لتعلم الكمية وأضافوا الْعدَد من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة إِلَى جموع الْقلَّة فَقَالُوا ثَلَاثَة أَيَّام وَأَرْبَعَة أجمال وَخَمْسَة أشهر وَسِتَّة أرغفة وَلَا يُورد هَهُنَا قَوْله تَعَالَى ثَلَاثَة قُرُوء الْبَقَرَة لِأَنَّهُ ميز الثَّلَاثَة بِجمع الْكَثْرَة لِأَن الْمَعْنى كل وَاحِدَة من المطلقات تَتَرَبَّص للعدة ثَلَاثَة أَقراء ثَلَاثَة أَقراء فَلَمَّا كَانَ مَجْمُوع الْأَقْرَاء من المطلقات كثيرا ميز الثَّلَاثَة بِجمع الْكَثْرَة وَلَا ينْقض هَذَا بقوله تَعَالَى الله يتوفى الْأَنْفس الزمر فَأتى بِجمع الْقلَّة والنفوس المتوفاة كَثِيرَة إِلَى الْغَايَة أشعارًا بتهوين هَذَا الْفِعْل فِي مَقْدُور الله تَعَالَى وَكَأن توفى هَذِه النُّفُوس الْكَثِيرَة الَّتِي علم كثرتها وَتحقّق تزايدها فِي مَقْدُور الله تَعَالَى كَأَنَّهُ توفى أنفس قَليلَة دون الْعشْرَة وَلَا يُضَاف عدد أقل من سِتَّة إِلَى مميزين ذكر وَأُنْثَى لِأَن كل وَاحِد من المميزين جمع وَأَقل الْجمع ثَلَاثَة وَقَالُوا فِي الْعدَد الْمركب من بعد الشعرة إِلَى الْعشْرين وَهُوَ أحد عشر وَبَاب إِحْدَى عشرَة لَيْلَة واثنتا عشرَة سَاعَة وَثَلَاث عشرَة لَيْلَة وَمَا بعده إِلَى الْعشْرين بِإِثْبَات التَّأْنِيث فِي الجزءين من إِحْدَى عشرَة واثنتا عشرَة وَحذف التَّأْنِيث)
من الْجُزْء الأول فِي الْبَاقِي للمؤنث وَأحد عشر يَوْمًا وَاثنا عشر يَوْمًا وَثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَمَا بعده إِلَى الْعشْرين بخلو الجزءين الْأَوَّلين من التَّأْنِيث وإثباته فِي الْجُزْء الأول لما بعده فِي الْمُذكر والحجازيون يسكنون الشين فِي عشرَة وَبَنُو تَمِيم يكسرونها وميزوا مَا بعد الْعشْرَة إِلَى الْعشْرين وَمَا بعْدهَا من الْعُقُود إِلَى التسعين بمنصوب فَقَالُوا أحد عشر كوكبًا وَأَرْبَعين لَيْلَة
فَإِن قلت هلا اجروا هَذَا الْمُمَيز مجْرى مَا قبل ذَلِك من الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة قلت أما فِي أحد عشر وبابه فَإِن حق الْجُزْء الْأَخير التَّنْوِين إِنَّمَا حذف تنوينه لبنائه من كَونه مركبا فَكَأَن التَّنْوِين مَوْجُود فِي اللَّفْظ لِأَنَّهُ لم يقم مقَامه شَيْء يبطل حكمه فَكَانَ بَاقِيا فِي الحكم فَمنع مميزه من الْإِضَافَة لِأَنَّهَا لَا تَجْتَمِع مَعَ التَّنْوِين وَأما فِي عشْرين وبابه لِأَن النُّون قَائِمَة مقَام التَّنْوِين الَّتِي فِي الْمُفْرد وَلِهَذَا تسْقط مَعَ الْإِضَافَة كالتنوين فَامْتنعَ الْمُمَيز أَيْضا من الْإِضَافَة فانتصب
وَأتوا بواو الْعَطف بعد الْعشْرين ومنعوها بعد الْعشْرَة إِلَى الْعشْرين فَقَالُوا أحد وَعِشْرُونَ وَأحد عشر فَإِن قلت مَا الْعلَّة فِي ذَلِك قلت حذفوها مَا بعد الْعشْرَة حملا على الْعشْرَة وَمَا قبلهَا من الْآحَاد لقربها مِنْهَا على لفظ الْأَعْدَاد المفردة فَلَمَّا بَعدت بعد الْعشْرين عَنْهَا أَتَوا بِالْوَاو فَإِن قلت فَهَلا اشتقوا فِي العشرات من لفظ الِاثْنَيْنِ كَمَا اشتقوا من الثَّلَاثَة ثَلَاثِينَ وهلم جرا إِلَى التسعين
[ ١ / ٣٦ ]
قلت لِأَن اثْنَيْنِ أعرب بِالْألف فِي حَالَة الرّفْع وَعِشْرُونَ جرت مجْرى الْجمع السَّالِم فأعربت بِالْوَاو حَالَة الرّفْع فَلَو أَنهم فعلوا ذَلِك احْتَاجَ الْمُشْتَقّ فِي العشرات من الِاثْنَيْنِ أَن يكون لَهُ إعرابان فثنوا عشرَة فَقَالُوا عشرُون فَإِن قلت كَانَ يلْزم على هَذَا أَن يَقُولُوا عشرُون بِفَتْح الْعين والشين وَالرَّاء لِأَنَّهَا تَثْنِيَة عشر قلت لِأَن الأَصْل هَهُنَا كَمَا أوردت أَن يشتق من لفظ اثْنَيْنِ وَكَانَ أول الِاثْنَيْنِ مكسورًا فكسروا أول الْعشْرين وَسَكنُوا الشين طلبا للخفة وكسروا الرَّاء لمناسبة مَا جمع بِالْوَاو وَالنُّون أَلا تراهم ضموها فِي حَالَة الرّفْع وَأَيْضًا فان الْعشْرَة تؤنث وَجَمعهَا لَا يؤنث فكسروا أَولهَا فِي الْجمع لَان الْكسر من جنس الْيَاء وَقَالُوا مائَة يَوْم وَمِائَتَا يَوْم فَجعلُوا الممّيز من الْمِائَة الى الْألف وَمَا بعده مُضَافا وَلم يجروه مجْرى مَا بعد الْعشْرَة إِلَى التسعين فان قلت مَا العلّة فِي ذَلِك قلت لِأَن الْمِائَة حملت على الْعشْرَة لكَونهَا عقدا مثلهَا وحملت على التسعين لِأَنَّهَا تَلِيهَا فألزم مميزها الْإِضَافَة تَشْبِيها بِالْعشرَةِ وميزت بِالْوَاحِدِ دون الْجمع تَشْبِيها بالتسعين وَقَالُوا ثَلَاث مائَة وَأَرْبَعمِائَة وبابه فميزوه بالمفرد وَلم يميزوا بِالْجمعِ فَقَالُوا ثَلَاث مائين فَإِن قلت مَا الْعلَّة فِي ذَلِك قلت اكْتِفَاء بِلَفْظ الْوَاحِد عَن الْجمع قَالَ الله تَعَالَى)
ثمَّ يخرجكم طفْلا غَافِر أَي أطفالا وَقَالَ الشَّاعِر الْكَامِل
(كلوا فِي بعض بطنكم تعفوا فَإِن زمانكم زمن خميص)
على أَنه قد قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين الْكَهْف بِإِضَافَة مائَة إِلَى سِنِين وَهَذَا إِضَافَة الْمُمَيز إِلَى جمع فعلى هَذِه الْقِرَاءَة أقل مُدَّة لبثهم على مَذْهَب من يرى أَن الْجمع اثْنَان فَمَا فَوْقهمَا تكون سِتّمائَة سنة وتسع سِنِين لكَونه أضيف الْمُمَيز إِلَى جمع وَقَالُوا ألف لَيْلَة فأجروا ذَلِك فِي التَّمْيِيز مجْرى الْمِائَة فَإِن قلت مَا الْعلَّة فِي ذَلِك قلت لِأَن الْألف عقد كَمَا أَن الْمِائَة عقد وَقَالُوا ثَلَاثَة آلَاف لَيْلَة فَجمعُوا الْألف وَقد دخل على الْآحَاد وَلم يفرد مَعَ الْآحَاد كالمائة فَإِن قلت هَذَا ينْقض مَا قَرّرته أَولا من التَّعْلِيل قلت أَن الْألف طرف كَمَا أَن الْوَاحِد طرف لِأَن الْوَاحِد أول وَالْألف آخر ثمَّ تَتَكَرَّر الْأَعْدَاد فَلذَلِك أجري مجْرى الْآحَاد) تَنْبِيه (لفظ ألف مُذَكّر وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة آل عمرَان وَقد تقرر أَن الْمَعْدُود الْمُذكر يؤنث والمؤنث يذكر وَلَا يُورد قَوْلهم هَذِه ألف دِرْهَم فَإِن الْإِشَارَة إِنَّمَا هِيَ إِلَى الدَّرَاهِم لَا إِلَى الْألف وَتَقْدِيره هَذِه الدَّرَاهِم ألف وَقَالَت الْعَرَب ألف صنم وَألف أَقرع وَإِذا أردْت تَعْرِيف الْعدَد الْمُضَاف أدخلت الأداة على الِاسْم الثَّانِي فتعرف بِهِ الأول نَحْو ثَلَاثَة الرِّجَال وَمِائَة الدِّرْهَم كَقَوْلِك غُلَام الرجل قَالَ ذُو الرمة الطَّوِيل
[ ١ / ٣٧ ]
(وَهل يرجع التَّسْلِيم أَو يكْشف الْعَمى ثَلَاث الأثافي والرسوم البلاقع)
وَلَا يجوز الْخَمْسَة دَرَاهِم لِأَن الْإِضَافَة للتخصيص وَتَخْصِيص الأول بِاللَّامِ يُغْنِيه عَن ذَلِك فَأَما مَا لم يضف فأداة التَّعْرِيف فِي الأول نَحْو الْخَمْسَة عشر درهما إِذْ لَا تَخْصِيص بِغَيْر اللَّام وَقد جَاءَ شَيْء ف على خلاف ذَلِك) تَنْبِيه (الفصيح إِن تَقول عِنْدِي ثَمَانِي نسْوَة وثماني عشرَة جَارِيَة وثماني مائَة دِرْهَم لِأَن الْيَاء هُنَا يَاء المنقوص وَهِي ثَابِتَة فِي حَالَة الْإِضَافَة وَالنّصب كياء قَاض فَإِن قلت قَول الْأَعْشَى الْكَامِل
(وَلَقَد شربت ثمانيا وثمانيا وثمان عشرَة واثنتين وأربعا)
يُخَالف ذَلِك قلت بَابه الضَّرُورَة فِي الشّعْر كَمَا قَالَ الآخر الوافر
(وطرت بمنصلي فِي يعملات دوامي الأيد يخبطن السريحا)
يُرِيد الْأَيْدِي على أَنه قد قريء وَله الْجوَار المنشئات الرَّحْمَن بِضَم الرَّاء