عبد الرَّحِيم بن عَليّ بن حَامِد الشَّيْخ مهذب الدّين الطَّبِيب الدخوار شيخ الْأَطِبَّاء وَرَئِيسهمْ بِدِمَشْق وقف دَاره بالصاغة العتيقة مدرسة طب ومولده سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَتُوفِّي فِي صفر سنة سبع وَعشْرين وست مائَة وَدفن بتربته فِي قاسيون فَوق الميطور
وَكَانَ أعرج روى عَنهُ القوصي وَغَيره شعرًا وَتخرج بِهِ جمَاعَة كَبِيرَة من الْأَطِبَّاء وصنف كتبا مِنْهَا كتاب الجنينة واختصار الْحَاوِي ومقالة فِي الاستفراغ وتعاليق ومسائل فِي الطِّبّ وشكوك وأجوبة ورد على شرح ابْن أبي صَادِق لمسائل حنين ورسالة يرد فِيهَا على يُوسُف الإسرائيلي فِي تَرْتِيب الأغذية اللطيفة والكثيفة فِي أَولهَا وَنسخ كتبا كَثِيرَة بِخَطِّهِ الْمَنْسُوب)
أَكثر من مائَة مُجَلد فِي الطِّبّ وَاخْتصرَ الأغاني الْكَبِير وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على تَاج الدّين الْكِنْدِيّ وَقَرَأَ الطِّبّ على الرضي الرجبي ثمَّ لَازم ابْن المطران ثمَّ أَخذ عَن الْفَخر المارديني وخدم الْعَادِل ولازم ابْن شكر وَكَانَت جامكيته جامكية الْمُوفق عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ نزل عَلَيْهَا بعده مائَة دِينَار صوري فِي الشَّهْر وَحصل لَهُ من الْعَادِل فِي مَرضه سَبْعَة آلَاف دِينَار مصرية وَمرض الْكَامِل فَحصل لَهُ من جِهَته اثْنَا عشر ألف دِينَار وَأَرْبع عشرَة بغلة بأطواق ذهب وَالْخلْع الأطلس وَغير ذَلِك وولاه السُّلْطَان الْكَبِير فِي
[ ١٨ / ٢٣٣ ]
ذَلِك الْوَقْت رئاسة الْأَطِبَّاء بِمصْر وَالشَّام
وَكَانَ خَبِيرا بِكُل مَا يقْرَأ عَلَيْهِ ولازم السَّيْف الْآمِدِيّ وَحصل مُعظم مصنفاته ثمَّ نظر فِي الْهَيْئَة والنجوم ثمَّ طلبه الْأَشْرَف فَتوجه إِلَيْهِ وأقطعه مَا يغل فِي السّنة ألف وَخمْس مائَة دِينَار ثمَّ عرض لَهُ ثقل فِي لِسَانه واسترخاء فجَاء إِلَى دمشق لما ملكهَا الْأَشْرَف فولاه رئاسة الطِّبّ بهَا وَجعل لَهُ مَجْلِسا ليدرس الصَّنْعَة وَزَاد ثقل لِسَانه حَتَّى إِنَّه لم يفهم كَلَامه وَكَانَ الْجَمَاعَة يبحثون بَين يَدَيْهِ ويجيب هُوَ وَرُبمَا كتب لَهُم مَا يشكل فِي اللَّوْح واجتهد فِي علاج نَفسه واستفرغ بدنه مَرَّات وَاسْتعْمل المعاجين الحارة فعرضت لَهُ حمى قَوِيَّة فأضعفت قوته وَظَهَرت بِهِ أمراض كَثِيرَة وأسكت سِتَّة أشهر وسالت عينه
وَاتفقَ لَهُ فِي بادئ خدمته للعادل أَشْيَاء قربته من خاطره وأعلت مَحَله عِنْده مِنْهَا أَنه اتّفق لَهُ مرض شَدِيد وعالجه الْأَطِبَّاء وَهُوَ مَعَهم فَقَالَ يَوْمًا لَا بُد من الفصد فَلم ير الْأَطِبَّاء بِهِ فَقَالَ وَالله لَئِن لم يخرج لَهُ دَمًا ليخرجن بِغَيْر اخْتِيَاره فاتفق أَن رعف السُّلْطَان وَبرئ وَمِنْهَا أَنه كَانَ يَوْمًا على بَاب دور السُّلْطَان فَخرج إِلَيْهِم خَادِم وَمَعَهُ قَارُورَة فرأوها ووصفوا لَهَا علاجًا فَأنْكر هُوَ ذَلِك العلاج وَقَالَ لَيْسَ هَذَا دَوَاء ويوشك أَن تكون هَذِه القارورة من حناء اختضبت بِهِ فاعترف الْخَادِم لَهُم بذلك وَمن شعره مَا كتبه إِلَى الْحَكِيم رشيد الدّين أبي خَليفَة فِي مرضة مَرضهَا الْكَامِل
(حوشيت من مرض تُعَاد لأَجله وَبقيت مَا بقيت لنا أَعْرَاض)
(إِنَّا نعدك جوهرًا فِي عصرنا وَسوَاك إِن عدوا فهم أَعْرَاض)
نقلت من خطّ شهَاب الدّين القوصي فِي مُعْجَمه قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ على بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن خروف النَّحْوِيّ يهجو الدخوار الْبَسِيط)
(لَا ترجون من الدخوار مَنْفَعَة فَلَو شفى علتيه الْعجب والعرجا)
(طَبِيب إِن رأى المطبوب طلعته لَا يرتجي صِحَة مِنْهَا وَلَا فرجا)
(إِذا تَأمل فِي دستوره سحرًا وَقَالَ أَيْن فلَان قيل قد درجا)
(فشربة دخلت مِمَّا يركبه جسم العليل وروح مِنْهُ قد خرجا)
قَالَ وأنشدني لَهُ فِيهِ الْبَسِيط
(إِن الأعيرج حَاز الطِّبّ أجمعه اسْتغْفر الله إِلَّا الْعلم والعملا)
(وَلَيْسَ يجهل شَيْئا من غوامضه إِلَّا الدَّلَائِل والأمراض والعللا)
(فِي حِيلَة الْبُرْء قلت عِنْده حيل بعد اجْتِهَاد ويدري للردى حيلا)
(الرّوح يسكن جثمان العليل على علاته فَإِذا مَا طبه رحلا)
[ ١٨ / ٢٣٤ ]
قَالَ وأنشدني لَهُ فِيهِ الوافر
(تجرر يَا أعيرج ذيل عجب وَتَدْرِي لوم وغد أَنْت نجله)
(وتمشي مشْيَة الْخُيَلَاء زهوًا أَمَام السامري وَأَنت عجله)
قَالَ وأنشدني لَهُ فِيهِ مجزوء الْكَامِل
(طبع الْمُهَذّب طبه سَيْفا وصال على المهج)
(وَعلا دمشق لسؤمه من كل نَاحيَة رهج)
(بَاب السَّلامَة لَا يرى مِنْهُ وَلَا بَاب الْفرج)