تفرد عنه ابن أبي ذئب. (م) (^٢).
قال ابن أبي حاتم (^٣): «ابن أخت نمر. روى عن أبيه. روى عنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. سمعت أبي يقول ذلك».
وفي «التهذيب» (٥/ ٢٢٩): «روى عن أبيه عن جده حديث: «لا يأخذ أحدُكم عصا أخيه» (^٤). قال الترمذي: حسن غريب.
روى عنه ابن أبي ذئب. قال أحمد: لا أعرفه من غير حديث ابن أبي ذئب، وأما السائب فقد رأى النبي ﵌. وقال النسائي: عبد الله بن السائب ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٥). وقال ابن سعد (^٦): كان ثقة قليل الحديث، توفي سنة (١٢٦).
_________________
(١) البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧).
(٢) «المنفردات والوحدان» (ص ٢٢٦) إنما ذكر عبد الرحمن بن السائب.
(٣) (٥/ ٦٢).
(٤) أخرجه الترمذي (٢١٦٠)، وأبو داود (٥٠٠٣)، وأحمد (١٧٩٤١ و١٧٩٤٢) وغيرهم، وسنده صحيح.
(٥) (٥/ ٣٢).
(٦) «الطبقات الكبرى»: (٧/ ٤٨٥).
[ ١٣ / ١١٧ ]
قلت: قال ابن حبان: روى عنه أهل المدينة. فإن كان أراد بهذا الإطلاق ابنَ أبي ذئب، فهو محتمل، وإن كان مراده ظاهر اللفظ، فشاذ».
أقول: من أمعن النظر في كتاب «الثقات» عرف أن ابن حبان كثيرًا ما يتسامح في مثل هذا، فإني راجعته وكتابَ ابنِ أبي حاتم كثيرًا لتصحيح «التاريخ الكبير» للبخاري ﵀، فوجدتُ البخاريّ كثيرًا ما يذكر ترجمة الرجل، ولا يذكر عمن روى، ولا من روى عنه. ففي كثير من ذلك يترك ابن أبي حاتم بياضًا، فيقول: روى عن (بياض). روى عنه (بياض). سمعت أبي يقول ذلك. أما ابن حبان؛ فيقول: يروي المراسيل. روى عنه أهل بلده. وقِس على هذا.
ولم أجد الجزء الذي فيه باب عبد الله من «تاريخ البخاري» (^١). والله أعلم.
ولعل ابن حبان يتأوّل فيما يقول أن المسلم في تلك الأعصار لا بد أن يبلغه أحاديث عن النبي ﵌، فيذكرها في محاورته مرسِلًا لها، ويسمعُه بعضُ أهل بلده، وربما يحكونها عنه. وبذلك يكون قد روى مراسيل، وروى عنه أهل بلده! والله المستعان.
_________________
(١) لأن الجزأين الخامس والسادس من التاريخ تأخر طبعهما عن بقية الأجزاء فلم يطبعا إلا في سنة ١٣٧٧ - ١٣٧٨، أما باقي الأجزاء فإنها طبعت بين سنتي ١٣٦٠ - ١٣٦٤. فالظاهر أن تأليف هذا الكتاب كان بين سنتي ١٣٦٤ - ١٣٧٥ قبل طباعة الجزأين الخامس والسادس، ويقع فيهما حرف العين الذي أشار إليه المؤلف، والله أعلم. وقد أشار المؤلف إلى نحو ذلك في حواشي تحقيقه لـ «لموضح لأوهام الجمع والتفريق» للخطيب كما في: (١/ ١٥٦، ١٦٠). وترجمة عبد الله بن السائب في التاريخ الكبير: (٥/ ١٠٣).
[ ١٣ / ١١٨ ]
أقول: أما الحديث، فلفظه عند أبي داود (^١): «لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ أخيه لاعبًا جادًّا (وفي رواية: لعبًا ولا جدًّا)، من أخذ عصا أخيه فليردّها».
وأخرج (^٢) له شاهدًا من طريق الأعمش: عن عبد الله بن يسار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﵌: أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﵌، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه، ففزع، فقال النبي ﵌: «لا يحلّ لمسلم أن يروِّع مسلمًا».
وفي «نهاية ابن الأثير» (^٣): «لاعبًا جادًّا: أي لا يأخذه على سبيل الهزل، ثم يحبسه، فيصير ذلك جدًّا».
أقول: ظاهر الحديث مقارنة اللعب والجد للأخذ، فالأولى أن يقال: لاعبًا من جهة أنه لا يريد سرقته، بل يريد أن يرده إليه. وجادًّا من جهة قصده ترويعه، والشق عليه.
فعلى هذا، إذا كان يرى أن المأخوذ متاعه لا يرتاع، ولا يشق عليه، لجريان العادة بين الرفقة بالمزاح ــ مثلًا ــ، فلا يدخل في النهي، ولكن يحرم (^٤) الكذب، فلا يقول الآخذ: لم آخذه، مثلًا.
_________________
(١) (٥٠٠٣).
(٢) (٥٠٠٤).
(٣) (١/ ٢٤٥).
(٤) كان المؤلف قد كتب: «ولكن يجب أن لا» ثم كتب «يحرم» وضرب على «أن لا»، وسها عن الضرب على «يجب».
[ ١٣ / ١١٩ ]
ويحرم حبسه حتى يشق على المأخوذ منه، اللهم إلا إذا كان في الترويع مصلحة، كأن يكون ابنك أو أخوك ــ مثلًا ــ يتهاون بحفظ أمتعته، فتريد أن تروِّعه ليتعوّد الاحتراس، فقد يقال: لا بأس بذلك، والله أعلم.
هذا، وابن أبي ذئب قد اختلف أهل العلم في حال شيوخه.
فقال أحمد: كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدِّث.
وقال الخليلي: إذا روى عن الثقات فشيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء.
وقال ابن معين: كل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضي.
وقال أحمد بن صالح مثله بمعناه.
أقول: نظر الإمام أحمد إلى كثرة رواية ابن أبي ذئب عن المجاهيل، فقد عدّ مسلمٌ في «الوحدان» (^١) فيمن تفرّد عنه ابنُ أبي ذئب أكثرَ من خمسة وعشرين، ولم يذكر ممن انفرد عنه مالك إلا دون العشرة.
وأما ابن معين وأحمد بن صالح، فيحتمل أنهما أرادا شيوخه المعروفين أنهم كلهم ثقات إلا البياضي، ويحتمل أن يكون مذهبهما توثيق من لم يرو عنه إلا واحد إذا لم يرو منكرًا، وروى عنه من عُرف بالنظر في أحوال شيوخه المعروفين أن كلهم أو أغلبهم ثقات؛ لأن في ذلك دلالة على أنه لم يرو عن واحدٍ من أولئك المجهولين حتى عرف أنه ثقة.
_________________
(١) (ص ٢٢٥ - ٢٣٠).
[ ١٣ / ١٢٠ ]
وهذا الاحتمال أظهر، كما يُعلَم من مطالعة هذه الرسالة.
وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير ذلك (^١)، ويأتي أيضًا إن شاء الله تعالى بيان أن مذهب أحمد مخالف لهذا، كأنه يقول: يمكن أن يكون ابن أبي ذئب ــ مثلًا ــ يروي عمن عُرف أنه ثقة، وعمن لم يُعرف حاله.
والمشهورون يتيسّر معرفة حالهم، فلذلك كان غالبُ شيوخه المشهورين ثقات، ولا يلزم من ذلك أن يكون المجهولون كذلك. أو لعله لم يتيسر له معرفة أحوالهم، لعدم اشتهارهم.
وسيأتي توضيح هذا إن شاء الله تعالى (^٢).