تفرَّد عنه الزهري (م ن) (^٢).
البخاري (١/ ٢/١٦٧): "ثابت بن قيس الزرقي الأنصاري. سمع أبا هريرة. قال لي محمد بن سلام: أخبرنا مخلد بن يزيد أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني زياد أن ابن شهاب أخبره قال: أخبرني ثابت بن قيس أن أبا هريرة قال: سمعت النبي ﵌ يقول: "الريح من روح الله "" (^٣).
_________________
(١) (١/ ٣٨٤).
(٢) "المنفردات والوحدان" (ص ١٢١) لمسلم، و"الوحدان" (ص ٢٦٢) للنسائي.
(٣) ترك المؤلف بعده أربعة أسطر، ولعله أراد نقل ما في كتابي ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٦) وابن حبان: (٤/ ٩٠)، وليس فيهما مزيد على ما ذكره البخاري. أو أراد ذكر لفظ الحديث في "المسند" رقم (٧٦٣١) وهو: "ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري حدثني ثابت بن قيس أن أبا هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر بن الخطاب حاجٌّ فاشتدت عليهم فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته فقلت: يا أمير المؤمنين أُخْبِرت أنك سألتَ عن الريح وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتى بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها".
[ ١٣ / ٢١ ]
وفي "التهذيب" (٢/ ١٣): "روى عن أبي هريرة حديث: "الريح (^١) من روح الله". وعنه الزهري. قال النسائي: ثقة. وقال ابن مندة: مشهور من أهل المدينة، رووا له حديثًا واحدًا.
قلت: وقال النسائي: لا أعلم روى عنه غير الزهري".
أقول: عبارة النسائي في الفصل الذي بذيل "كتاب الضعفاء" (^٢) له: "لا نعلم أحدًا روى ولا عن ثابت الزُّرَقي غير الزهري".
أقول: حديثه يشتمل على [ستة] (^٣) أمور:
الأول: القصة، أن عمر سأل رُفْقته، فلم يجيبوا حتى أدركه أبو هريرة.
ففي هذا أن عمر ورُفْقَتَه لم يكن قد بلغهم الحديث. وليس في هذا ما يُنكَر، ونظائره أكثر من أن تُحْصى.
الثاني: قوله في الحديث: "الريح من رَوْح الله". والمعروف في الرَّوح أنه الرحمة. فقد يقال: كيف هذا والريح قد تكون عذابًا؟ وذلك أظهر من أن يُحتج عليه، وقد ذُكِر في الحديث نفسه.
وقد أُجيب بأجوبة.
والأقرب أن يقال: إن في الحديث اكتفاء، كما في قوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وفي الحديث: "بيده الخير"، وأشباه ذلك.
_________________
(١) الأصل "الروح" سهو.
(٢) (ص ٢٦٢).
(٣) ترك المؤلف مكانه بياضًا فألحقنا عدد الأمور التي ذكرها.
[ ١٣ / ٢٢ ]
والقرائن على إرادة ذلك ظاهرة، فليس فيه ما يقتضي نكارة.
الثالث: قوله: " [تأتي بالرحمة] (^١) ".
وهذا حق قطعًا، بدلالة الكتاب والسنة والمشاهدة.
الرابع: قوله: " [وتأتي بالعذاب] ".
وهذا أيضًا حق.
الخامس: نهيه عن سَبِّها.
وهو حق أيضًا، فإنها لا اختيار لها، وإنما يُجْريها الله ﷿ كما يشاء، فسبها يشبه سبَّ الدهر، وقد صحَّ حديث: "يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر " (^٢).
وقد جاء النهي عن سب البهائم (^٣)، مع أن لها اختيارًا ما.
وفي "سنن الترمذي" (^٤) من حديث ابن عباس: "لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة ".
وفي حديث أُبيّ بن كعب: "لا تسبُّوا الرِّيح، فإذا رأيتم ما تكرهون
_________________
(١) ما بين المعكوفين هنا وفي الموضع الآتي تركه المؤلف بياضًا، وأكملناه من لفظ الحديث الذي يتكلم عنه، وسقناه قريبًا بلفظه.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٨٢٦)، ومسلم رقم (٢٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) كالديك والبعير والبرغوث. انظر "الترغيب والترهيب ": (٣/ ٣١٠) للمنذري.
(٤) رقم (١٩٧٨). وقال عقبه: "هذا حديث حسن غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير بشر بن عمر". وأخرجه أبو داود رقم (٤٩٠٨)، وابن حبان رقم (٥٧٤٥) وغيرهم.
[ ١٣ / ٢٣ ]
فقولوا: اللهم " (^١).
بقي أمرٌ سادس: وهو أن يقال: إن أبا هريرة كان حريصًا على تبليغ الأحاديث، وكان الناس حريصين على السماع منه، ثم على التبليغ، وله أصحاب لازموه، وأكثروا عنه، مثل سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي صالح، وغيرهم.
فكيف يتفرد عنه بهذا الحديث رجلٌ لم يشتهر بالعلم، بل لم يُرْو عنه إلا هذا الحديث الواحد؟
وقد يجاب بأن معنى الحديث لما لم يكن فيه أمرٌ زائدٌ على ما هو معروفٌ من الشريعة، لم يهتم أبو هريرة بتكرار تبليغه، ولا اهتمَّ من لعله سمعه منه ــ غير ثابت ــ بالتحديث به.