قَالَ أهل الْعلم بسيرة وأخباره هُوَ أَبُو الْقَاسِم وَهُوَ الْمَشْهُور وَأَبُو إِبْرَاهِيم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قُصَيّ بن كلاب بن مرَّة بن كَعْب بن لؤيْ بن غَالب بن فهرِ بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان الْبَسِيط
(وَكم أَب قد علا بِابْن ذرى شرفٍ كَمَا علا برَسُول الله عدنان)
هَذَا هُوَ الْمُتَّفق على صِحَّته وَقَالَ الْحَافِظ عبد الغنيّ وَغَيره عدنان بن ادد بن المقّوم بن ناحور بن تيرح بن يشحب بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ بن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن ساروح بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن ارفخشذ بن سَام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ وَهُوَ إِدْرِيس ﵇ فِيمَا يَزْعمُونَ
[ ١ / ٦٢ ]
وَهُوَ أول بني آدم أعطي النبوّة وَخط بالقلم بن يرد بن مهليل بن قينين بن يانش بن شِيث بن آدم ﵇ وَهَذَا النّسَب ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار المدنيّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَات وَإِلَى)
عدنان مُتَّفق على صِحَّته من غير اخْتِلَاف وَمَا بعده مُخْتَلف فِيهِ وقريش فِيهِ أَقْوَال أشهرها هُوَ فهر بن مَالك وَقيل النَّضر وَأمه ﵇ آمِنَة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة ولد يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي شهر ربيع الأول من عَام الْفِيل قيل ثَانِيه وَقيل ثالثه وَقيل ثَانِي عشره وَقيل غير ذَلِك وَقَالَ بَعضهم بعد الْفِيل بِثَلَاثِينَ وَقيل بعده باربعين يَوْمًا وروى ابْن معِين باسناد حسن انه ولد يَوْم الْفِيل وَالصَّحِيح أَنه عَام الْفِيل الْكَامِل
(يَوْم أَضَاء بِهِ الزَّمَان وَفتحت فِيهِ الْهِدَايَة زهرَة الآمال)
وَمَات أَبوهُ عبد الله وَرَسُول الله ﷺ قد أَتَى لَهُ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ شهرا وَقيل وَهُوَ حملٌ وَقيل وَله شَهْرَان وَقيل سَبْعَة وَقَالَ بَعضهم مَاتَ ابوه فِي دَار النَّابِغَة وَقيل بالأبواء بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَقَالَ أَبُو عبد الله الزبير بن بكار الزبيرِي توفّي عبد الله بن عبد الْمطلب بِالْمَدِينَةِ وَرَسُول الله ﷺ ابْن شَهْرَيْن وَمَاتَتْ أمه وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين وَقيل ستّ وَمَات جده عبد الْمطلب وَكَانَ قد كفله بعد وَفَاة أَبِيه وَرَسُول الله ﷺ لَهُ ثَمَانِي سِنِين وشهران وَعشرَة أَيَّام فولى كفَالَته عَمه أَبُو طَالب وأرضعته حليمة بنت أبي ذُؤَيْب السعدية وَعِنْدهَا شقّ صَدره وملئ حِكْمَة وإيمانا بعد ان استخرج حَظّ الشَّيْطَان مِنْهُ وروى البُخَارِيّ شقّ صَدره لَيْلَة الْمِعْرَاج وَاسْتَشْكَلَهُ ابْن حزم وأرضعته أَيْضا ثويبة الأسْلَمِيَّة جَارِيَة أَبى لَهب وأرضعت مَعَه حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَأَبا سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي أرضعتهم بِلَبن ابْنهَا مسروح وحضنته أم أَيمن بركَة الحبشية وَكَانَ ورثهَا من أَبِيه فَلَمَّا كبر اعتقها وَزوجهَا زيد بن حَارِثَة وَلما بلغ اثْنَتَيْ عشرَة سنة وشهرين وَعشرَة أَيَّام خرج مَعَ عمّه أبي طَالب إِلَى الشَّام فَلَمَّا بلغ بُصرى رَآهُ بحيرا الراهب فَعرفهُ بِصفتِهِ فجاءة وَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ هَذَا رَسُول رب الْعَالمين يَبْعَثهُ الله رَحْمَة للْعَالمين إِنَّكُم حِين أقبلتم من الْعقبَة لم يبْق حجر وَلَا شجر إِلَّا خرّ سَاجِدا وَلَا يسجدان إِلَّا لنبيّ وَإِنَّا نجده فِي كتبنَا وَقَالَ لأبي طَالب لَان قدمت بِهِ إِلَى الشأم
[ ١ / ٦٣ ]
لتقتلنه الْيَهُود فَرده خوفًا عَلَيْهِ مِنْهُم ثمَّ خرج مرّة ثَانِيَة إِلَى الشأم مَعَ ميسرَة غُلَام خَدِيجَة بنت خويلد فِي تِجَارَة لَهَا قبل ان يَتَزَوَّجهَا فَلَمَّا قدم الشَّام نزل تَحت ظلّ شَجَرَة قَرِيبا من صومعة رَاهِب فَقَالَ الراهب مَا نزل تَحت ظلّ هَذِه الشَّجَرَة قطّ إِلَّا نَبِي وَكَانَ ميسرَة يَقُول إِذا كَانَ الهاجرة وَاشْتَدَّ الْحر نزل ملكان يظلانه وَلما رَجَعَ من سَفَره تزوج خَدِيجَة بنت خويلد وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وشهران وَعشرَة أَيَّام)
وَقيل غير ذَلِك وَلما بلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة شهد بُنيان الْكَعْبَة وَوضع الْحجر الْأسود بِيَدِهِ وَنَشَأ رَسُول الله ﷺ فِي قومه وَقد طهره الله تَعَالَى من دنس الْجَاهِلِيَّة وَمن كل عيب ومنحه كل خلق جميل حَتَّى لم يكن يعرف من بَينهم إِلَّا بالأمين لما رَأَوْهُ من أَمَانَته وَصدق لِسَانه وطهارته وَلما بلغ أَرْبَعِينَ سنة وَيَوْما ابتعثه الله تَعَالَى بشيرا وَنَذِيرا وَأَتَاهُ جِبْرَائِيل ﵇ بِغَار حراء فَقَالَ اقْرَأ فَقَالَ مَا أَنا بقارئ قَالَ رَسُول الله ﷺ فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ فَقلت مَا أَنا بقارئ فَقَالَ فِي الثَّالِثَة اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق العلق إِلَى قَوْله تَعَالَى علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم العلق فَقَالَت عَائِشَة ﵂ أول مَا بديء بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصادقة فِي النّوم وَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح وحبب إِلَيْهِ الْخَلَاء وَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء فَيَتَحَنَّث فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّد اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا حَتَّى جَاءَ الْحق رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَكَانَ مبدأ النُّبُوَّة فِيمَا ذكر يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن شهر ربيع الأول ثمَّ حاصره أهل مَكَّة فِي الشّعب فَأَقَامَ محصورًا دون الثَّلَاث سِنِين هُوَ وَأهل بَيته وَخرج من
[ ١ / ٦٤ ]
الْحصار وَله تسع وَأَرْبَعُونَ سنة وَبعد ذَلِك بِثمَانِيَة أشهر وَاحِد وَعشْرين يَوْمًا مَاتَ عَمه أَبُو طَالب وَمَاتَتْ خَدِيجَة ﵂ بعد أبي طَالب بِثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَت أول من آمن بِمَا جَاءَ بِهِ ثمَّ آمن أَبُو بكر ﵁ ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَزيد بن حَارِثَة وبلال ثمَّ أسلم بعد هَؤُلَاءِ عَمْرو بن عبسة السّلمِيّ وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَسعد بن أبي وَقاص وَعُثْمَان بن عَفَّان وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَطَلْحَة بن عبيد الله ابْن عُثْمَان ثمَّ كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ تَمام الْأَرْبَعين إسلامًا ذكر ذَلِك ابْن حزم فِي مُخْتَصر السِّيرَة وَلما بلغ خمسين سنة وَثَلَاثَة أشهر قدم عَلَيْهِ جن نَصِيبين فأسلموا وَلما بلغ إِحْدَى وَخمسين سنة وَتِسْعَة أشهر أسرِي بِهِ من بَين زَمْزَم وَالْمقَام إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن أنس بن مَالك أَن نَبِي الله ﷺ حَدثهمْ عَن لَيْلَة أسرى بِهِ قَالَ بَيْنَمَا أَنا فِي الْحطيم وَرُبمَا قَالَ فِي الْحجر مُضْطَجع وَمِنْهُم من قَالَ بَين النَّائِم وَالْيَقظَان إِذْ أَتَانِي آتٍ قَالَ فَسَمعته يَقُول فشق مَا بَين هَذِه إِلَى هَذِه فَقيل للجارود مَا يَعْنِي بِهِ قَالَ من ثغرة نَحره إِلَى شعرته وسمعته يَقُول من قصه إِلَى شعرته فاستخرج قلبِي ثمَّ أتيت بطست من ذهب مَمْلُوءَة إِيمَانًا فَغسل قلبِي ثمَّ حشي ثمَّ دعِي بِدَابَّة دون الْبَغْل وَفَوق الْحمار أَبيض فَقَالَ لَهُ)
الْجَارُود هُوَ الْبراق يَا أَبَا حَمْزَة فَقَالَ أنس نعم يضع خطوه عِنْد أقْصَى طرفه فَحملت عَلَيْهِ فَانْطَلق بِي جِبْرَائِيل ﵇ حَتَّى أَتَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ فَقيل من هَذَا قَالَ جِبْرَائِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل أَو قد أرسل إِلَيْهِ قَالَ نعم قيل مرْحَبًا فَنعم الْمَجِيء جَاءَ الحَدِيث بِطُولِهِ وَرَأى الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم وَرَأى من آيَات ربه الْكُبْرَى ثمَّ دنا فَتَدَلَّى فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى وَأوحى إِلَيْهِ مَا أوحى وفرضت الصَّلَاة تِلْكَ اللَّيْلَة وَلما أصبح قصّ على قُرَيْش مَا رأى وروى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن جَابر أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لما كَذبَنِي قُرَيْش قُمْت إِلَى الْحجر الْأسود فجلا الله لي بَيت الْمُقَدّس فطفقت أخْبرهُم عَن آيَاته وَأَنا أنظر إِلَيْهِ وَقد اخْتلف النَّاس فِي كَيْفيَّة الأسراء فالأكثرون من طوائف الْمُسلمين متفقون على أَنه بجسده ﷺ والأقلون قَالُوا بِرُوحِهِ حكى الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره عَن حُذَيْفَة أَنه قَالَ كل ذَلِك رُؤْيا وَحكى هَذَا القَوْل أَيْضا عَن عَائِشَة وَعَن مُعَاوِيَة ﵄ وَمِنْهُم من قَالَ بجسده إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس وَمن هُنَاكَ إِلَى السَّمَاوَات السَّبع بِرُوحِهِ قلت وَالصَّحِيح الأول لِأَنَّهُ قد صَحَّ أَن قُريْشًا كَذبته وَلَو قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت رُؤْيا لما كذب وَلَا أنكر ذَلِك على غَيره فضلا عَنهُ لِأَن آحَاد النَّاس يرَوْنَ فِي منامهم أَنهم ارْتَقَوْا إِلَى السَّمَاوَات وَمَا ذَلِك ببدع أَنْشدني لنَفسِهِ الشَّيْخ الإِمَام شهَاب الدّين أَبُو الثَّنَاء
[ ١ / ٦٥ ]
مَحْمُود بن سلمَان بن فَهد الْحلَبِي الْكَاتِب ﵀ قِرَاءَة مني عَلَيْهِ من جملَة قصيدة طَوِيلَة من جملَة مجلدة فِيهَا مدح النَّبِي ﷺ الْكَامِل
(أسرى إِلَى الْأَقْصَى بجسمك يقظة لَا فِي الْمَنَام فَيقبل التأويلا)
(إِذْ أنكرته قُرَيْش قبل وَلم تكن لترى المهول من الْمَنَام مهولا)
وَلما بلغ ثَلَاثًا وَخمسين سنة هَاجر إِلَى الْمَدِينَة ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بكر الصّديق ﵁ وَمولى أبي بكر عَامر بن فهَيْرَة ودليلهم عبد الله بن الْأُرَيْقِط اللَّيْثِيّ قَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ وَغَيره وَهُوَ كَافِر وَلم نَعْرِف لَهُ إسلامًا فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عشر سِنِين وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة وَلَا يستدبر الْكَعْبَة يَجْعَلهَا بَين يَدَيْهِ وَصلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس بعد قدومه الْمَدِينَة سَبْعَة عشر شهرا أَو سِتَّة عشر شهرا وَلما أكمل فِي الْمَدِينَة عشر سِنِين سَوَاء توفى وَقد بلغ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَقيل غير ذَلِك وَفِيمَا تقدم من التواريخ خلاف وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ حِين اشْتَدَّ الضحاء لثنتي عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول وَمرض أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَدفن لَيْلَة)
الْأَرْبَعَاء وَلما حَضَره الْمَوْت كَانَ عِنْده قدح فِيهِ مَاء فَجعل يدْخل يَده فِيهِ وَيمْسَح وَجهه وَيَقُول اللَّهُمَّ اعني على سَكَرَات الْمَوْت وسجي بِبرد حبرَة وَقيل أَن الْمَلَائِكَة سجته وَكذب بعض أَصْحَابه بِمَوْتِهِ دهشة تحكي عَن عمر ﵁ وأخرس عُثْمَان ﵁ وأقعد عَليّ ﵁ وَلم يكن فيهم أثبت من الْعَبَّاس وَأبي بكر ثمَّ أَن النَّاس سمعُوا من بَاب الْحُجْرَة لَا تغسلوه فَإِنَّهُ طَاهِر مطهر ثمَّ سمعُوا بعد ذَلِك اغسلوه فَإِن ذَلِك إِبْلِيس وَأَنا الْخضر وعزاهم فَقَالَ إِن فِي الله عزاء من كل مُصِيبَة وخلفًا من كل هَالك ودركا من كل فَائت فبالله فثقوا وإياه فأرجوا فَإِن الْمُصَاب من حرم الثَّوَاب وَاخْتلفُوا فِي غسله هَل يكون فِي ثِيَابه أَو يجرد عَنْهَا فَوضع الله عَلَيْهِم النّوم فَقَالَ قَائِل لَا يدْرِي من هُوَ اغسلوه فِي ثِيَابه فانتبهوا وفعلوا ذَلِك وَالَّذين ولوا غسله عَليّ وَالْعَبَّاس وولداه الْفضل وَقثم وَأُسَامَة وشقران موليَاهُ وحضرهم أَوْس بن خولي من الْأَنْصَار ونفضه عَليّ فَلم يخرج مِنْهُ شَيْء فَقَالَ صلى الله عَلَيْك لقد طبت حَيا وَمَيتًا وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة بل لفائف من غير خياطَة وَصلى الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ أفذاذًا لم يؤمهم أحد وفرش تَحْتَهُ فِي الْقَبْر قطيفة حَمْرَاء كَانَ يتغطى بهَا نزل شقران وحفر لَهُ وَالْحَد وأطبق عَلَيْهِ تسع لبنات
[ ١ / ٦٦ ]
وَاخْتلفُوا أيلحد لَهُ أم يضرح وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ حفاران أَحدهمَا يلْحد وَهُوَ أَبُو طَلْحَة وَالْآخر يضرح وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة فاتفقوا أَن من جَاءَ مِنْهُمَا أَولا عمل عَلَيْهِ فجَاء الَّذِي يلْحد فلحد لَهُ ونحى فرَاشه وحفر لَهُ مَكَانَهُ فِي بَيت عَائِشَة وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ حول فرَاشه وَكَانَ ابْتِدَاء وَجَعه فِي بَيت عَائِشَة وَاشْتَدَّ أمره فِي بَيت مَيْمُونَة فَطلب من نِسَائِهِ أَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة ﵂ فَأذن لَهُ فِي ذَلِك وَكَانَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ من الوجع صداع وَتَمَادَى بِهِ وَكَانَ ينفث فِي علته شَيْئا يشبه أكل الزَّبِيب وَمَات بعد أَن خَيره الله تَعَالَى بَين الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا ولقاء ربه فَاخْتَارَ لِقَاء الله تَعَالَى اصطفاؤه روى البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بعثت من خير قُرُون بني آدم قرنا فقرنا حَتَّى كنت من خير قرن كنت مِنْهُ وروى مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله اصْطفى كنَانَة من ولد اسماعيل وَاصْطفى قُريْشًا من كنَانَة وَاصْطفى من قُرَيْش بني هَاشم وَاصْطَفَانِي من بني هَاشم أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سيد النَّاس رَحمَه الله تَعَالَى السَّرِيع)
(مُحَمَّد خير بني هَاشم فَمن تَمِيم وَبَنُو دارم)
(وهَاشِم خير قُرَيْش وَمَا مثل قُرَيْش فِي بني آدم)
فَضله روى التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جلس نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يتذاكرون وهم ينتظرون خُرُوجه قَالَ فَخرج حَتَّى إِذا دنا مِنْهُم سمعهم يتذاكرون فَسمع حَدِيثهمْ فَقَالَ بَعضهم عجبا أَن الله ﵎ أَتَّخِذ من خلقه خَلِيلًا أَتَّخِذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَقَالَ آخر مَاذَا باعجب من كَلَام مُوسَى كَلمه تكليمًا وَقَالَ آخر مَاذَا بِأَعْجَب من جعله عِيسَى كلمة الله وروحه وَقَالَ آخر مَاذَا بِأَعْجَب من آدم اصطفاه الله عَلَيْهِم زَاد رزين وخلقه بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه واسجد لَهُ مَلَائكَته ثمَّ اتفقَا فَسلم رَسُول الله ﷺ على أَصْحَابه وَقَالَ قد سَمِعت كلامكم وعجبكم إِن إِبْرَاهِيم خَلِيل الله وَهُوَ كَذَلِك وَأَن مُوسَى نجى الله وَهُوَ كَذَلِك وَأَن عِيسَى روح الله وكلمته وَهُوَ كَذَلِك وَأَن آدم اصطفاه الله وَهُوَ كَذَلِك إِلَّا وَأَنا حبيب الله وَلَا فَخر وَأَنا حَامِل لِوَاء الْحَمد يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَأَنا أكْرم الْأَوَّلين والآخرين على الله وَلَا فَخر وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَأَنا أول من يُحَرك حلق الْجنَّة فَيفتح الله لي فيدخلنيها وَمَعِي فُقَرَاء الْمُؤمنِينَ وَلَا فَخر
اسماؤه روى البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا تعْجبُونَ كَيفَ يصرف الله عني شتم قُرَيْش ولعنهم يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا وَأَنا مُحَمَّد قَالَ
[ ١ / ٦٧ ]
السخاوي فِي سفر السَّعَادَة قيل لعبد الْمطلب بِمَ أسميت ابْنك فَقَالَ بِمُحَمد فَقَالُوا لَهُ مَا هَذَا من أَسمَاء آبَائِك فَقَالَ أردْت أَن يحمد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَأحمد أبلغ من مُحَمَّد كَمَا أَن احمر واصفر أبلغ من محمر ومصفر وروى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لي خَمْسَة أَسمَاء أَنا مُحَمَّد وَأَنا أَحْمد وَأَنا الماحي الَّذِي يمحو الله بِي الْكفْر وَأَنا الحاشر الَّذِي يحْشر النَّاس على قدمي وَأَنا العاقب وَالْعَاقِب الَّذِي لَيْسَ بعده نبيّ وَقد سَمَّاهُ الله رؤوفا رحِيما أَنْشدني لنَفسِهِ قِرَاءَة مني عَلَيْهِ الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس الْيَعْمرِي فِيمَا وَافق من أَسمَاء الله الْحسنى لأسماء رَسُول الله ﷺ من قصيدة لَهُ فِي مدحه الطَّوِيل
(وحلاه من حسنى اساميه جملَة أَتَى ذكرهَا فِي الذّكر لَيْسَ يبيدُ)
(وَفِي كتب الله الْمُقَدّس ذكرهَا وَفِي سنة تَأتي بهَا وتفيد)
(رؤوف رَحِيم فاتح ومقدس أَمِين قوي عَالم وشهيد)
)
(وليٌّ شكور صَادِق فِي مقاله عَفْو كريم بالنوال يعود)
(وَنور وجبار وهادي من اهْتَدَى وَمولى عَزِيز لَيْسَ عَنهُ محيد)
(بشير نَذِير مُؤمن ومهيمن خَبِير عَظِيم بالعظيم يجود)
(وَحقّ مُبين آخر أول سما إِلَى ذرْوَة العلياء وَهُوَ وليد)
(فآخر أعنى آخر الرُّسُل بعثة وَأول من ينشقّ عَنهُ صَعِيد)
(أسام تلذ السّمع إِن هِيَ عددّت نعوت ثَنَاء وَالثنَاء عديد)
وَقد قَالَ حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ ﵁ الطَّوِيل
(فشق لَهُ من اسْمه ليجله فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد)
وَمن اسمائه المقفى وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي المرحمة وَفِي صَحِيح مُسلم وَنَبِي الملحمة وَمن اسمائه طه وَيس والمزمل والمدثر وَعبد فِي قَوْله تَعَالَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا الْإِسْرَاء وَعبد الله فِي
[ ١ / ٦٨ ]
قَوْله تَعَالَى وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ الْجِنّ ومذكر فِي قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا أَنْت مُذَكّر الغاشية وَقد ذكر غير ذَلِك صفته كَانَ ﷺ ربعَة بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ أَبيض اللَّوْن مشربا حمرَة يبلغ شعره شحمة أُذُنَيْهِ وَقَالَت عَائِشَة ﵂ كنت أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول الله ﷺ وَكَانَ لَهُ شعر فَوق الجمة وَدون الوفرة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَت أم هَانِيء ﵂ قدم رَسُول الله ﷺ مَكَّة وَله أَربع غدائر روياه أَيْضا وَكَانَ سبط الشّعْر فِي لحيته كَثَافَة وَمَات ﷺ وَلم يبلغ الشيب فِي رَأسه ولحيته عشْرين شَعْرَة ظَاهر الْوَضَاءَة يتلألأ وَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر روى عَن عَائِشَة أَنَّهَا وَصفته فَقَالَت كَانَ وَالله كَمَا قَالَ شاعره حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ الطَّوِيل
(مَتى يبد فِي الداجي البهيم جَبينه يلح مثل مِصْبَاح الدجى المتوقد)
(فَمن كَانَ أَو من قد يكون كأحمد فطام لحق أَو نكال لمعتد)
وروى عَن أنس بن مَالك قَالَ كَانَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ إِذا رأى النَّبِي ﷺ يَقُول الوافر
(أَمِين مصطفى بِالْخَيرِ يَدْعُو كضوء الْبَدْر زايله الظلام)
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِذا رَآهُ ينشد قَول زُهَيْر فِي هرم بن سِنَان الْكَامِل)
(لَو كنت من شَيْء سوى بشر كنت المضيء لليلة الْبَدْر)
ازهر اللَّوْن لَيْسَ بالأبيض الأمهق وَلَا بِالْأدمِ أقنى الْعرنِين سهل الْخَدين ازج الحاجبين أقرن ادعج الْعين فِي بَيَاض عَيْنَيْهِ عروق حمر رقاق حسن الْخلق معتدله أطول من المربوع وأقصر من المشذب دَقِيق المسربة كَانَ عُنُقه أبريق فضَّة من لبته إِلَى سرته شعر
[ ١ / ٦٩ ]