هو محمد بن محمود، وأُبد لقب غلب عليه، ابن محمد بن أحمد بن خيار بن القاضي المتقدم، شاعر مجيد، شديد متون القوافي، كأنما ينحت من صخر، مع قلة غلط وأمن من السقط، كان متضلعا من العربية قليل الطيش، نشأ في حرب العلويين وإدل بلحسن، ولولا أن الحرب شغلته، لفاق معاصريه في العلم، لشدة فهمه، ولم نر من انتقد عليه شيئا، إلا ما بلغنا أن بعضهم طعن في قوله:
فما راعهم غير قيل الكماة أتى الغرماء وهبْ واخبطا
وما ندرى ما ينتقد في هذا البيت، فإن هب اسم صوت، وهو واسم الفعل من
[ ٤٠ ]
واد واحد، فإن ادعى المعترض أنهما لا يسندان ولا يسند إليهما، فالحجة قول زهير:
ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت نزال ولج في الذعر
فإن قال: أن بيت زهير، أول بأن المراد دعيت لفظة نزال، فكذلك هذا البيت يمكن أن يؤول، بأن المراد فما راعهم غير قيل الكماة أتى الغرماء، وقيلهم هب، على أن مثل هذا ورد في شعر طرفة وهو قوله:
رِزُّه قدم وهبْ وهلا ذي زهاءِ جمَّة بُهْمُهْ
وكذلك قوله اخبطا، أصله اخبطن، وأبدلت نون التوكيد ألفا في الوقف، وأخذ عليه قوله:
جاَءت بحائنهم رجلاه وانقلب ال باقي ليؤثر بالملحاة والعار
لأن أصل المثل: جاءتك بحائن رجلاه والأمثال لا تغير. والجواب أن هذا ليس بتغيير، لأن تركيبه فصيح ولم يلاحظ فيه المثل. وهو قليل الشعر، وله قصيدتان
نقض بهما قصيدتي الأحول اللتان ستردان في موضعهما، أو يرد بعضهما، وأكثر الناس يفضل الأحول عليه، وبعضهم يعكس، ولكل وجه، لأن الأحول كان أرق ألفاظا، وهذا أقوى تركيبا منه، كما وقع للناس في جرير والفرزدق، الا أن الأحول أقذع في قصيدتيه، وأما هو فإنه سكت عن الجواب لما كانت الغلبة عليه، فلما انتصر أجاب ولم تحمله سورة النصر على القذع ولا كافأ السيئ بمثله كما سيظهر، وقال من يعترض عليه إنه عجز عن جواب قصيدة الأحول الطنانة التي مطلعها:
تداعت حداة الركب من كل جانب فودّعْ سُلَيْمى قبل سير الركائب
وسنأتي في موضعها. قال من ينتصر لابن محمود: أن سبب عدم جوابه لها، قتل الأحول قبل أن تصل إليه، لأن الأحول قالها في طريقه التي قتل فيها في وقعة تندوج، أو لما قال الكميت بن معروف:
فلا تكثروا فيها الضجاج فإنه محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
[ ٤١ ]
وقال من قصيدة يرد بها على قصيدة الأحول التي مطلعها:
أَلا بلّغا بابَ عنا جاني الحروب وجان الحروب رهين الخطا
وقصيدته هو هذه:
ألا بلّغَنْ باب عنَّا سلاما يناسب منصبه الأوسطا
بأنَّا بتبجِجْك في ذروة من المجد والعزّ لم تُمْتَطَا
وأهل الجبال يحوطوننا جميعا وكنا لهم أحوطا
يجلون ذا الحلم منسا الجليل ويخشون ذا الجهل أن يفرطا
وكنا قديمًا سراة الأديم نجود ويعطوا لنا من عطا
ونؤمن من سالمَ المسلمين ونجفوا ونسطوا على من سطا
ونحن الكماة ونحن القضاة والعالمون بما اسْتُنْبِطا
متى تتشعب دعاوي الخصوم يكن حكمنا الفاصل المسمَطا
وأنا أغرنا على معشر لدى تغررَيت وإيشنكطا
وأخرى أغرنا على آخرين بتندَ يْجمار وآغَوْرَطا
حملنا الخيام وأنضادها وسرنا جميعًا ثقالا بِطا
نَجُرُّ العجاف رويدًا لئلا تخُبَّ فتبهر أو تثْلطا
فجاَءت عُمَيْر وما جَمّعت وجاَء حُمَيْدٌ وما جَمَّطا
وفرَّط في الحزم إذ جاَءنا ولو يعلم الغيب ما فرّطا
وقد أقسموا جهد أيمانهم لا يردون حلفة من أسخطا
[ ٤٢ ]
وقد يقلب الله قلب العزوم وقد يحنث الحالف المُحْلِطا
وبالبئر صبَّحهم بُكرة كما نبه الورد سِرب القطا
عذاب رجال يحسونهم رأوا ذلك الأمثلَ الأقسطا
بأجرِى فرانص فيها صواع ق تصمى الفتى قبل أن يسقطا
أنخنا بحيث نرى نارهم طرائف ما أن عليهنّ طا
إذا رجعتنا اسْتأسْنا بها كل أغلبَ ذي ضاغط أعيطا
معوّدة أن تسير النهار وأن تدلج الليل ما اخروّطا
وينجاب عنها الدجا رُسَّمًا ونحبسها ريث أن نعبِطا
ويحتز كل امرئٍ فِلْذَة بجلدتها قبل أن تكشطا
فما راعهم غير قيل الكماة أتى الغرماء وهبْ واخبطا
كأنا غدَاةَ إذٍ إذْ نُقَتَّ لأشْرافَهُمْ ثائِرٌ سُلّطا
ومنها:
قتلنا سراة بني أحمد وفتيان أولادِ لِمْرَيْبِطا
ولم نُرْدِ شيخًا ولا يافعًا ولم ينقذِ الأمردُ الأشمطا
رجالا وعشرين من ضئضئ لا نعد حليفًا ولا أشرطا
سقونا ذنوبًا سقيناهموه بضعف وكنا لهم أضغطا
وردوا لحافرة في السجال كذى لعب رد من صَلبطا
فأنت تراه مع ظفره، وما سبق من هجو الأول لوالده خصوصا، ولقومه عموما، لم يذكره بسوء مع نصفه إياهم، فانظر إلى قوله:
سقونا ذنوبًا سقيناهموه
. . . الخ
مع قول الأحول:
[ ٤٣ ]
لما رأوا عابد الرحمن منقبضًا تحت العجاجة مثل الضيغم الضار
ولوْا تباديد مثنى وفراد ولم يثنوا من الرعب وجهًا بعد إدبار
تعلم إنه كان أعلم منه يسيرة العرب، إذ من تتبع أيامهم، يجد منهم من الثناء على أعدائهم، ما يدل على كمال أخلاقهم، كما قال العباس بن مرداس في حربه لبني زبيد:
فلم أر قومًا صابروا مثل صبرهم ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكرّ وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القلانسا
وقال أبَّدَّ أيضا في وقعة تندوج:
ما بال عينك تذرى دمعها الجارِ كأنّ جفنك مكحول بعُوّارِ
من ذكِرِ سَلْمى وقد شط المزار بها إلا ملمات أحلامٍ وتذكارِ
لم ألقها بعد أيَّام المُلَيْحِ وقدْ قامت لتصميني من بين أنصار
إلى أن يقول:
وذكرْ بلاَء علىّ في بنى عُمَر بين الأجارع من تِنْدَوْجَ والغار
جاَءت بحائنهم رجلاهُ وانقلب الب اقي ليؤثر بالملحاة والعار
ينجو نجاَء نجاة الوحش صِيح بها من كلّ فرّارةٍ تبرى لفرّار
ومنها:
واستنشدوا الأحولَ الهجاَء كلمته جادتْ بطيفٍ سرى لي أمُّ عَمَّارِ
والعلويون ركبان تنوشهم بالأندرية تردى كلَّ ختَّارِ
حتى إذا اثخنوهم محنقين وهمْ ما بين ملتزمٍ أو واجب خار
ولوْ انباديد مقنى وفراد ولم يثنوا من الرُّعب وجهًا بعد إدبارِ
غرَّتهم غدَرَات غير معذرةٍ كانت رجال علىّ غير حُضَّارِ
ووقعة في براءٍ في مساجدهم لم يحملوا من سلاح غير أسفارِ
[ ٤٤ ]
إن يغدروا بعد إيمانٍ ومقسمةٍ ويحتووا نَهَب العلاّمة القارِ
فإنَّ ذلك أمرٌ من شمائلهم نكث اليمين وأخذ الجارِ بالجارِ
فاليوم قد أصبحوا لحمًا على وضمٍ مستضعفين بحمدِ الخالق البارِ
لا يدفعون يدًا منّا تنالهمُ كذلك الله يجزى كل غدّارِ
وقال أيضا بعد انعقاد الصلح الأخير:
عفونا عن القوم إذ أصبحوا كطالع نِيق ترقى بعيدا
فأعيا فأصبح لا يستطيع ال هبوط ولاَ يستطيع الصعودا
غدوا مستكنّين لا يبعثون ال وفود ولا يدفعون الجنودا
ولا يستطيعون للسلم حولا ولا للمصيبات إلا الجحودا
أبدْنا سراتهم الأكبرين وأهل المدافع فيمن أبيدا
ولو أمسكوا قدح الحرب شي ئًا وليس شهاب يُديم الوَقودا
لما زلتُ أغزوهُم لا أنِى إلى أن أبيدهُم أو أبيدا
أبحنا حريم عُمَيْر ومن ك لّ خير أنلناه إلا الخلودا
حمدناك ربي على ذلل ك نرجو رضاك ونرجو المزيدا
وله أيضا من قصيدة، يمدح بها ولىّ الله، الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن لحبيب العلوي، وقد ضاع منى أولها:
كانتثار الدُّرّ من أسلاكه أو كجري الماءِ في الحوض اللّقيفْ
هجر النوم فما تطعمه حَجْمتاه غيرَ تهجاع خَفيفْ
من غزالٍ صادَ قلبي بعدما أن تصوَّفتُ فغزلي اليوم صوفْ
يوسفيُّ الوجهِ والبيع لهُ خلفُ عرقوب وقلب الفيلسوفْ
وتراَءت بين أترابٍ لها تتهادى مثل ما ناَء النزيفُ
خدلة الساق عروب لدنة تَطَّبى القلب بمصقول مشوفْ
[ ٤٥ ]
أسْمُ يا قاتلتي في غير ما تِرَةٍ ماذا جزائي لا تحيفْ
بأبي أنت وأمّي ما كذا يُشْكم العاشق والوجدُ اللَّهيفْ
عمرك الله صليني ثم لا تصرميني لا تزيريني الحستوفْ
واعلمي أنك أن لا تفعلي أترك البيض وربات الشُّنُوفْ
وأصلا حبلى بأقوى سبب بالشريف ابن الشريف بن الشريف
حافظ العصر مربى عصره من له الفضل علينا والشفُوفْ
وهو الغيث إذا ما أخلَفَتْ وهو العُدّةُ في كل مَخُوفْ
بارك الله على أستاذنا ليس بالواني ولا الواهي الضعِيفْ
قام بالسنةِ لما جعلت قَدَحَ الراكب والدين الحنيفْ
ما رأى الراؤون خلْقًا مثله خُلُقًا أكمله البر الرؤوفْ
لم يزل منذ عرفناه على خلق لم تتخونه الصُّرُوفْ
ذاهبات وافرات وافيات بالمواعيد ولا وعْدَ مُوفْ
قدمته العلويون ومن يَسِمُ الطَّامن صميمٍ أو حليفْ
سادهْم بالعلم والحلم معا وطعام الضيف أيام المَصيفْ
صادفته غير مجزاع ولا وكلٍ نعم مناخ المستضِيفْ
مُعْتِدٌ لِلضَّيفِ ما يُحْسِبُه من حليب وحقين وسَدِيفْ
وقدورٍ راسياتٍ لا تنى وجفان كالجوابي الجوف جُوف
شيخنا آثرك الله على من يناويك على رغم الأنوفْ
وتفرّعت مقامات عُلًا أنْتَ في الذروة منها والسُّقوفْ
دونك الأقطاب فيها رُتَبًا وعلى قنتها العلياءِ مُوفْ
من تحدّثه بها النفس فقد حدَّثتهُ بأحاديث النزوفْ
[ ٤٦ ]
كلُّ عالٍ ومجيد مَجْدُهُ وعلاه مَع ما خُوِّلْتَ فُوفْ
ما على من جاَءكم مستعطفًا عالما أنك للجاني العَطوفْ
قائلا يا سيدي خذ بيدي طال قرعى وعنائي والوقُوفْ
وإلى الرحمن أشكو قائلًا يا قريبٌ يا مجيبٌ يا لطيفْ
سَيئاتٍ شفَّ جسمي ذكرُها وبراه مثل تعْريق الصَّليفْ
وعلى هادى العبادِ المصطفى وإمام الحق والدين الحنيفْ
صلوات ما شدت قمرية وتغّنتْ فوق مياد قَصيفْ
وعلى المختارِ مصباح الهدى من شآبيب رِضي اللهِ وكِيفْ
وعلى أستاذنا وارثه وسقاه اللهُ من نَؤْءِ الخريفْ