ينتهي إلى سيدنا جعفر بن أبي طالب ذي الجناح شهيد مؤتة، وأظن إنه من ولد عون بن عبد الله بن جعفر الجواد المشهور، فاق أقرانه في العلم والكرم وجودة الشعر.
قال فيه العلامة الكبير محمد فال بن متالي التندغي: هذا عربي أخره الله، ولا تكاد تعد طبقة، إلا بدأت به في أولها، إذا عد الكرام فهو حاتمهم، أو العلماء اللغويون، فما هو بدون ابن سيده، وكل أخباره يكتب بالذهب. وإنما لقب بيته بالطلب، لأنهم كانوا أعلم أهل ناحيتهم، فكانت الناس ترحل إليهم في طلب العلم، وكان مولعا بالعربية، لا يفتر من التنقيب عنها والتحرير، يقال: إنه إذا سافر ونزل بحيّ من الزوايا نهارا، أول ما يسألهم عنه القاموس. فإن كان
[ ٩٤ ]
موجودا عندهم، طلب منهم الإتيان به لينظر إليه يومه. فإن لم يكن فيهم، ارتحل عنهم، ولا يترك يومه ضائعا.
وكان يبرى النبال، فيصطاد بها الوحش، لشغفه باقتفاء العرب. وكان مولعا بأرض تيرس، ولا تكاد تجد موضعا منها، إلا وله ذكر في شعره. وكان له شهرة عظيمة عند الزوايا، وحسَّان صاحب وجاهة فيهم، وهو من الحلماء المشهورين.
وكان يوما في مسجد قومه ومعه رجالهم، فقدم عليهم ناس من أبناء دُليم، فطلبوا منهم جملا، وهذا الطلب يسمى مداراة في عرفهم، فكل الناس أحب أن يتولى دفع الجمل غيره، وإن كان بحسب العرف يقسم على الحاضرين، فيدفعون قيمته لصاحبه من الغنم واللباس، فدفع هو جملا عنده لا يملك غيره. فقال له أحد
أقاربه: عن أي شيء تدارى؟ فقال: عن مائة ناقة هنا، وضرب صدره، يشير إلى إنه غنى النفس. وقال له: يا فلان، أن فقري قطعت به غنا فلان وفلان؛ وسأقطع به غناك أنت.
وكلمهم يوما في مسجدهم، رجل غريب يطلب جملا يبلغ عليه بلاده، فلم يجبه أحد، فأعطاه هو جملا ليس له غيره. كان أعطاه إياه أحد أقاربه، فلامهُ بعض الناس، فقال له: أبا لا أعجز أن أعطي شيئا أعطاه فلان. وبالجملة فامحمد هذا، حسنة من حسنات الدهر، لا نزاع في ذلك.
أما جودة شعره، وكونه لا يقل عن شعر العرب العرباء. فإنها محسوسة لا تحتاج إلى تصديق فلان وفلان. وقال يوما بعد ما نظم جيميته الآتية، وأبرزها للناس: أرجو من الله أن أقعد أنا والشماخ بن ضرار، في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتينا، لنعلم أيهما أحسن، وهاهي جيميته:
تَطاوَلَ ليلُ النازعِ المُتهيّج أما لضياءِ الصُّبح مِنْ مُتبلَّجِ
[ ٩٥ ]
ولا لظلامِ اللّيْل مِنْ مُتَزَحْزَحٍ وليسَ لنجم من ذَهابٍ ولا مَجي
فيا مَنْ لِليل لا يزولُ كأنَّما تُشَدُّ هَوادِيهِ إلى هَضْبَتْي إج
كأنَّ بهِ الجوْزاَء والنَّجْمَ رَبْرَبٌ فَرَاقِدُها في عُنَّةٍ لَمْ تُفَرِّج
وتَحْسِبُ صِبيْان المَجَرَّةِ وسْطَها تَنَاوِيرَ أَزْهارٍ نَبَتْنَ بِهَجْهَج
كأن نُجُومَ الشِّعرَيَيْنِ بمَلْكِها هَجَائِنُ عَقْري في حِبِ مَنهَج
فَبَاتَ يُمانِي الهَمّ ليْلى كأنهُ بِبَرْحِ مُقامِ الهَمِّ في أَضْلُعي شَج
فلو كان يفْنى الهمُّ أفنى مِطالهُ هُمُومِي ولكن لَجَّ في غيْرِ مَلْجَج
إذا ما انتَحاها مِنْهُ قِطْعٌ سَمَتْ لهُ أفانينُ همٍّ مُزْعِجٍ بعدَ مُزْعِج
[ ٩٦ ]
أعِنِّي عَلَى الهَمّ للَّجوجِ المُهَيّج وَطَيْفٍ سَرى في غَيْهبيّ مُدَجْدِج
سَرى يَخْبِطُ الظلْماَء من بطنِ تِيرِسٍ إليَّ لدى ابْرَبْبِيرَ لمْ يَتَعرَّج
فلمْ أرَ مثلَ الهَمّ هَمًّا ولا أرَى كليلةَ مَسْررَى الطَّيْفِ مُدْلجَ مُدلج
وذِكرةَ أظْعانٍ تَرَبّعْنَ باللّوَى لوى المَوج فالخبْتَين من نَعْفِ دُوكج
إلى البئرِ فالحَواءِ فالفُج فالصُّوَى صُوى نَشِلَ فالأجْوادِ فالسَّفْح من إج
نَحُلُّ بأكنافِ الزقال فتيرس إلى زيزَ فالأَرْوِيَّتَيْن فالاعْوَج
إلى أبْلَقَىْ وَنْكارَ فالكَرْبِ ترتعي به حيْثُ شاَءتْ من حُزوزٍ وحُنْدُج
تَربَّعُها حتى إذا ما تنَجْنَحَتْ جَوازئُها تَعْدُو إلى كلّ تَوْلَج
وصَرَّتْ على الظُّهْرَانِ مِن وهَج الحصا جَنادِبُها مِن لافِح مُتَوَهَّج
[ ٩٧ ]
بيوْم من الجوْزاءِ تشوى سَمُومُهُ جُلودَ حَوَانى الرّبْرَبِ المُتوَلج
وغَرّدَ مُكَاءُ الأخِرَّةِ بالضحى تغَردَ مُنزوفِ الشَّروب المُزَرَّج
ولَفّتْ نِصيّ الليف هَيْفٌ تسوقُهُ ونَشَّتْ=تناهى غَيْثِهَا المُتبعّج
وَزَفَّتْ إلى الأعدادِ من كلّ وِجْهةٍ أعاريبُها من كُلّ صِرْمٍ مُنَجْنج
ونادى مُنادي الحيِّ مُسْيًا وقَوَّضوا نَضائِدَهم يا أدِيَ الحيّ أدْلِج
[ ٩٨ ]
وقُرّبتِ الأجْمالُ حتى إذا بدَتْ نجومُ الثريا في الدُّجا كالسمرَّج
تكنّسْنَ أحْدَاجا على كل ناعج عَبَنٍّ بأنواع التهاويلِ مُحْدَج
من القُمْع أو منْ نحْرِ نَكجيرَ يَمَّمَتْ مَعاطِنَ جَلوى لا تْرِيعُ لمن وجى
جَواعلَ ذاتٍ الرّمْتِ فالوادِ ذي الصَّفا يمينًا وعن أيْسَارها رِأمَّ هَوْدَج
وتَزْورُّ عن ذِي المرّسِيطِ فورَّكتْ لِمُسْيٍ ثلاثٍ جُبّهُ لم تُعَرّج
وصَبَّحنَ جَلوي طاميَ الجَمّ وارْتَوَوْا ولم يُنزِلوا عن هَوْدَج خِدْرَ هَوْدَج
وقالوا الرحيلُ غُدْوَةً ثم صمّمُوا على مَدْرَجٍ عَوْدٍ لهمْ أيَّ مَدْرَج
[ ٩٩ ]
أو احتْملَتْ مِنْ صُلْبِ لِحْرَيْشَ تنتَحى رُغَيْوِيَّةَ الأمْلاح لم تَتَجْلَج
أو السُّهْب سُهْبِ التَّوْأَمَين فغلَّسَتْ بَوَاكِرُها والصُّبْحُ لم يتبلَج
ومرَّتْ على قلْبِ الظليمِ كأنها خناطِيلُ زَوْزَتْ مِنْ نعام مُهَيّج
وأمْسى على كَرِّ المُزَيْرِيف منهمُ لِكاكٌ كضوْضاءِ الحجِيج نعام المُعَجْعِج
ومنهمْ بأوْشلِ الثُّدِيّ منازِلٌ وحَيٌّ على أوشالِ هَضْبِ الأُنيرِج
مَنازلُ قد كان السُّرُورُ مُحالِفي بها هِيَ عِندي بيْن سَلْمى ومَنْعج
ألا ليتَ شِعْري هلْ إليهنَّ عَوْدَةٌ وهلْ أبا منْ غَمّ التَّنائي بمخْرَج
وهلْ ليَ في أوْدائِهَا منْ مُعَرَّسٍ وهلْ ليَ في أطلالها من مُعَرَّج
[ ١٠٠ ]
فإمَّا تَرَيْني خمّرَ الشَّيْبُ لِمَتي وأصْبَحْتُ نِضْوًا عنْ شبابٍ مُبَهَّج
فيارُبّ يومٍ قدْ رصدتُ ظَعَائِنَا بأبْطح بَرْثٍ بيْنَ قُوزٍ وَحَشْرَج
ظعائنُ بيضٌ قَدْ غَنِينَ بنَضرَةٍ ترُوقُ على غَضّ النضيرِ المُبَهَّج
طعائنُ يَنْميها إلى فَرَعِ العُلا لعامرِ يَعْلى كل أَزْهَرَ أَبْلَج
عليها سُموطٌ منْ محالٍ مُلوَّبٍ مِنَ التِّبْرِ أو مِنْ لُؤْلُؤٍ وزبرْدَج
يُفَصّلُ بالمَرْجانِ والشّذْرِ بَيْنَهُ وَقَدْ غَصَّ مِنها كلُّ حِجْل ودُمْلج
ظعائنُ لم تألَفْ عَصِيدًا ولم تَبِتْ سَوَاهِرَ ليلِ الجرْجسِ المُتَهزّج
ولكنْ غِذَاها رِسْلُ عُوذٍ بَهَازِرٍ مُوَرَّثةٍ منْ كلّ كَوْماَء ضِمْعج
[ ١٠١ ]
مُعَوّدَةٌٍ عَقْرًا وبذْلًا كِرامُها لِضَيْفٍ وعافٍ من مُقِلّ ومُلْفَج
مَرَاتِعُهَا مَرْعى المَهى ورِباعُها تُلاعِبُ من أذْراعِها كلّ بَحْزَج
ويُحْدِجْنَ مما قد نجَلْنَ نجائِبًا نَوَاعِجَ أُدْمًا من نجائِبَ نُعّج
ويَحْلُلْنَ منها كل مَيْثاَء سَهْلَةٍ وأجْرَعَ سَهْلًا بالحيا مُتَبرِّج
فما أنْسَ لا أنْسَ الحُدوجَ رَوائِحًا مِنَ أوْديةِ البَطحاءِ فالمًتمَوّج
عَوامدَ للِسّطْلَينِ أو هَضْبِ مادِسٍ نَوَاكِبَ عَنْ وَادِ الخَليج وعَفْلَج
يُعَالينَ مِنْ عَقْلٍ وَرَقْمٍ مُنمّقٍ ويُسْدِلْنَ حُرَّ الأرْجُوانِ المُبَرج
قَطينًا قَطينًا فَوْقَ أُدْمٍ كأنها هَوَادِي صِوَُارٍ بالدّماءِ مُضَرَّج
[ ١٠٢ ]
دَلَحْنَ بأبكارٍ وعُونٍ كأنها عَقائِلُ عِينٌ مِن مَطافيلِ تِخْرِج
كأنهمُ إذْ ضَحْضَح الآلُ دُونَهُمْ خَلايا سَفينٍ مُثقَلٍ مُتَعمّج
صَوادِرَ مِن ميناءِ جُورَ تَحُثُهَا نَوَاتِيُّها في زاخرٍ مُتَمَوّج
أو العُمُّ من نخلِ ابنِ بوصٍ تمايَلَتْ شَمارِيخها من مُرْطبٍ ومُنَضّجِ
مجانِينُ رَقْل مِن كَناوال ناوحَتْ فُرُوعَ الثُريَّا لا تُنَالُ بمَعْرَج
لها شرباتٌ قد نَصَفْنَ جُذوعَها رِوَاءُ الأعالي حَمْلُهَا غيرُ مُخدَج
وفي الظُّعْنِ مِجْوالُ الوِشاح كأنها صَبيرُ حَيًا في بارِقٍ مُتَبَوّج
تراَءت وقد جَدَّ الرحيلُ بمشْرِف هِجَانٍ وَوَضَّاح أَغَرّ مُفَلّج
[ ١٠٣ ]
فَدَبَّتْ حُمَيا الشَّوقِ في النفْسِ واصْطلَتْ تَباريحُ إلا تُودِ بالنَّفْسِ تُلْعِج
عَشِيّةَ لا أسْطِيعُ صَبْرًا ولا بُكا فأشْفى غليلي والبُكا مَفْزَع الشجى
وقد أعْسِفُ الخرْقَ المَهيبَ اعتسافُهُ بخرْقاَء من سرّ الهِجانِ عَفَنْجَج
مُبينَةِ عِتْقِ الحُرَّتينِ وخَطْمًُهَا يُبَارِى السّنان غيرَ أمن لم يُزَجّج
عَجَمْجَمَةٌ رَوْعَاءُ زيَّافَةُ السُّرى أمُونٌ كبُرْج الأندَرىّ المُؤَرَّج
إذا زُعْنَها بعْدَ الكلالِ تَغْشمَرتْ وَحَطتْ حِطاطَ الجَنْدَلِ المُندَحْرج
كأني إذا أخْلَيْتُها الخرْقَ وارتمتْ يَدَاها بِرَضْراض الحصَا المتأجّج
[ ١٠٤ ]
على لُؤْلؤانِ اللّوْنِ سَفْعَاَء لاعَها تَشَمُّمُ أشْلاء بمصْرَع بحْزَج
منْ لبخُنْسِ قد باتَتْ وأضْحَت تَعُلّهُ بعَمْياَء لا تخشى بها من مُهَيّج
فلما رَمتْهُ في المَفاصِلِ نَعْسَةٌ إلى بَطنِ حِفْفٍ بالصّريمةِ أعْوَج
تراختْ بها عنهُ المَراعي فأحْدَقَتْ به بؤَّسٌ ما إن لها منْ مُهَجْهِج
بَنُوَ قْفرَةٍ طُسَ المُلامِنْ عِصابةٍ إذا أقدَمَتْ في غِرَّةٍ لم تُحَجْحِجِ
شرابُهُم دَمُّ العَبيطِ وزادُهمْ فَرِيسٌ طِريدٌ لحمُهُ غيْرُ مُنْضَج
فراحتْ لعَهْدٍ كان منهُ فلم تجدْ سِوى جلَدٍ أو رَأْسِ عَظمٍ مُشَجّج
فجالتْ قليلًا وانثنَتْ تَستخِيرُهُ ولم تَدْرِ أَنْ منْ يَعْلَق الحتْف يُخلج
فطافتْ له سَبْتًا تُرَجّى إيابَهُ وأنى لها هَيْهَاتَ ما هي تَرْتجي
فلما ذَوتْ قِرْدَانُ دَرَّتِها طَوَتْ على عَلِّهِ يأسًا مُبينًا لمنْ شَجِي
[ ١٠٥ ]
فباتَتْ على فرْدٍ أجَمَّ كأنها تلأْلُؤُ مِقْبَاسٍ يُشَبُّ لِمُدْلِج
تُقَطعُ مِن عَزْفِ الفَلا جِرَرًا لها حِذارًا فمْهمي يَعْزِفِ الدَوُّتَمْعَج
تَغصُّ بها ما إن تكادُ تُسيغُها فتُلقى لُفاظًا من لُغامٍ ورِجْرِج
فلما سرَى عنها الدُّجى الصبحُ آنستْ به جَرْسَ ذي طِمْرين بالصيد مُلْهج
أخي سَبعةٍ أو تسعةٍ قدْ أعدَّها لأمثالها من كل شهْم محرّج
يَحُثُّ ضِراءً كالحاتٍ كأنها قِدَاحُ مُفيضٍ بالمغاليقِ مُفلج
مَصَارِيعَ وحْشٍ ضارياتٍ تعَوَّدتْ مُغارَ الصَّباح من ضِراء ابن الاعْوج
فما ذرَّ قَرْنُ الشمس حَتى غَشينَها وجدَّتْ نجاَء غير نُكدٍ ولا وج
[ ١٠٦ ]
فألَقتْ معًا أرْواقَها وتمَطرَتْ على إثرِها مُسْتَضرماتٍ بَعرْفَج
فأقصرْنَ عنها بعدَ شأوٍ مُغرّبٍ ومرَّتْ كمصْباح السمَّاءِ المُدَحْرَج
تَساقطن حَسْرى بين وانٍ مغَوّرٍ وكابٍ بمكنُونِ الحشا مُتَضرّج
كأني إذا مل شبّتِ المُعْزُ نُورُها على تلك أوْهَيقٍ هِجَفٍّ هَزَلّج
أزَجّ من الزُّعرِ الظنابيبِ مُعْرِسِ بخرْجاَء هَوْجاَء البُرايةِ عَوْهَج
[ ١٠٧ ]
يُعودانِ زُعْرًا بالخميلةِ دَرْدَقًا ومرْصُوصَ بَيْضِ حَوْلها لم يُنتَّج
يَظلاَنِ في آه وشرْىٍ طَباهُما بأقرَحَ مِن أرْى الرَّواعدِ أدعَج
تُزايلُهُ طوْرًا وتأوِي فأمْسيا بمُنْتزحٍ والشمْسُ بالمُتعرّج
فهاجَهمَا جُحَ الظلام ادّكارُهُ فزفا لهُ في أنْفِ نكْباَء سَيْهج
وقدْ أصحبُ القومَ الكريمَ نِجارُهم وخيمهُمُ من كلّ أرْوعِ مِعْنَج
يَحُوط المداعي والمساعي مُرَزَّءٌ تقيٌّ نقيٌّ اللْونِ غيرُ مُزلّج
عليهِ قبولٌ يغمرُ الحيّ سَيْبُهُ إذا لم يكنْ في الحيْ مَلجًا لمُلتج
كِرامٌ صَفتْ أخلاقُهمْ وتمحَّضَتْ وليس الصريحُ المحضُ مثلَ المُمزّج
[ ١٠٨ ]
أولائك أخداني فأصْبحتُ بعدَهْم أسايرُ خلفًا نهْجُهمْ غيرُ مَنهَج
يرون جميلا ماتْوا من قبيحهمْ فيَالَلإِلهِ للسّفَاهِ المُروّج
إلى هنا انتهت الجيمية، وحيث إنه عارض بها جيمية الشماخ بن ضرار الغطفاني الصحابي، أحببنا ذكرها تتميما للفائدة، والشيء بالشيء يذكر.
(وهي):
ألا نادِيا أظْعان ليْلى تُعَرِّج فقد هِجْنَ شوْقا ليْتَهُ لم يُهيَّج
أقولُ وأهلي بالجنابِ وأهلُها بنجْدَبْن لا تَبْعدْ نَوى أمّ حَشْرَج
وقد يَنْتأي مَنْ قد يَطولُ اجتماعهُ وتَخلجُ أشْطانَ النَّوى كلَّ مخلج
صَبا صَبْوَةً من ذي بحارٍ فجاوَزتْ إلى آل ليلى بطنَ غَوْلٍ فمَنْعَج
[ ١٠٩ ]
كِنانِيَّةٌ إنْ لم أنَلْها فإِنها على النأي من أهلِ الدلالِ المُولّج
وَسيطةُ قْومٍ صالِحِينَ يَكُنُّها مِن الحَرِّ في دار النّوى ظِلُّ هوْدَج
مُنعَّمةٌ لم تَلْقَ بُؤْسَ مَعِيشةٍ ولم تَغتزِلْ يوْما على عُودِ عَوْسَج
هضيمُ الحشى لا يَملأ الكفَّ خَصْرُها ويُملأ منها كلُّ حِجْلٍ ودُمْلُج
تَميحُ بِمسْواكِ الأراكِ بنَانَها رُضابَ النَّدى عن أقْحُوَانٍ مُفلَّج
وإنْ مَرَّ من تخشى اتّقَتْهُ بِمعصَم وسبٍّ بنضْح الزَّعْفرانِ مُضَرَّج
[ ١١٠ ]
وتَرْفُع جلبابًا بعَبْلٍ مُوَشَّمٍ يكُنُّ جَبينًا كان غيرَ مُشجَّج
تَخَامَصُ عن بَردِ الوِشاح إذا مشتْ تخامُصَ حافي الخيل في الأمْعَزِ الوَجي
يَقِرُّ بعيني أن أنَبَّأ أنها وإن لم أنلْها أيّمٌ لم تَزَوَّج
ولو تطلُبُ المعرُفَ عِندي رَدَدتُها بحاجةِ لا القالي ولا المُتلَجلِج
وكنتُ إذا لاقيْتُها كان سِرُّنا لنا بيننا مِثَل الشّواءِ المُلْهوج
وكادَتْ غداةَ البينِ ينْطقُ طرفُها بما تحتَ مكنُونٍ من الصّدر مُشْرَج
وتشكو بعين ما أكلَّ رِكابَها وقيلَ المُنادي أصْبَحَ القومُ أدلج
[ ١١١ ]
ألا أدّلَجتْ ليْلاَكَ من غيْرِ مُدلج هَوى نفسها إذ أدْلجت لم تُعرِّج
بليل كلوْنِ السَّاج أسْوَدَ مُظلمٍ قليلِ الوَغى دَاجٍ كلوْن اليَرَنْدَج
لكُنْتُ إذًا كالمُتَّقى رأسَ حَيَّةٍ بحاجَتِهَا إن تُخِطئ النفْسَ تُعْرَج
وكيفَ تلاقِبها وقدْ حالَ دُونَها بنُو الهُونِ أو جسْرٌ وَرهطْ ابن جُنْدُج
تحلُّ سَجَا أو تجعلُ الغيْلُ دُونها وأهلي بأطرافِ اللّوَى فالمُوتَّج
[ ١١٢ ]
وأشعثَ قدْ قدَّ السّفارُ قميصَهُ وجَرُّ الشّواء بالعَصي غيْرَ مُنْضَج
دَعوْتُ فلبَّاني إلى ما ينُوبنُي كريمٍ من الفتْيانِ غيْرَ مُزَلج
فتًى يملأُ الشّيزى ويُرْوى سِنانهُ ويَضربُ في رأسِ الكميّ المُدجَّج
أبلَّ فلا يَرْضى بأدنى مَعيشةٍ ولا في بُيُوتِ الحيّ بالمتولّج
وشُعْثٍ نشاوى من كرًى عبدَ ضُمَّرٍ أُنِخْنَ بِجَعْجاع قليل المُعرَّج
وقعْنَ بهِ منْ أوَّلِ اللَّيل وقعةً لدى مُلقَح من عُودِ مَرْخ ومنْتج
قليلا كحَسْوِ الطيرِ ثمَّ تقَلّصتْ بنا كلُّ فتلاءِ الذراعين عوْهَج
[ ١١٣ ]
وَداوِيَّة قفْرٍ تمشَّى نِعاجُها كمَشْي النّصارى في خِفافِ اليَرنْدَج
قَطعتُ إلى معرُوفها منكراتِها إذا خَبَّ آلُ الأمْعَز المُتوهج
وأدْماَء حُرْجوُج تعاللْتُ مَوهنًا بسوْطيَ فأرْمدَّتْ فقلت لها عج
إذَا عيجَ منها بالجدِيل ثنَتْ لهُ جِرانًا كَخُوطِ الخيْزُرانِ المُموَّج
وأن فَترت بعْدَ الهِبابِ ذَعرتها بأسْمَرِ شَخْتٍ ذَابل الصَّدرِ مدرَج
كأنّ على أكْسائها منْ لغُامها وخيفَةَ خِطْميّ بماءِ مُبَحزَج
[ ١١٤ ]
إذا الظبيُ أغضى في الكِناسِ كأنهُ منَ الحَرّ حَرجٌ تحتَ لوح مُفَرَّج
كأني كسوْتُ الرحْل أحقَبَ ناشطًا منَ اللاّءِ ما بين الجَناب ويأجُج
قُوبْرحُ أعْوام كأنَّ لسانهُ إذا صاحَ حُلْوٌ زَلَّ عن ظهْرِ مِنْسَج
خفيفُ المعَى إلا عُصارة ما استَقى من البقْلِ ينَضُوهُ لدى كلّ مَشْجِج
أقَبَّ تَرى عهْد الفلاةِ بجسْمِهِ كعهدِ الصَّناع بالجديلِ المُحَمْلَج
إذا هُو ولّى خِلْتَ طُرَّةَ مَتْنِهِ مريرةَ مَفُتولٍ من القِدِّ مُدْمَج
[ ١١٥ ]
تَربّعَ من حوْضٍ قَنانا وثادِقا نِتَاج الثُّريَّا حَمْلُها غيرُ مُخْدَج
إذا رجّع التَّعْشيرَ ردًّا كأنه بناجذِه من خَلْفِ قارحه شَج
بعيدُ مَدَى التْطريب أُولىِ نُهاقهِ سحيلٌ وأُخْراهُ خفيٌّ المُحَشْرج
خَلا فارتعي الوسْميّ حتى كأنما يَرى بَسفيُّ البُهي أخلةُ ملْهَج
إذا خافَ يوْما أن يُفارقَ عانةً أضرَّ بملْساءِ العَجيزَة سْمحج
[ ١١٦ ]
أضَرّ بمقْلاةٍ كثيرٍ لُغُوبها كقوْسِ السَّراءِ نِهدَة الجنْبِ ضِمِعِج
إذا سافَ منها موْضعَ الرِّدْفِ زيَّفتْ بأسمرَ لاَمٍ لا أزَجّ ولا وجي
متى ما تقَعْ أرْساغُهُ مُطمئنَّةً على حجرٍ يرفَضُّ أو يتدحرج
مُفجُّ الحوامي عنْ نسورٍ كأنها نوى القَسْبِ ترَّتْ عن جريمٍ مُلَجلَج
كأن مكانَ الجَحْش منها إذا بدتْ مَناطُ مِجَنّ أو مُعلَّقُ دُملُج
بمَفْطوحةِ الأطرافِ جَدبٍ كأنما توقُّدُها في الصَّيفِ نيرانُ عرفَج
مَتى ما يسفْ خيْشُومهُ فوق تلْعةٍ مَصامةَ أعْيارٍ من الصيفِ ينْشج
[ ١١٧ ]
وإن يُلْقيا شأوًا بأرْضٍ هوى لهُ مقرّضُ أطرافِ الذراعين أفحج
يَظلُّ بأعلى ذي العُشْيرةٍ صائما عليهِ وُقُوفَ الفارسيّ المُتَوَّج
وإن جاهَدَتْهُ بالخبارِ البَري لها بذَاوٍ وإن تَهبطْ بهِ السَّهْلَ يمعَج
تواصى بها العكراشُ في كلّ مَشرَبٍ وكعْبُ بن سَعْدٍ بالجديل المُضرّج
بزُرقِ النَّواحي مُرْهَفاتٍ كأنما توقُّدُها في الصّيفِ نيرانُ عرْفج
فإِن لا يَرُوعاهُ يُصيبا فؤادَهُ ويحرَجْ بعَجلي شطبةٍ كلّ محرَج
وقال يوما في مجلس، أنشد فيه ميميته: أرجو من الله أني أنا وحميد بن ثور، ننشد
قصيدتينا في ناد من أهل الجنة، فيحكمون بيننا. وهاهي ميميته:
[ ١١٨ ]
تأوَّبهُ طَيْفُ الخيالِ بمَرْيَما فباتَ مُعَنَّى مُسْتَجنَّا مُتَيَّما
تأوَّبَهُ بَعْدَ الهَجُوع فَهاضَهُ فأبْدَى مِنَ التّهْيام ما كانَ جَمْجَما
لطاف بها حَتى إذا النّفْسُ أجْهَشَت وأبْدَتْ بنَا نَالِي خَضِيبًا وَمِعْصَما
وَوجْهًا كأنّ البَدْرَ لَيلةَ أرْبعٍ وعَشْرٍ عَليهِ ناصِلًا قدْ تهمَمَّا
تَوَلى كأنَّ اللَّمْحَ بالطّرْفِ زَوْرُهُ وكان وَدَاعا منهُ أنْ هُوَ سَلَّما
فمنْ ذَا ولا مَنْ ذَا رَأى مِثْلَ زَوْرِهِ وَمِثْلَ الذي بَين الجوانِح أضْرَما
فباتَ الهَوى يَسْتَنٌّ بي هَيْجانُهُ فأسْدَى بِلُبّي ما تَبَغَّى والحَمَا
وَبتُّ بهَمٍّ لا صَباحَ لِلَيْلهِ إذا ما حَدَاهُ الصُّبْحُ كرَّ وَدَوّما
فَقُلْتُ أما لِلّيْلِ صُبْحٌ كما أرَى أمِ الصُّبْحُ مما هَيَّجَ الطّيْفُ أظْلَما
[ ١١٩ ]
بَلى كلُّ ليْلٍ غَيْرَ أنَّني أرى الصُّبْحَ يا للنّاسِ للصُّبْح أنَجما
ألا يا خَليليَّ ارْحَلا وتيمّما بنا حيْثُ أمْسى رَائِد الظَّعْنِ يَمّما
فكيْفَ القَرَارُ بَعْدَما قِيلَ يَمّمَتْ مرَابِعَها بالجوّ أظْعَانُ مَرْيَما
ظَعَائِنُ يَهْدِيهنَّ في كلِّ نَجْعَةٍ مِنَ القَوْمِ مِينَافُ إذا هَمَّ صَمّما
تحَمَّلْنَ أنْ قَدْ شِمْنَ مِنْ جالِ تِيرِسٍ مَخيلًا بها ألقى البَعاعَ وَدَيَّما
فخَّبَرهُمْ رُوَّادُهُمْ بَعْدَ سَبْعَةٍ بما سَرَّهُمْ أنْ جادَ فيها فأفْعَما
وَجَرَّ على أنجادِها وَوِهادِها مِنَ الوَشْمِ حَوْكًا سُنْدُسِيًا وأنْعَما
فمنْ يَكُ يَوْمًا ذا عَزَاءِ ونَسْوَةٍ لِطوُلِ تَناءِ أو لوَصْلٍ تَصرَّما
فلَسْتُ بِناسٍ يوْمَ ولتْ جمالُهُمْ وسَالَ بهنَّ الفَجُّ بالظعْنِ عُوّما
هَجائِنُ بيضٌ مِنْ عَقائِلِ عامِرٍ جَمَعْنَ إلى الأحْسَابِ حُسْنًا ومِيسَما
[ ١٢٠ ]
تَخيَّرْنَ للأحْداجِ كلَّ مُنَوَّقٍ من البُزْلِ فَعْمًا قيسَرِ يا عَثْممَا
يزِيفُ بمِبْهاج كانّ مُرُوطَهَا تُخالُ برِثْمٍ مِنْ غشَيْوَاَء أرْثما
جَعَلنَ عَلى الأحْداجِ خَمْلًا وكِلَّةً وعَاليْنَ رَقْمًا عَبْقَريًا مُنَمْمَا
تَظَلُّ عِتاقُ الطير في كلّ رِحْلَةٍ إليْهِ مُدِيماتٍ عُكُوفًا وحُوَّما
كأنَّ العُيُونَ اللامحاتِ إذا بَدا تَمُجُّ عليهِ أرْجوانًا وعَندَم
فلمْ أرَ يْوما كانَ أحسن مَنظرًا وأهوى هَوًى يقَتْادُ صَبًا مُتَيَّما
وآنَسَ أٌنسًا لوْ يُرامُ مَنالُهُ وألْهى لُهِيًّا للصَّدِيق وأصْرَما
وللهِ عَينا منْ رأى مثْلَ سَيْرِها إذا رَجَّعَ الحادِي بهنَّ وهَمهمَا
[ ١٢١ ]
سَلكْنَ جِواَء الفَجُّ ثمَّ تَطلّعتْ منَ الصَّخْرةِ البَيْضاءِ نجْدًا مُهَضَّما
جَعَلْنَ قِنانَ الوُطْسِ نَصْبَ عُيونِها وكانَ لَهُنَّ الوُطْسُ قِدْما مُيَمَّما
ويا مَنَّ عَنْ نجْدِ الغُوَيْرِ ويا سَرَتْ عَنِ الأيْقِ نُكْبًا سَيْرُها لَنْ يُثَمثَما
فحلَّتْ ببَطنِ الأتْوِ مُسْيًا وما بهِ عَلاَقٌ فباتَ الظَّهْرُ حَدْبا مُزَمَّما
وأبكرن يَخْبِطنَ الجَفَاجِفَ غَدْوَةً كإِصْرَامِ عِيدَانٍ أني أَنْ تصَرَّما
فألْوَتْ على الكِنْوَيْنٍ منْ نَسْجِ سَدْوِها هَجِيرًا برأي مُحْكم النَّسْجِ أقْتَما
يُحَاولْنَ بالسَّبع الأضَيّاتِ مَشْرَبا مِنَ الغُدْرِ أو عَيْنًا بجَلْوَاَء عَيْلَما
[ ١٢٢ ]
وَرَوْضًا بأكنافِ الأماكِرِ زاهرًا قدَ أرْزَمَ فيه الرّعْدُ سَبْتًا وزَمزما
فألْفَتْ عِصىَّ السَّيْرِ فيهِ وخيَّمَتْ بحيْثُ بَعاعُ المُزْنِ سَحَّ وَخَيمَّا
عَسى اللهُ يُدْنى بَعْدَ بُعْدٍ مَزَارَهْم فيأنَسَ صَبٌّ بعدَ حُزْنٍ ويَنْعمَا
فهلْ تُبْلِغَنِّيهِمْ نجائِبُ وُخّدٌ شَوَازِبُ لا يُبقينَ للَّيْلِ مَحْرَما
نجائِبُ يَحْدُوها سُرًى وتَهجُّرٌ يُبَارِى بها الدَّوُّ النَّعامَ المُخَزَّما
نجائِبُ لا يُعْظِمْنَ لِلهَوْلِ كلمَّا تَغَوَّلَ مجهُول التّنائِفِ مُعْظَما
تخيَّرْتُ منها لاهْتمامي عَرنْدَسًا يُخالُ على التَّرْحالِ والحَلْ مُقْرَما
بُوَيْزِلُ عامٍ كالمَصَادِ عُذافرٌ كأنَّ عليهِ خِدْرَ حِدْجٍ مُخيمَّا
ذِفَرٌّ خَرُوسٌ لَوْ تُولّى لرَحْلهِ بحَدِّ المَواسي زَمَّ أَنْ يَتزغمَّا
[ ١٢٣ ]
كأني أدَارِى إذْ علوْتُ قُتُودَهُ بهِ أَبْلَقَ الكشْحين جأبًا مُكَدّما
قُوَيْرِحُ عامٍ أو رَباعٌ خلالهُ مَجرٌّ بحنَّانٍ من الدَّلْوِ أَسْحَما
كأنَّ رُباهُ والهُجُولَ تجلَّلَتْ زَرابَي أو وَشْيًا يمانٍ مُسَهَّما
يَدِبنُ به حُقْبٌ سَماحِيجُ باكرتْ لُعاعَ تَناهى رَوْضِهِ حين وشَّما
كأنّ صُرَخَ المُسَتغيثِ سَحِيلُهُ بكلّ صَباحٍ غيرَ أنْ كان أعجَما
يَدِنَّ لهُ حَتى قرِيْنَ ذُنابهُ وأحسن لِقْحًا عنْ حيالٍ مُكتَّما
وقدْ جَعَلَتْ لَيًّا بأذنابها لهُ إلى السَّلْمِ منْ بعْدِ المُناوراتِ سُلَّمَا
يُحَوّزُها في كلّ فجّ كأنها وسِيقَةُ ناج من عِدَىً نالَ مَغْنما
[ ١٢٤ ]
يَظلُّ رقيبًا حَوْلَهُنَّ كأنهُ رِبَيئٌ علا منْ مِيفَعٍ مُتَسنمَّا
فلمَّا جَرتْ هِيفُ الجَائِبِ بالسّفا وَأَيْقَنَّ أَنَّ الجَزْءض فيهِ تَصرُّما
ولوَّحَها هَيْجُ السَّمُومِ وسومها فظلّتْ صُفُونا بالظواهِرِ صِيمَّا
تَوَخَّى بها عَيْنا رِوىً قَدْ تَعَوَّدَتْ بها الرِّيَّ قِدْما بالمصائفِ مَعْلَما
فشَجَّ بها الحزّانَ شجًّا كأنما تَشُبُّ على الحُزّانِ غابا مُضرَّما
أَوَ أرْوَحَ هَيقًا خاضِبًا مُتَروِّحا يُبَادِرُ أغوالَ العَشِيّ مُصَلَّما
تهيَّجَ للأُدْحِيّ منْ نازِحٍ غدا يَجُولُ لهُ في يَوْمِ رِيحٍ تَغيَّما
فلمَّا دَنا الإمْساءُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ تذكّرَ أَقْوَابا وقَيْضًا مُحطَّما
تحَطمَ عنْ زُعْرِ القوادِمِ خرَّقٍ كمثلِ أرُومٍ منْ حُلّي تَجَرْثما
[ ١٢٥ ]
ألا عجبَتْ جُمْلٌ سَفاهًا وما رأتْ بَدِيئًا لشيْبٍ بالمَفارِقِ مُعْلِما
وَقَدْ زعمتْ أني كبِرْتُ وأكبَرَتْ صِباي ولم تنقَمْ لَعَمْرُك مُعْظَما
وقدْ هَزِئَتْ لمَّا رأتنَي شاحِبًا وهُنْتُ عليْها بعدَما كنْتُ مُكرَما
ألم تعْلَمي أنْ لا غضاضةَ أن يُرَى كريمٌ ببيضاءِ المَحَاجرِ مُغْرَما
وأنّ الجُرازَ العَضْبَ يَخلُقُ غِمدُهُ ولا عَيْبَ إنَّ العَيْبَ أن يتكهَّما
ولكنْ سَلي عَني دَخيلي إذا شتوا وأخْلَفَ ما شيهمْ سِماكا ومِرْزَما
كأنيَ لم أرْكبْ لَلهْوٍ ولم أنلْ منَ البيضِ وصْلًا آمنًا أنْ يُصَرَّما
ولم أسْهِرِ الفتْيانَ ليْلَ مَلذَّةٍ طويلا ألا يا رُبَّ طُولٍ قدْ اسْأما
ولم أتلافَ الظعْنَ قَصْرًا بحاجرٍ على إثْرِ حيّ مَدَّ سَيْرًا وأَجْذَما
ولم أعملِ العيسَ المَرَاسِيل بالفَلا لأَبْنَي مَجْدًا رُكنُهُ قَدْ تهدَّما
ولم أهْدِ بالمَوْماةِ رَكبًا ولم أرِدْ بهم أُخْرَياتِ الليلِ ماءً مُسَدَّما
[ ١٢٦ ]
ولم أردُدِ الألوى الألدَّ كأنه أميمٌ كما عنَّ المعنَّى المسدَّما
ولم أفحمِ الخِنْذيذَ في يوْمِ مَجْمَعٍ منَ الناسِ مَشْهُودٍ وما كان مُفْحَما
أتى ثانيًا منْ جيدِهٍ مُتخمِّطًا يَمُجُّ لُغاما مُستطيرًا وبلْغما
يَصُدُّ صُدُودَ المُسْتِكينِ كأنَّهُ من الذلِّ مَحْسُومُ الخِصاءِ وأحجما
أرانا لِصَرْفِ الدَّهرِ صَرِعين مُقْعَصًا فمصْمىً ومُنمىً إنْ تخطاه أهرَما
وما مات مَنْ أبقى ثناَء مخلّدًا وما عاش مَن قدْ عاش عَيْشًا مُذَّمما
وما المَجْدُ إلا الصَّبْرُ في كلّ مَوْطِنٍ وأن نجشُمَ الهوْلَ العَظيمَ تكرُّما
وما للؤْمُ إلا أن يُرى المَرْءُ غابطًا لئيما لمال في يديهِ إنْ أعْدما
فذاك الذي كالمَوْتِ في الناسِ عيشُهُ ومنْ عدَّ مالًا مالهُ كان ألأما
وما الدَّهرُ إلا بَين لين وشدَّةٍ فمن سرَّ مُسْيًا فيهِ أصْبَح مُرْغما
[ ١٢٧ ]
وما الحزْمُ إلا مِرَّةُ النفْسِ تُقْتَنى لشدَّتِه من قبلِ أن تتحكما
وما العَجْزُ إلا أن تَلين لمسّها فَتَضْجرَ من قبلِ الرخاء وتسأما
وليس الغِنا إلا اعتززَ قناعةٍ نُجِلُّ أخاها أن يُذَلَّ ويُشتَما
وما الفقْرُ إلا أن يُرى المرءُ ضارعا لنَكبةِ دهرٍ قدْ ألمَّ فَيقْحَما
وخيْرُ الرجالِ المجْتدي سَبْبُ كفهِ وأجْرأهمْ عند الكريهةِ مَقْدَما
وشرُّ الرجالِ كلُّ خَبٍّ مُرامقٍ إذا ما دَعى الدَّاعي لأمرٍ تَلعْثما
تجنّبْ صِحابَ السُّوءِ ما عِشْتَ إنهُمْ لكا الجُرْبِ يَعْدِينَ الصَّحيحَ المُلَّما
ورَاعِ حُدودَ اللهِ لا تتعدَّها وصَغّرْ وعظمْ ما أهانَ وعظما
ورَاع حُقُوقَ الضَّيْفِ والجار إنه لعَمْرُك أوْصى أنْ يُبَرَّ ويُكرَما
وإنْ جَهلَ الجُهالُ فاحْلم ورُبَّما يكونُ عليك العَارُ أنْ تتحَلّما
وبالحَسَن ادفعْ سيئًا فإذا الذي يُعادِيك كالمولى الأحَمّ وأرْحَما
ولا تقْرَبَنَّ الظلمَ والبَغيَ فاطَّرِحْ فغِهُّمُا قدْ كان أرْدى وأشأما
وما اليُمْنُ إلا البرُّ والعَدْلُ والتُّقى وما الشؤْمُ إلا أن تخون وتأثما
وهذه ميمية حميد بن ثور الهلالي الصحابي ﵁، التي عارض امحمد ابن الطلب المترجم بميميته. وقد تطلبتها سنين عديدة في رحلتي إلى الحجاز، والشام، والقسطنطينية. فما وقفت لها على أثر ولا عثير، حتى سألت عنها صاحب الهمة السامية، الدائب في إحياء العربية، سعادة أحمد بك تيمور، أحد أعيان الأعيان بمصر - حفظه الله تعالى - فوجدته عثر على نسخة منها بخط غير صحيح، فجاد عليّ بها، جزاه الله خيرا. وقد سقط من نسخته بيتان من أولها، بقيا في حفظى، وما أدري، هل سقط منها غيرهما أم لا.
[ ١٢٨ ]
ألا هَيَّما مما لقيتُ وَهَيَّما وَوَيْحَا لمَنْ لم ألْقَ منْهُنَّ ويْحَما
أَأَسْماءُ ما أسْماءُ ليْلةَ أدْلجتْ إليَّ وأصحابي بأيَّ وأينما
هيما: كلمة تحسر. وويحا: كذلك، وهو مصدر لفعل مهمل. وقوله: وأصحابي بأي وأينما، جملة حالية، أي بمحل مجهول، يسأل عنه بأي وأينما.
سَلِ الربعَ أنيَّ يمَّمتْ أمُّ سالمٍ وهلْ عادةٌ للِرَّبْع أنْ يتكلَّما
وقولا لها يا حَبذا أنْتِ هل بدا لها أو أرادتْ بعْدنا أنْ تأيَّما
يقول: هل رغبت في التزويج، أو أقامت بعدنا على التأيم. يخاطب واحدا، والعرب تخاطب الواحد بلفظ الاثنين.
ولوْ أنَّ رَبْعًا ردَّ رجْعًا لسائل أشار إليَّ الربعُ أو لتفهَّما
أرى بَصري قدْ رابني بعد حِدَّةٍ وحَسْبُك داءً أن تصحَّ وتسْلما
ولنْ يَلبْثَ العَصرانِ يومًا وليْلة إذا طَلبا أنْ يُدركا ما تيمَّما
وصَوْتٍ على فوْتٍ سَمعْتُ ونظرةٍ تلافيتُها والليّلُ قَدْ صار أبْهما
بجدَّةِ عَصْرِ منْ شبابٍ كأنهُ إذا قمتُ يمسُوني رِداءً مُسَهَّما
[ ١٢٩ ]
أجِدَّكَ شاقتْكَ الحُمُولُ تيمَّمَتْ هَدابيْنِ واجْتابَتْ يمينًا يَرَمرَما
على كلّ مَنْسُوجٍ بيَبْرشينَ كُلّفَتْ قُوَى نِسْعَتَيْهِ مْحزَمًا غيْرَ أَهْضَما
رَعِينَ المُرارَ الجَوْنَ مِنْ كلّ مَذْنِبٍ شُهُورَ جُمادَى كلها والمُحَرَّما
إلى النِيرِ فاللعناءِ حَتى تبدَّلتْ مَكانَ رَوَاعِيها الصَّرِيفَ المُسَدَّما
وعادَ مُدَمَّاها كُمَيْتًا وشُبّهَتْ كُلُوُمُ الكُلى مِنْها وِجارًا مهدَّما
وخاضَتْ بأيديها النّطافَ وَدَعْدَعَتْ بأقْتادِها إلا سَرِيحًا مَخدَّما
وقدْ عادَ فِيها ذو الشَّقاشِقِ واضحًا هِجانًا كلوْنِ القُلبِ والجَوْنُ أصحَما
تَناوَلَ أطرافَ الحِمى أنْ تَنالهُ وتَقْصُر عنْ أوْساطِهِ إن تقدَّما
[ ١٣٠ ]
وجاَء بها الذوَّادُ يحْجُزُ بينها سُدًى بينَ قَرْقارِ الهدِيرِ وأعجَما
فقامَتْ إليهنَّ العَذارى فأقْدَعَتْ أكُفَّ العَذارى عِزّة أنْ نُخَطما
فقرَّ بْنَ مَوْضُورًا كأنّ وَضِينَهُ بَنيقٌ إذا ما رامَهُ العَقْرُ أحْجَما
صِلَخدًا كأنّ الجنَّ تَعْزِفُ حَوْلهُ وصَوْت المُغَنّى والصَّدى ما ترنّما
بغيْرِ حَيًا جاَءتْ بهِ أرْحَبيّةٌ أطالَ بها عامَ النّتاجِ وأعْظما
تراهُ إذا اسْتَدْبرْتَهُ مُدْمَجَ القَرَى وفَعْمًا إذا أقبلْتَهُ العَينَ سَلْجما
عَيَنٌّ مَريطُ الحاجِبَيْنِ إذا خدا على الأكْمِ ولاّها حِذاءً عَثَمْثَما
رعى السِّدْرَةَ المِحْلالَ ما بَينَ زابنٍ إلى الخَوْرِ وسْمىَّ البُقُولِ المُدَيَّما
[ ١٣١ ]
فجئْنَ بها غُوجَ المِلاطَيْنِ لم يَبِنْ حداج الرّعَاءِ ذا عَثانِينَ مُسْنما
فلما أتَتهُ أنْشبَتْ في خَشاشهِ زِمامًا كثُعبانِ الحَماطةِ مُحْكَما
شدِيدًا تَوَقّيهِ الزِّمامَ كأنما يَراها أعَضّتْ بالخشاشةِ أرْقَما
فلما ارْعَوى للزّجْرِ كلُّ مُلَبَّثٍ كجيدِ الصَّفا يتلو حِزَاما مُقَدَّما
إذا عِزّةُ النفْسِ التي ظلَّ يَتَّقى بها حِيلةٌ لم تُنْسِهِ ما تَعلَّما
[ ١٣٢ ]
كأنَّ وَحَي الصِّرْدانِ في جَوْفِ ضالةٍ تَلَهْجَمَ لَحْيَيْهِ إذا ما تَلَهجَما
وقالتْ لأُخْتَيْهَا الرَّوَاحَ وقدّمَتْ غَبيطًا خُشَيْميًّا تَرَاهُ وأسْحَما
فجاَءتْ بِه لا جازِيًا ظَلَفاءهُ ولا سلسًا فيهِ المَسامِيرُ أكْزَما
فَزَيَنَّهُ بالعِهْنِ حتى لوَ إنه يقال له هابٍ هَلُمَّ لأقدَما
فلما كشفْنًَ اللّبْسَ عنهُ مَسْحَنَهُ بأطرافِ طَفْلٍ زَانَ غَيْلًا مُوَشّما
[ ١٣٣ ]
لهُ ذِئَبٌ للرّيح بينَ فُرُوجِهِ مَزاميرُ ينْفُخْنَ (الكسِيرَ) المهزّما
مُدَمًّا يَلوحُ الوَدْعُ فَوْقَ سَراتِهِ إذا أرْزَمَتْ في جَوفهِ الريحُ أرْزَما
كأنّ هَزِيرَ الريحِ بينَ فُرُوجِهِ عَوازِفُ جِنٍّ زُرْنَ حَيًا بعَيْهَما
تَباهَا عليهِ الصّانِعَاتُ وشاكلَتْ بهِ الخيْلَ حتى همَّ أنْ يتَحَمْحَما
أطافَتْ بهِ النسوان بين صنيعهِ وبين التي جاَءت لِكيما تَعلّما
يطفْنَ بهِ يَخلُونَ حَوْلَ غبيطِها رَبابَ الثريَّا صاب نَجْدًا فأوْسَما
[ ١٣٤ ]
فلوْ أن عُودًا كانَ مِنْ حُسْنِ صُورَةٍ يُسَلّمُ أو يمْشي مَشي أو لَسلّما
تَخالُ خِلالَ الرقْم لمّا سَدَلْنَهُ حَصانًا تُهَادَى سامىَ الطرْفِ مُلْحما
سَرَاةَ الضُّحى ما رِمْنَ حتى تَحَدّرَتْ جِباهُ العَذارى زَعْفرانًا وعندَما
فقلْنَ لها قَوى فَدَيْناكِ فارْكبي فقالتْ ألا لا غيْرَ أمَّا تكلما
فهادَيْنَهَا حتى ارْتَقَتْ مُرْجَحِنَّةً تميلُ كما مالَ النّقا فَتَهيَّما
وجاَءتْ يَهُزُّ الميسنانيّ مَشْيُهَا كهَزّ الصَّبا غُصْنَ الكَثيبِ المُرَهَّما
منَ البيضِ عاشَتْ بين أمّ عزِيزَةٍ وبينَ أبٍ بَرٍّ أطاعَ وأكرَما
[ ١٣٥ ]
مُنَعَّمةٌ لوْ يُصْبحُ الذَّرُّ سارِيا على جلدِها بَضَّتْ مَدَارِجُهُ دَما
تَرى السَّوْذقَ الوَضاحَ مِنْها بمعْصَمٍ نبيلٍ ويأبى الحِجْلُ أَنْ يَتَقدَّما
منَ البيضِ مكسالٌ إذا ما تلبّسَتْ بعقل امْرِئِ لم يَنْجُ منها مُسْلّما
رَقُودُ الضحى لا تقْربُ الجيرَةَ القصي ولا الجيرَةَ الأدْنينَ إلا تَجَشما
بَهيرٌ تَرى نضْحَ العَبيرِ بجَيبِها كما ضَرَّجَ الضَّاري النزيفَ المُكلّما
[ ١٣٦ ]
ظعائِنُ جُمْلٍ قَدْ سلكْنَ شقيقَةً وأَيْمَنَّ عنها بعْدَ ما شمنَ مُرْدِما
عَرُوضًا تَدَلَّتْ مِنْ تِهامةَ أهدِيتْ لنَجدٍ فساحَ البرْقُ نجدًا وأتْهما
إذا احْتملَتْ مِن رَمْلِ يبرِين بالضحى فذاك احْتمالٌ خامَرَ القلْبَ أسْهُما
ولمَّا تَشارَقنَ الحُدوجَ هوى لها من الصَّيْفِ حَرٌّ يترك الوجْهِ أسْحَما
دُموج الظّباءِ العُفْر بالنفْس أشفَقَتْ من الشْمسِ لما كانتِ الشمسُ مِيسَما
ورُحْنَ وقدْ زَايلْنَ كلَّ ظِعينةٍ لهُنَّ وَباشَرْنَ السَّدِيلَ المُرَقّما
وليستْ من الّلاتِي يكونُ حدِيثُهما أمامَ بُيُوتِ الحيَّ أنّا وإنّما
أحادِيثُ لم يعْقبْنَ شيئًا وإنما فَرَتْ كذبًا بالأمْسِ قِيلًا مُرَجَّما
[ ١٣٧ ]
فما رَكِبَتْ حتى تَطاوَلَ يوْمُها وكانت لها الأيدي إلى الخدْبِ سُلّما
وما دخلَتْ في الخدْبِ حتى تَنقَّضَتْ تآسيرُ أعْلى قِدّهِ ونَحطما
فجرْ جَرَ لمّا صارَ في الخِدْرِ نِصْفُها ونِصْفٌ على داياتهِ ما تَجَزّما
وما رِمْنَها حتى لوتْ بزمامهِ بنَانًا كُهدّابِ الدّمَقْسِ ومِعْصَما
وما كادَ لمّا أنْ عَلَتْهُ يُقِلُّها بِنَهْذَتِهِ حَتى اكلأزَّ وأعْصَما
وحتى تداعت بالنقيضِ حبالُهُ وهَمَّتْ بَوَاني زَوْرِهِ أنْ نَحَطما
[ ١٣٨ ]
وأثَّرَ في صُمّ الصَّفا ثَفناتُهُ ورامَ بلمَّا أمرَهُ ثمَّ صَمَّما
فَسبَّحْنَ واسْتَهْلَلْنَ لمّا رأينَهُ بها رَبِذًا سَهْلَ الأراجيح مِرْجما
فلما سما اسْتدْبَرْنَهُ كيفَ شَدْوُهُ بها ناهِضَ الدَّاياتِ فعْمًا مُلَمْلَما
ولمَّا اسْتقلّتْ فَوْقَهُ لم تَجِدْ لها تكاليفَ إلا أنْ تَعيلَ وتَعْسَما
ولمَّا اسَّتقَلَّ الحيُّ في رَوْنَقِ الضُّحى قبصن الوصايا والحديثَ المُجَمْجَما
تَنبَّذْنَ منْ وعْثِ الكتائبِ بعدَما شَرَعْنَ بأيْدٍ أُدْمُها كلُّ أأدَما
[ ١٣٩ ]
تَنَازَعْنَ سَيْرًا يومَ ولَّتْ جمالُها تَسيبُ نزاعا لا يُغَالبُ أقدَما
فَوَرَّكنَ ماءً مُسْدِمًا بعدَ سبْعةٍ فأبْرَمْنَ إبرامًا على أن تَلوَّما
دَعَوْت بعَجْلى واعْترَاني صَبابةٌ وقد طلَعَ النَّجدين أحْداجُ مريما
فجاَء بشَوْشاةٍ مِزَاقٍ ترى لها نُدُوبًا منَ الاتْساع فذًا وتَوْأما
فكلَّفْتُهَا أنْ تَدْلجَ اللّيلَ كلهُ وكلَّفْتُ عَبْدِيَّ الرسيمَ فأرْسَما
فأمَّا الأُلىَ بسْكنَّ غَوْرَ تِهَامَةٍ فكلُّ فتاةٍ تتْرُكُ الحِجْلَ أفَصما
أراها غلاماها الخَلاَء وشذَّرَتْ مِراحًا ولم تقْرَأ جنينًا ولاَ دَما
فُلانَا بلاَلى خادعاها فألزَما زِمامَيْهما من حَلْقَةِ الصُّفْرِ ملْزَما
[ ١٤٠ ]
وأعْطتْ لِعرْفان الخُطامِ وأضمرَتْ مَكانَ خَفيّ الصّوْتِ وجدا مُجَمجما
وجاَءتْ تَبُذُّ القائدينَ ولم تَدَعْ نِعالَهُمَا إلا سَرِيحًا مُجذَّما
نظرْتُ وعَيني لا تُحِسُّ ظعائِنًا قعَدْنَ بهَضَباتِ المَهاةِ تَرَنُّما
جَرَى بَيننا آلٌ كأنَّ اضطرِابهُ جَدَاوِلُ ماءِ أُثْقِبَتْ لنْ تَجرَّما
لوامعُ تَجرِي بالظعائنِ دُونَها قِفَافٌ وأجْبالٌ فَغوْرُ يَبْسبَما
ولاحَ إكامٌ قدْ كساهُ هَجيرُهُ سَرابًا وقدْ اجتَبْنَ مِنهُ مُنَمْنما
تَخَالُ الحصى منْ بينِ مِنْسَرِ خُفّها رُضاضَ الحصى والبَهْرَفانَ المُقَصَّما
ومارَبها الضّبْعانِ مَوْرًا وكلّفَتْ بَعيرِي على مِيلِ الرسيمَ فأرْسَما
فلمَّا لَحقنا لم يَقُلْ ذو لُبَانَةٍ لهنَّ ولا ذو حاجةِ ما تيمّما
فكان لمَاحًا منْ خَصاصٍ ورَقْبَةٍ مخافة أعْداءٍ وطرْفًا مُقَسَّما
قليلًا وَرَفَّعْنَ المَطيَّ وشمَّرَتْ بنا العِيسُ يَنْشُرْنَ اللغامَ المُغَمَّما
[ ١٤١ ]
فقُلنا ألا عُوجى بنا أمّ طارِقٍ تَناج ونَجْوَاها شِفاءٌ لأهْيما
فعَاجَتْ علينا منْ خِدَبٍّ إذا سَرَى سَرى عن ذراعيهِ السّديلَ المنمنما
وما هاجَ هذا الشوق إلا حمامَةٌ دَعَتْ ساقَ حُرٍّ تَرْحَةً وتَرَنُّما
[ ١٤٢ ]
منَ الوُرَقِ حَمَّاءُ العِلاطين باكرتْ عَسِيبَ أشاءِ مَطلعَ الشمْسِ أسْحَما
إذا هزْهَزتْهُ الريحُ أو لَعَبَتْ بهِ أرَنّتْ عليهِ مائلًا ومُقَوِّما
تُبَارِى حمامَ الجَلهتَين وتَرْعَوِي إلى ابنِ ثلاثٍ بين عُودين أعجَما
فلما اكتَسى رِيشًا سُخامًا ولم يجدْ لهُ مَعها في باحةِ العُشِّ مَجْثما
أُتيحَ لهُ صَقْرٌ مُسِفٌّ فلم يَدْع لها ولدًا إلا رَميمًا وأعظُما
تَطوَّق طوْقًا لم يكنْ عن تميمَةٍ ولا ضَرْبِ صَوَّغٍ بكفّيْهِ دِرْهما
[ ١٤٣ ]
فأوفَتْ على غُصْنٍ ضحَيًا فلم تَدَعْ لباكيةٍ في شَجْوِها مُتلّوَما
مُطوَّفةٌ خُطباءُ تَصدَحُ كلما دَنا الصَّيْفُ وابحالَ الربيعُ فأنْجما
تُبَكى على فَرْخٍ لها ثمَّ تَغْتَدِي مُولهةً تَبْغي لهُ الدَّهْرَ مَطعما
تؤَملُ منهُ مُؤِنسًا لانفرادِها وتبكي عليهِ إن زَقا أو تَرَنَّمَا
فهاجَ حَمامَ الجَلْهتينِ نُواحُها كما هَيَّجَتْ ثكلى على الموْتِ مأتما
ونازعْنَ خِيطانَ الأراكِ فراجعتْ لِهانِفها منهنَّ لَدْنًا مُقوَّما
فماجَتْ بهِ غُرَّ الثنايا كأنّما جَلَتْ بنَظيرِ الخُوطِ دُرًّا منَظما
إذا شِئتُ غَنَتْني بأجْزاع بَيْشَةٍ أو النَّخْلِ مِنْ تَثليثِ أو منَ يَلَملَما
عَجبْتُ لها أنى يكونُ غِناؤها فصِيحًا ولم تغَفَرْ بمنْطِقِها فما
ولم أرَ محزونًا لهُ مِثلُ صَوْتِهَا أحَرَّ وأنْكى للِفُؤَادِ وأكلَما
[ ١٤٤ ]
ولم أرَ مِثلي شاقَهُ صَوْتُ مِثِلها ولا عَرَبيًا شاقُه صَوْتُ أعجما
كمثلى عرَاتِيه ولكنَّ صَوْتَهَا لهُ عَوْلَةٌ لَوْ يُفْهِمُ العوْد أزْرَما
خَليليّ هُبَّا عَلَّلاني وانْظرا إلى البَرْقِ إذ يفْرِى سَنًا وتَبَسُّما
عَهِدْتُكَ ما تَصْبُو وفيكَ شَبيبَةٌ فمالكَ بَعدَ الشيْبِ صبًّا مُتَيمَّا
عَرُوضًا تدَلّتْ منْ تِهامةَ أهْدِيَّتْ لِنَجدٍ فَساحَ البَرْقُ نَجدًا وَأَتْهَمَا
كانَّ رِياحًا أطْلَعتْهُ مَريضَةً من الغَوْرِ يَسْعرْنَ الأباَء المُضرَّما
كنفضِ عِتاق الخيلِ حِينَ تَوَجَّهت إليْهنَّ أبصارٌ وأيقظنَ نُوّما
خَليليّ إني مُشْتَكٍ ما أصابَني لِتَسْتيْقِنا ما قدْ لقيتُ وتَعلَما
أمَلّيكما أنّ الأمانةَ مَنْ يَخُنْ بها يحتَملْ يوما منَ اللهِ مأثما
[ ١٤٥ ]
فلا تُفْشِيا سِرّى ولا تَخذُلا أخًا أبَثّكما مِنهُ الحدِيثَ المُكتّما
لِتتّخِذا لِيباركَ اللهُ فِيكُما إلى آل ليلى العامِرِيةِ سُلّما
وقُولا إذا جاوَزْتُمَا آل عامِرِ وجاوَزْتُما الحَيَّيْنِ نَهْدًا وَخَثْعَما
تُذِيعانَ عَنْ جُرْمِ بنِ زَبَّانَ أنَّهم أبَوْا أنْ يُميرُوا في الهزَاهِزِ مِحْجَما
وسيرا على نِضْوَيْنِ مُكتَفِليْهِما ولا تَحْمِلا إلا زِنادًا وأسْهُما
وزادًا غَرِيضًا خَفّفاهُ عَلَيكما ولا تُفْشيا سِرًّا ولا تحمِلا دَما
وإنْ كان ليلًا فالوِيا نَسَبَيكما وإنْ خِفْتُما أنْ تُعْرَفا فتلثَّما
وقُولا خَرَجنا تاجِرَينِ وأبْطَأتْ رِكابٌ تركناها بتَثليثَ قيَّما
ولوْ قدْ أتانا بزُّنا ورَقيقنا تموَّلَ منكم منْ أتيناهُ مُعْدِما
فما مِنكما إلا رأيْناهُ دانيًا إلينا بحمدِ اللهِ في العَين مسْلما
ومدًا لهم في السَّوْمِ حَتى تمكنا ولا تَستَلِحا صَفْقَ بيع فَتلزما
فإنْ أنتُما اطمأنَنْتما وأمِنتُما وأجْلبْتُما ما شِئتما فتكلَّما
وقُولا لها ما تٌأمُرينَ بصاحبٍ لنا قدْ تركتِ القلْبَ مِنْهُ مُتيما
أبيني لنا إنا أرَحنا مَطِيَّنا إليكِ وما نَرْجُوهُ إلا تَلوُّما
[ ١٤٦ ]
فجاَءا وَلمّا يَفْضِيا لي حاجةً إلى ولمَّا يُبْرِما الأمرَ مَبْرَما
فما لهما مِنْ مُرْسَلَينِ لحاجةٍ أسافا مِنَ المالِ التلادِ وأعْدَما
ألم تَعلمَا أني مصابٌ فتذْكُرا بَلائي إذا ما جُرْفُ قَوْمٍ تَهدَّما
ألا هلْ صدَى أمّ الوَلِيدِ مُكّلمٌ صَدَاي إذا ما كنتُ رَمْسًا وأعظما
وقال امحمد ابن الطلب أيضا: وهي لا تقصر عن قصيدة الأعشى، التي عدَّها محمد بن الخطاب في المعلقات. وهذه القصيدة تعرف بالنفاضة، سماها ناظمها بذلك، والمراد بها، نفاضة التمر، وهي ما استوى على النخلة، فنفض.
صاحِ قِفْ واسْتَلِحْ على صحْنِ جالِ سَبِخةِ النّيشِ هَلْ ترى من جمالِ
قِفْ تأمَّلْ فأنْتَ أبْصَرُ مِني هَلْ ترى من حُدوج سُعْدَى التَّوالي
[ ١٤٧ ]
هَلْ ترى مِنْ جمائلٍ باكِراتٍ منْ لِوَى الموْج عامِداتِ الزّفالِ
سالِكاتٍ مِنْ نَقْبِ زَلْيٍ عليْها كلُّ جَيْدانةٍ خَلُوبِ الدّلالِ
كلُّ رَخْوِ المِلاطِ يَهْوى بعَيْنا َء رَدَاحٍ مِنْ الهِجَانِ الخِدَالِ
فَتَسَرَّعْ لعَلَّنَا نَتلاقى الظ عْنَ قبلَ اعْتسافِ وعْثِ الرمالِ
قال ما في سَوالفٍ الظُّعْنِ سُعْدى وتَصَابى الكبيرِ عَيْنُ الضلالِ
قُلْتُ إنَّ الظعائنَ اليوْمَ هاجتْ شَجًا بالمَشِيبِ ليْسَ يُبالي
إنْ يكن ما تقُولُ حَقًا فمحْتُو مٌ علينا انتظارُ أخرَى الجمالِ
فاحبْسِ العنْسَ وانظرْها وإلا فلْتَدَعْني وسِرْ مُضِيعَ الخلالِ
إنَّ لي في الحُدُوج لو كنت تدري شَجنًا لا يريمُ أُخرى الليالي
إنَّ سُعْدَاي في الحدُوج وسُعْدَى هِيَ دَائي وهي بُرْءٌ اعتلالي
دُميْةٌ من دُمَى المحارِيبِ تسقى صِرْفَ صافي المدام شوكَ السَّيال
فهو كالأقْحُوانِ بَيَّتَهُ الطَّ ل فأضحى وجَفَّ منهُ الأعالي
أُشْعِرَتْ نَضْرَةً كأنّ عليها بُرْدَةَ الشمسِ فَوْقَ نَضْرٍ زُلالِ
يا لقَوْمي تقَتَّلَتْ ليَ حَتى قتلتني ولم تُبالِ خَبالِ
في حُمولٍ غَدَوْنَ مُنْتَجِعَاتٍ ساحةَ الكربِ بعْدَ رَعي الرمالِ
[ ١٤٨ ]
ظُعنٌ مِنْ ظِباءِ أبناءِ مُوسى وظباءِ الأعمامِ والأخْوالِ
ليّناتٌ مَعَاطِفًا خَفِراتٌ كَمَهى الرَّمْل باهراتُ الجمالِ
طَيباتٌ مآزِرًا حَظِياتٌ يا لها مِنْ حُمُولِ حَيٍّ حِلال
حَيِّ يعْقُوبَ إنهُمْ خيرُ حَيٍّ إذ تَساما الكرامُ عِندَ النّضالِ
مَنْ يَرُمْهُمْ يَجدْهُمُ حَيّ صِدْقٍ أيّ حَيّ عَرَنْدَس ذِي طَلالِ
مَنْ جَداهُمْ على الحوادِثِ يعرَفْ كيفَ تَعفو الكرامُ عِنْدَ التّبالي
مَنْ دَعَاهُم لكشفِ ضرَّاَء يغَرِفْ عِندَ عَضّ الزمانِ أربْى السِّجالي
فهُمُ كالجيادِ تَعفو إذا ما نَفَقَ الرَّاكضاتُ عِندَ الكلالِ
[ ١٤٩ ]
يا ليعْقُوبَ شَمّرُوا للمَعَالي واسْتَعِدُّوا لما تجيءُ الليالي
وأعدُّوا لكلّ خَطْبٍ جَليلٍ عُدَّهُ منْ عزازةٍ ونَوَال
وتواصوْا بالحقّ والصبرِ وابْغوا في العَفافِ الغِنى على كل حالِ
وأْمُرُوا بالمعرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُن كرِ واسموا للمَكرُماتِ العوالي
والهُويَنْا دَعوا وللمَجْدِ فاسموا وصِعابُ العُلى يصَعْبِ الفعالِ
والزَمُوا الحِلمَ والأناةَ وخلُّوا نَزَغَاتِ الشيطانِ شِرَّ الخلالِ
وانقوا الشُّحَّ والصراعةَ والفكَّ ةَ والهَاعَ شِيمةَ الأنذالِ
هاجَ قَرْحَ الغرامِ بعدَ اندِمالِ ظَعْنُ ظُعْنِ الخليطِ يَوْمَ إنالِ
يَوْمَ ولّتْ كأنها حينَ جدَّتْ باسِقاتُ النَّخيلِ منْ كانَوَالِ
مائِراتٍ مُعْرَوْرِفاتٍ عَلَى ظه ر مَرَوْرَي القُليْب ذِي الطيْرَ الالِ
[ ١٥٠ ]
جاعلاتٍ عنِ اليمينِ تَمْزِكّيْ نَ ضُحَيًا وتِشلَ ذاتَ الشّمالِ
رُحْنَ من مَنْحِ التُّؤَامَ رَواحًا تَتبارَى بهنَّ أُدْمُ الجمالِ
أشْقَرِيَّاتُ عُنْصُر مُور الاعْ ضادِ ما في أرُوُمِها منْ ثَفالِ
فاسْتمرَّتْ مُعْصَوْصِباتٍ فأمسَتْ بالثنايا منَ الضُّلوعِ الطِّوالِ
ناحرَاتٍ هَضْبَ القِلاتِ فَدِرَّا مانَ ترْعى منْ تيرِسٍ بالمِطالِ
فانتَحَت منْ رُبى ذِي الأوْتادِ نجْدَي لَ لِمَرْعى قِصَارِها والطِّوالِ
ظُعُنٌ لسْنَ يَنْثِنينِ إذا ما وَزَعَ الظعْنَ حادِثُ الأوجالِ
فسقى اللهُ حيْثُ أَمَتْ بها العِي سُ سِجَالَ الغَمَامِ بعدَ سِجالِ
[ ١٥١ ]
لو تراها عَلمْتَ أنْ ليْسَ في أنْ يتَصبَّبْنَ ذا النُّهى منْ مَقالِ
فَلِمَنْ صَبَّ منْ كبيرٍ بها العُذْ رُ فما للعذُول فيها وما لي
قدْ أراني والبِيضُ غيرُ قَوَالِ لِخلالي ولا مَلِلْنَ وصالي
فأراهنَّ بعدَ ما كان عني صُدَّدًا أنْ رأَيْنَ شَيبَ قذالي
إنْ تَرَينْي أمَيْمُ أصبحتُ نِضوًا شاحِبًا في بذاذةٍ واخْتلالِ
فلقدْ كنتُ للأوانِسِ فَرْعًا عَنْ يميني يرعْنَ لي وشمالي
ولقدْ كنتُ في الخطوبِ المُفَدَّى حين إذ تُستَطارُ خُورُ الرجالِ
ولقدْ كنْتُ في المجامع ثَبْتًا حين تُزْهى الحُلُومُ بالأجْهالِ
ولَهِيفٍ نَفَّسْتُ عنهُ فأمْسى جَذِلا عندَ بكئِ عَطْفِ المَوالي
وصِحابٍ مثلِ المصابيح في الدُّجْ يةِ نازَعْتُهُمْ سُهَادَ الليالِ
بنَشيدٍ ومِزْهَرٍ وعَوِيصٍ منْ عُلُومِ الهُدى عَزِيزِ المَنالِ
فِتيةٌ فتيةٌ بَهالِيلُ شُمٌّ هَمُّمُمْ في ارْتقاءِ شُمِّ المعالي
من خليل ومنْ كريمٍ نجيبٍ رزؤهُ مؤيِدٌ وعمٍّ وخالِ
ثمَّ فارقْتُهُمْ وقدْ فارقُوني غَيْرَ قالينَ لي ولا أنا قال
فارَقُوني كَرْهًا وكدْتُ عليهْمْ يَوْمَ بانوا أمُجُّ غُبْرَ القتالِ
غَيْرَ أني على الحوادِثِ جَلْدٌ لا أبالي من الخطوبِ التَّوالي
[ ١٥٢ ]
كلما هِجْنَني أصُولُ عليها باعْتمِادي على القَوِي واتَّكالي
حسبيَ اللهُ إنّ باللهِ مَسْعا يَ وحوْلي وقوّتي وصَيالي
وحوالي لما أرُومُ وقه ري لعدُوِّي ونُصرَتي واحتمالي
وفتوٍّ شُمِّ العرانين قبَّلْ تهم هَبّةَ السَّمُومِ عِجال
بتّ أسقيهمُ بمَطو سُرَى اللَّيْ ل كؤوسَ الكرَى بأجْرَدَ جالِ
بمرادٍ لكلّ هَوْجاَء مرَّتْ ليْسَ فيهِ لغَيْرَها منْ مَجَلِ
مُذْكرٌ ما بهِ لإِنسٍ حسيسٌ بَينَ تِيهٍ نفانِفٍ أغفالِ
مَجْهلٌ خاشعُ الدّليلِ إذا ما قيلَ قدّمْ وضُنَّ بالأوْشالِ
أُنْسُ مُجتابِه الكئيبِ نئيمُ ال بوم مثلَ الحَرِيبِ رَبَّ العِيالِ
فَسَروا مل سَرَوا فلما تقضي اللي لُ أو كادَ عَرَّسُوا في نِعَالِ
فكأنّ الكَرى سَقاهمْ عُقارَا شَمولٍ تَدِبُّ في الأوصالِ
فله فيهمُ دبيبٌ كما دَبَّ ت سنا النارِ في سَليطِ الذُّبال
حَوْلَ خُوصٍ رَمى بها الأرضَ حت ى لا تَشكي الدُّؤبَ بعدَ الكلال
بِتُّ أكلاهُمْ وأسعى عليهمْ بِشّواءِ مُضَهَّبٍ غير آلِ
ثمَّ نبَّهتُهُمْ فلأيًا أفاقوا منْ لُغُوبٍ قدْ مَسّهُمْ واعتمال
[ ١٥٣ ]
وتَراني كذاكَ إنْ كلَّ صَحبي في اعتمالٍ لهمْ بغيرِ اعْتلالِ
ثمَّ ثاروا ما بينَ مُلْتاثِ ثَوْبَيْ هِ وجاثٍ ومائلِ في اعْتدالِ
فاسْتَقلوا قدْ صَبَّحَ القَوْمَ يومٌ أعْوَرُ الشَّمْسِ ما بهِ منْ خِلالِ
فثَارَوا أُيْنَ النَّجاءُ إلى أيْ نَ ولَجَّتْ قلوبُهُمْ في اجْئلالِ
قُلْتُ لا تَجْزَعوا فإني زَعيمٌ بوُرُودِ الرِّوي المَعِينِ الزُّلالِ
ثمَّ شدُّوا على المَعارِفِ منْ لفْ حِ السَّمومِ البُرُودَ بالأذيالِ
فتَمطّتْ بهمْ حراجيجُ عُتْقٌ حُنُفٌ مِثلُ أَمَّهاتِ الرِّئال
وهدَتْ بيَ الرَّكابَ عَنْسٌ زَفُوفٌ سَهوَةُ المَشي لافِحٌ عَنْ حَيالِ
عَنْتَرِيسٌ مَهْيى الزمامِ سَلوُفٌ ناجلاها من الهِجانِ الغَوالِ
فكأني على هِجَفٍّ مُزِفٍّ نافرًا جدَّ رائحًا في انجفالِ
ثمَّ أوْرَدتُهُمْ سُحيْرًا قَليبًا مَطْلَبًا مُعْيِبًا على الدُّلاّل
فارْتَوَوا ما ابتَغوْا فمنْ كانَ منْ هُمْ كاسِفَ البالِ عادَ ناعمَ بالِ
فتماروْا بعْدَ الحِذا فمُرِنٌ يتَغنًّى وشامعٌ في اختيالِ
[ ١٥٤ ]
ومُكِبٌّ على سَرِيحِ قَلُوصٍ ومُداوٍ لظَلْعها منْ خُمالِ
أوْ نُدُوبٍ دَمَيْنَ من عَضّ رَحلٍ عُقّرٍ بالسنامِ أو بالمَحالِ
فقَفَلْنا وكلُّهمْ أنا رَأفٌ بِشمالي لما بهِ منْ خِلالِ
وأرَى الدَّهرَ ليسَ يبقى على حا ل فلا تَجْزعَنَّ منْ سوءِ حال
لا ولا تفرحَنَّ إنْ كنْتَ يوْمًا في سُروُرٍ ونِعمةٍ واحْتفال
كم حَظِيظٍ بالمْسِ كان مُقِلًا وَمُقِلٍ منْ بعْدِ ثَرْوةِ مال
وقال أعشى بكر بن وائل، وهو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف ابن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ذكرناها لمشابهة ما قبلها لها:
ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي وما ترد سؤالي
دمنه قَفْرة تعاورها الصي ف بريحين من صبا وشمال
لا تأنى ذكرى جبيرة أم من جاء منها بطائف الأهوال
حَلّ أهلي وسط الغميس فبادو لي وحلّتْ علوية بالسِخال
ترتعي السفح فالكثيب فذا قا ر فروضَ الغضى فذَات الرئال
[ ١٥٥ ]
ربَّ خَرْق من دونها يُخْرِسُ السّفْ ر ومِيلٍ يفُضْي إلى أميال
وسقاء يوكى على تَأقِ المل ء وسير ومستقى أوشال
وادّلاج بعد الهدوّ وتهج ير وقف وسبسب ورمال
وقليب أجْن كأنَّ من الري ش بأرجائه سقوط النصال
فلئن شَطّ بي المزار لقد أض حى قليل الهموم ناعمَ بال
إذ هي الهمّ والحديث وإذ تع صى إلى الأمير ذا الأقْوال
ظبية من ظباء وَجْرَةَ أدما َء تسف الكباث تحت الهَدَالِ
حرَّة طفلة الأنامل ترت بُّ سُخامًا تكُفُّه بخلال
وكأنَّ السموط عاكفة السل ك بعطفي وشاح أمّ غزال
وكأن الخمر العتيق من الاس فنط ممزوجة بماءٍ زلال
باكرتها الأغراب سِنَة النؤَّ مِ فتجرى خلالَ شوك السَّيال
فاذهبي ما إليك أدركني الحِل مُ عداني عن هيجكم أشغالي
[ ١٥٦ ]
وعسير أدماء حادرة الع ينِ خَنوف عَيرانةٍ شملال
من سراة الهِجان صَلبها العُ ض ورَعْى الحمى وطول الحيال
لم تعطف على حُوار ولم يقط عْ عُبيد عروقها من خُمال
قد تعللتها على نَكَظ المي ط وقد خبّ لامعاتُ الآل
فوق ديمومة تخيل للسَّفْ رِ قِفارًا إلا من الآجال
وإذا ما الظلال خيفت وكان الش ربِ خمسًا يرجونه عن ليال
واستحث المغيّرون من الركْ بِ وكان النطاف ما في العزالي
مَرِحتْ حرّة كقنطرة الرو ميّ تَفْرى الهجيرَ بالأرقال
تقطع الأمعز المكوْكِب وَخْدًا بنواجٍ سريعةِ الإيغال
[ ١٥٧ ]
عَنْترِيسٌ تعدو وإذا حرَّك السو ط كعدو المُصَلْصِلِ الجَوّال
لاحه الصيف والطراد وإشفا ق على صَعْدة كقوس الضال
مُلْمِعٌ واله الفؤاد إلى جح شٍ فلاه عنها فبئس الفالي
ذو أذاة على الخليط خبيث النف سِ يرمى عدوّه بالنسال
غادر الوحش في الغبار وعادا ها حثيثًا لِصُوَّة الأدحال
ذاك شبهت ناقتي عن يمين الرَّع ن بعد الكَلال والأعمال
وتراها تشكو إلى وقدْ صا رت طَليحًا تحذِى صدور النعال
نقَبَ الخفّ للسُّرَى فترى الأنس اع من حَلِّ ساعة وارتحال
أثرت في جآجئٍ كاران ال مَيْت عولين فوق عُوجٍ رِسال
لا تَشكَّيْ إليَّ منْ ألمِ النس ع ولا من حفيّ ولا من كلال
[ ١٥٨ ]
لا تشكَّىْ إليّ وانتجعي الأس ود أهل الندى وأهل الفعال
فرع نبع يهتز في غُصُن المج د غزير الندى شديد المحال
عنده البر والتقى وأسَى الش ق وحملٌ للمعضِلات الثقال
وصِلاتُ الأرحام قد علمَ النا س وفك الأسرى من الأغلال
وهوان النفس الكريمة للذك ر إذا ما التقت صدور العوالي
أنت خيرٌ من ألف ألف من القوْ م إذا ما كبت وجوه الرجال
ووفاءٌ إذا أجَرت فما غُ رَّت حبال وصلتَها بحبال
وعطاء إذا سئلْت إذا العِذْ رة كانت عطية البُخَّال
أرْيَحيٌّ صَلْت تظل لهُ القوْ م رُكودًا قيامَهم للهلال
إن يعاقب يكن غراما وإن يع ط جزيلا فإنه لا يبالي
يَهَبُ الجِلَّة الجَراجر كالبس تان تحنو لدَرْدَقِ أطفال
والبغايا يركضن أكسية الإضْ رِيج والشّرْعَبيَّ ذي الأذيال
[ ١٥٩ ]
والمكاكيك والصحاف من الفض ة والضامزَات تحت الرحال
وجيادًا كأنها قُضُب الشّوْ حَط يحملن بزّة الأبطال
ودروعًا من نسج داود في الحر ب وُسُوقا يحملن فوق الجمال
مُشْعَرات مع الرماد من الكُرّة دون الندى ودون الطِّلال
لم ينشّرْن للصديق ولكن لقتال العدوّ يوم القتال
كلّ يوم يسوق خيلا إلى خي لِ دِرا كما غداة غِبّ الصيال
لامرئٍ يجمع الأداة لريب ال دّهر لا مُسْنِدٍ ولا زُمَّال
هودانَ الرِّبابَ إذ كرهوا الدّي ن دراكا بغزوة واحتيال
فَخْمة يرجع المُضافُ إليها ورعال موصولة برعال
تخرج الشيخ عن بنيه وتُلْوِى يسَوام المِعزابة المِحلال
ثم دانت بعدُ الرِّباب وكانت كعذابٍ عقوبة الأقوال
[ ١٦٠ ]
عن يمين وطول حبس وتجمي ع شتات ورحلة واحتمال
من نواصي دُودان إذ حضر البأ س وذُبيان والهِجانِ العوالي
ثم واصلتَ غَزوة بربيع حين صرَّفت حالة عن حال
رُبّ رِفدٍ هرقنهُ ذلك اليو م وأسرى من معشر ضُلاّل
وشيوخِ حَرْبى بشطيْ أرِيك ونساءِ كأنهنّ العالي
وشريكَين في كثير من الما لِ وكانا مُحَالِفَيْ إقلال
قسَما الطارِف التليد من الغن م فآبا كلاهما ذو مال
رُبّ حَيّ سقَيتَهمْ جُرَعَ الموْ ت وحيّ سقيتَهمْ بسجالي
ولقد شُنَّتِ الحروب فما غُمّ رت فيها إذ قلّصتْ عن حيال
هؤلا ثم هؤلائك أعكيْ ت نعالا محفوّةً بمثال
وأرى من عصاك أصبح محرو بًا وكعبُ الذي يعطيك عالي
وبمثل الذي جمعت من العُ دّة تنفى حكومة الجهَّال
جندك الطارف التليد من الغا رات أهل الهبات والآكال
غير مِيل ولا عَواوير في الهيْ جا ولا عزَّل ولا أكفال
للعدا عندك البوارُ ومن را ليتَ لم يُعْرَ عَقْدُهُ باغتيال
[ ١٦١ ]
لنْ يزالوا كذالكم ثم لا زِل تَ لهم خالدًا خلود الجبال
فلئن لاح في المفارِق شيبٌ يال بكر وأنكرتني الفوالي
فلقد كنتُ في الشباب أباري حين أعدو مع الطِماح ظِلالي
أُبْغِضُ الخائن الكذوب وأدْنى وصل حبلِ العَمَيْثَلِ الوَصَّال
ولقد استبى الفتاة فتعصى كلّ واش يُريد صَرْم حبالى
لم تكن قبل ذاك تلهو بغيري لا ولا لهوها حديث الرجال
ثم أذهلتُ عقلها ربما يُذ هل عقل الفتاة شبْهُ الهلال
ولقد أغتدى إذا صَقَع الدي ك بمهرٍ مُشَذَّب جوَّال
أعوجيّ تَنْميه عُوذٌ صَفايا ومع العوذ قلّة الإغفال
مُدْمج سابغ الضلوع طويل الشخ ص عَبْل الشّوَى مَمرّ الأعالي
وقيامي عليهِ غير مضيع قائما بالغدوِّ والآصال
فجلا الصَّوْن والمَضامير عن سِي دٍ جرى بين صَفْصَفٍ وَرِمال
يملأ العينَ عادِيًا وَمَقُودًا ومُعرّى وصافنًا في الجِلال
فعَدَوْنا بهرِنا إذ غدوْنا قارنيهِ ببازِلٍ ذيَّال
[ ١٦٢ ]
مستخفًا على القِيادِ دفيفًا ثم حسنًا فصار كالتمثال
فإذا نحن بالوحوش تُراعى صوبَ غيثٍ مُجَلْجِل هَطَّال
فحملنا غلامَنا ثمّ قلنا هاجر الصوت غير أمر احتيال
فجرى بالغلام شبه حريق في يبيس تذروه ريح الشمال
بين عَير ومُلمِع ونَحُوصٍ ونَعام يرِدْن حوْلَ الرِّئال
لم يكن غير لمحة الطرف حتى كبّ تسعًا يَعْتامُها كالمُغالى
وظليميْن ثم أيّهت بالمه ر أنادي فداك عمى وخالي
وظللنا ما بين شاو وذي قد رٍ وساقٍ ومُسْمع محفال
في شباب يُسقون من ماء كَرْم عاقدين البرود فوق العوالي
ذاك عيش شهدته ثم ولى كلّ عيش مصيره للزوال
هذا آخر لامية الأعشى، بشرح محمد بن خطاب القرشي، من غير زيادة ولا نقص، كما في نسخة الجمهرة المطبوعة بالمطبعة الأميرية.
وقال امحمد بن الطلب اليعقوبي أيضا:
بُعْدَ ما بينَ منْ بذات الرّماح ومُقيمٍ من اللّوى بالنَّواحِ
طالَ ليْلي بساحةِ الكربِ حَتى كِدْتُ أقْضي الحياةَ قبلَ الصباح
إنْ أبِتْ ساهرًا أُقاتِلُ هَمًّا قاتلًا ما لِبَرْحِهِ منْ بَراح
[ ١٦٣ ]
لِبما بتُّ خالِيَ البالِ خالٍ بأناةٍ من المِلاح رَداحِ
يا خليليَّ هَجّرا للرّوَاح وَارْحَلا كلَّ بازلٍ مِلْوَاح
يا خليليَّ ما شفى النفْسَ شافٍ كاعْتمالِ الجُلالةِ السّرْداح
قَدْ تخيّرْتُ لاهتماميَ منها جَسرةً طالَ عهدُها باللّقاح
رَبَعتْ في مجادِلِ الكرْبِ ترْعى جَلَهاتٍ بهنّ حُوُّ البِطاح
يَبْدُرُ الطرْفَ بغيها كلّما لا حَ لها لائحٌ منَ الأشباح
فكأني إذا الهواجرُ شَبَّتْ كلَّ حَزْنٍ على شَبوبٍ لياح
مُفْرَدٍ باللّوَى يرُودُ دِماثًا لم يَرِدْهُنّ غيْرُ هُوج الرّياح
زَعِلٍ باتَ طاويًا بكناسٍ بلّلَتْهُ الذِّهابُ هارِي النّواح
فاسْتَفَزّتْهُ مَطْلعَ الشمسِ غُضْفٌ أُرْسِلَتْ مِنْ يدِي قَنيصٍ شِحاح
[ ١٦٤ ]
فَتَجَهَّدْنَ إِثرَهُ طالباتٍ وَاسْتمرَّتْ بهِ جنُونُ المِراح
فاخْتَشى مِنْ لحاقِها ثمَّ أنْ حى نحوَها كَرَّ ذائِدٍ مِلْحاح
فَكلاَ بعَضَها وبعضًا رآهُ وانبرى في القِفارِ كالمصباح
فعسى تلك وادِّلاجُ الليالي وَدُؤبُ الإِمْساءِ والإِصْبَاح
تُبْلِغنّي دِيارَ أمّ أُبيٍّ وَلَحْسبي بلوغُها منْ نجاح
وقال أيضا:
حَيّ الدُّوَيْرَةَ قَدْ عَفا طَللاها عُصُفُ الرّياحِ شَمالُها وصَباها
ماذا عَناك منَ ارْسُمٍ بتَنوفةٍ دَرَستْ مَعالِمُها وَصَمَّ صَداها
أمْ ما لِعَيْنِكَ لا تقَرُّ فَعَبْرَةٌ مِنها تمرُّ وعبْرةٌ تَغْشاها
أمْ صابها وشْكُ الفِراقِ بعائرٍ فبكتْ وحُقَّ لها الغَداةَ بُكاها
أمْ لا تزالُ لذِكرِ مَيَّةَ سادِرًا تَبكى المَنازِلَ ضَلةً وسَفاها
ما راعني إلا الحُمُولُ طوالِعًا حَدَبَ الأجَمِّ غُدَيّةً أولاها
[ ١٦٥ ]
كيفَ التجَلُّدُ لا تَجلُّدَ بعدَما شَطّتْ بأمِّ المُؤمنينَ نَوَاها
عُوجى قَليلًا رَيْثما أشكو الذي قَدْ شَفَّ نفْسي مِنكُم وبرَاها
ما كان ضَرَّكِ لَوْ رَدَدْتِ تَحيةً فيها لنِفسي لَوْ رَدَدْتِ شِفاها
نفْسٌ تَخوَّفَها الفِراقُ تَخَوُّفًا فالبَيْنُ أَخْوَفُ ما أخافُ عَلاها
واهًا لما أبْدَى لنا يومَ النّوَى مِنها الوَداعُ وقلَّ مِنَّ واها
فكأنّ عَيْنيْ مُطْفِلٍ بخميلةٍ بَينَ الصرائم خاذِلًا عَيْناها
وكأنَّ كشحيْها إذا لفَّتْ بها رِيحُ الشّتاء مُرُوطَها كشْحاها
وكأن جيد جداية أو دُمْية في بِيعةٍ حاطا بهِ عِقداها
وكأنّ أنْبُوبًا رِواءً غِيلُهُ عِيجَتْ عَليهِ حِجالُها وَبُراها
وكأنّ ناجُودًا بمغرُوضِ الصَّفا في حُرِّ أبْطحَ قدْ تَضَمَّنَ فاها
قِفْ واسْتَلحْ واقْصِدْ بعَيْنِكَ نظرةً قَصْدَ الظعائنِ هلْ ترى أُخراها
[ ١٦٦ ]
هَيْهاتَ هَيْهاتَ الظعائنُ قدْ أتى فِنْدُ القُوَيْدِسِ دُونَ مَنْ تهواها
يا ليتَ شِعْرِي والفِراقُ مُوكَّلٌ بالعاشقينَ مَتى يكونُ لِقاها
وقال أيضا:
ألا مَنْ لِبْرقٍ مُسْحِرٍ متبلّج أجُوجٍ كتَسْعارِ الحرِيق المؤجَّج
سَرى في حَليٍّ مُشْمخِرّ كأنّ في جَنابَيْهِ عُوذًا وُلَّهًا مُتدَجْدِج
قعَدْتُ لهُ بعدَ الهدُوِّ أشِيمُهُ ومنْ بَشِمِ البْرْقَ اليمانيَّ يَهْتَج
ألا أَيُّهَا البَرْقُ اليمانيُّ عَرِّج وخَيّمْ على أطلالِ جَفْرِ الهُوَيْدِج
وَرُمَّ منَ الأطلالِ ما قدْ عَثَتْ به من العاصفاتِ كلُّ هَوْجاَء سيهْج
وعَلّلْ لَدى مَغْنى الأحَيْمِرِ مَنْهجًا لَنَا نَعْتَرِيهِ حِينَ نذهبُ أو نجى
أَلا لَيت شِعْرِي هلْ تَغَيَّرَ بعدنا ومنْ يَعْتَلِقْ مَرَّ الحوادِثِ يَنْهَج
وهلْ يُرْجِعَنْ مَغنى الأحَيْمرِ جابةً لِمُسْتَهْترٍ حَرَّانَ ذي لوْعةٍ شج
[ ١٦٧ ]
وَقَفْتُ بها منْ بعدِ عامٍ فهاجني لوَائحُ منها كالزبور المُثَبَّج
أسائلُها عنْ جُمْلِها أَينَ يمّمتْ فَظَلْتُ بها مِثلَ النزِيف المُزَرَّج
فرَدّتْ جوابًا بعدَ لأيٍ مُلَجلَجًا ولَوْ عَلمتْ منْ سألها لم تلَجلَج
وما أَنْسَ لا أنْسى عَشيَّةَ إذ رَنَتْ إِليّ بمطروفِ اللَّوَاحِظِ أَدْعَج
عَشيَّةَ أَصْمتْني ولم تَدْرِ بغتةً فرُحْتُ وما أدْرِي الذهابَ من المجي
بعَينيْ مَهاةٍ مُخرِفٍ بخميلةٍ أو أدْماَء مِنْ وَحشِ العُشيْرةِ عَوهَج
رَمَتْني بَوضّاحٍ ظِماءٍ عُموُرُهُ بَرُودِ الثنايا ذي غُرُوبٍ مُفلّج
وكشحٍ لطيفٍ كالجدائلِ طيُّهُ كلمْسِ الدّمقْسِ ذاتُ خَلْقٍ مُعْذْلَج
وَنُشجى رَحِيباتٍ الدماليج والبُرَى بما شئتَ منْ غَيْلٍ رِواءٍ مُدَملج
[ ١٦٨ ]
وقال أيضا:
لِمَنِ الدّيَارُ عَفَوْنَ بالنّمْجاطِ فالمَلْزَمَين كمُنهِج الأنماطِ
فرُبا انْدَوشْتِ فذِي الحُدَيج فذي ذوى مائةٍ سقاها واكفُ الأشرَاطِ
فسقى منازلنا على البئر التي مِنْ عنْ شمائلِ رِيعَتَيْ شِنْطاطِ
دِمَنٌ قَضْيتُ من الصّبَا في عَهْدِهَا ما كان منْ يَوْمِ الغديرِ قَطاطِ
فانهلَّ دَمعي أنْ عَرفْتُ رُبوعَها كالدُّرّ منْتَثرًا من الأخياطِ
فاليَوْمَ إذ وَسَمَ المَشيبُ شَبيبتي منْ وسمهِ المَشْنوءِ شَرَّ عِلاطِ
فَسرى يُخَبِّط لِمتَّي لمَّا سَرَى يُرْدَ الصّبا عني بغير خياط
وَرَمى بأَسْهُمِهِ الصّوائبِ شِرَّتي ومنَ السّهامِ صَوائبٌ وخَوَاطِ
أَصْبَحْتُ ودّعْتُ الصّبا لا عنْ قِلّي والدّهرُ بالعِلْقِ المُفَجّع ساطِ
[ ١٦٩ ]
ودّعْتُهُ يا حَرِّ إلا إنه يرتاحُ للأظعانِ نِضْو نَشاطِي
أَهَفُو لَهُنَّ إذا رأيتُ حُدُوجُها عُولَين بالتّمْاطِ والتَّنْواط
ولقدْ أَرُوحُ مُعدّيًا عَيْرانةً غَلْبَاَء ذاتَ تَشذُّرٍ وحِطاطِ
عَنْسًا تُعارِضُ بالعَشيّ نَوَاجِيًا مِنْ كلّ مَوجَدَةِ القَرى شِرْواط
في إثْرِ أَظْعَانٍ سلكنَ بواكرًا بينَ الصَّرِيمِ فمَنْبَتِ الأسباط
أو سالكاتٍ مَقْصَرًا منْ مَخرَمَيْ زُوكٍ تَؤُمُّ أُكَيْمة الأنباط
أَوْ ينَتْجعْنَ مع العَشيْ مَراتعًا بينَ الأطِيطِ فأجْبُلِ انْتاجاط
وقال أيضا:
عَلَى مَ الأسى إِنْ لَمْ نُلِمَّ ونَجْزعِ ونَبْكِ عَلَى أَطْلالِ رأسِ الذُّرَيّعِ
خليليَّ ما لخِلُّ الوَفِيُّ سوى الذي مَتَى تُسْرَرْ أو تَجْزَعْ يُسَرَّ ويجزع
[ ١٧٠ ]
فإِنْ كنتُما مني فموتا صَبابةً عَليها وإلا فلتُجنَّا معًا معي
وإلا فما أوْفَيتما بذمامتي إذا أنتُما لم تَجْزَعَا مِثلَ مَجزَع
أَلَمْ تَرَيَا الأطلالَ أَمْستْ مجائما بها أحْرَزتْ أّذْراعها كلُّ مُذْرِعِ
فأَصْبَحْنَ منْ عينِ الأنيسِ أواهلًا بأشباهها منْ عين وَحْشٍ مُلَمَّع
أَجدَّكَ عَيناكَ الطّموحانِ ضلَّةً مَتى تَرَيا رَأسَ الذَّرَيّع تدْمَع
منازلُنا إذ عيْشُنا في غزارةٍ وسربُ التصابي آمِنٌ لم يُفزّع
قَضَيْنا لُباناتِ الصّبا ونذُورَهُ بها ثمّ تمَّ اللَّهْوُ غيْرَ المُشنّع
فمنْ يكُ لم تَنْضِرْ لُعاعةُ لَهوِهِ ولم يتَمَتَّعْ مِنْ تَصابٍ مُمتِّع
فإِنَّ رَعيْنا أنْفَ ناضرِ رَوْضهِ مَحلَّ الخليط الجَوّ جوَّ المُبَيْدِع
وإن تُسأل الأطلالُ يومًا شهادةً بما كان فيها منْ مصيفٍ ومرْبع
تخبّرْ مرابيعُ المُبَيدِيع شَرْبنا بكأسِ التَّصابي منْ رَحيقٍ مُشعْشع
وتُنبي رِضامُ الكَرْدِ عَنَّا بمثلهِ وما ثمَّ من سَهْبٍ دَمِيثٍ وأَجرع
وتَشهد أيَّامُ الصّبا عند ربها بأن لَيْسَ فيها مثلُ عصرِ الذُّريع
ولا كَمغاني ذِي المَحارة أرْبُعٌ فمنْ يأتنا فيهنَّ يرا وَيسْمع
[ ١٧١ ]
يَرَى البيضَ كالأرآمِ من كلّ خَدْلةٍ ضُنُونٍ بمعْسولِ الحديثِ المُقطّع
ويسمْعْ كما شاَء المَساميع من فتىً خَبيرٍ بتَحبيرِ الغِناَء المّرَجّع
إذا رجّعَ التّغرِيدَ رِيعتْ لصوْتهِ رَوَائعُ صِينَتْ في الحجالِ الممنّع
حَنينَ عجولٍ أمِّ بَوٍّ تُديرُها عجولٌ متى حَنّتْ تَحِنُّ وتَسجع
كأنّ فُضولَ الرقْمِ قدْ جُعلَتْ على قَريعٍ هِجانٍ هائج متمنّع
فإنْ يكُ نَسْرُ الشيْبِ يَوْمًا عدا على غرابين هامٍ مِنْ لِداتَي وُقع
وأضْحى زُلالُ اللَّهْوِ رَنْقًا وأصبحت قِلاصُ التَّصابي قد أنيخَتْ بجعْجع
فيا رُبّ يوْمٍ قدْ أدَوْتُ لِربْربٍ هَجائنَ أشباهِ المَهى غير خُرَّع
[ ١٧٢ ]
وهمّى إلى جَيداَء غَيداَء لَدْنَةٍ بأقرابها تَرْديعُ مسكٍ وأيدَع
أُخادعُ عنها القلْبَ أنْ يفَطُنوا بنا وقد كان عنها القلبُ غيرَ مخدَّع
أرُوحُ عليها كلَّ يوْمٍ بفتْيَةٍ لهمْ في الذي أهْواهُ أيُّ تَسرُّع
فيا مَنْ رأى مِثلَ اللّواتي تَزُورُها ومثلَ الألى يَأتونَها زُوَّرًا معي
مَعي منْ بني اللهْوِ الكرامِ عصابةٌ ألا يَا لَقَوْمِي للِصّبَا المُتَرَعرع
وبَيُّوتِ هَمّ ضافَني فقَرَيْتهُ مَسافةَ سَيْرٍ دائبٍ مُتَنَعْنِع
على زَوْرَة مثلِ الفَنيقِ مُدلَّةٍ نهادٍ منيفٍ كالسَّقيفةِ جُرْشعُ
تَذِبُّ بِشمراخٍ كأنّ فرُوعَهُ قُرُونُ هَدِيٍّ فُتِّلَتْ يَوْم زَعزع
كأنَّ قُتُودَ الرَحْلِ غِبَّ كلالِها على ذِي وشُومٍ رائح أو هجنّع
تُعارِضهُ رُبْدٌ تَزِفُّ عَشِيَّةً إلى زُعْرِ حَفّارٍ ببيْداَء بَلقَعِ
أذلِكَ أمْ جَوْنُ السَّراةِ مُكدّمٌ يُقّلبُ حُقْبًا منْ نَحُوصٍ ومُلْمع
[ ١٧٣ ]
وَفِتيْانِ صِدْقٍ قدْ دَعَوْتُ فبادروا لِمَحْمدةٍ تَغْلو على كلّ بيّع
من آلِ أبي مُوسى بن يَعلى بن عامرٍ إذا شهدوا زانُوكَ في كلّ مجمع
هُمُ ما هُمُ إِنْ تَدْعُهُمْ لِمَضوفةٍ يُجِبْكَ لما تَهْواهُ كل سَميْدَع
على حافِظٍ منْ عَهدِ شِرْبُبَّ حافظوا على مَلْكِهِ مِثلَ المَجَرَّةِ مَهيع
لآباءِ صِدْقٍ وَرَّثَتْهُمْ جُدُودُهُمْ مَساعىَ ما مَنْ رامَها بالمُطوَّع
وأبقى مراسُ الحَرْبِ منهمْ بقيَّة بحمدِ الإلهِ لا تَلينُ لِمُظْع
سمى نجْلُ عبدِ اللهِ سامٍ بمجدِهِمْ إلى باذخ ما إنْ يُرَامُ بمطلَع
إلى جَعْفرٍ حِبّ النبي وابنِ عمهِ هوَ الفَحلُ مَنْ يكلُفْ مَساعيهِ يطلَع
حُلومُهمُ أَحْلامُ عادٍ ودِينُهمْ بَنَوْهُ على الأسّ القَويم المُمَنّع
بَنَوْهُ على نَهج النبيّ محمدٍ فيا لكَ منْ نَهْجٍ هدًى مُتَتبَّع
همُ شيَّدُوا أركانَهُ برِماحِهمْ فما مالَ حَتى صُرّعوا كلّ مَصرَع
وأبقى مِراسُ الحَرْبِ منهمْ بقيَّةً بحمدِ الإلهِ لا تلينُ لِمُفظعِ
همُ مَلكوا ما بين شرْقٍ ومغربٍ وسادُوا هُمُوا بالحلمِ لا بالتَّترُّع
لنا هَضبةٌ أعْيتْ على منْ يكيدُها إذا غَمزوا أركانَها لم تلَعلَع
[ ١٧٤ ]
وإنَّا إذا ما النَّائباتُ تضَعْضعتْ لها حُلماءُ الناس لمْ نَتَضعضع
تَرَى منْ سِوانا يَدَّعينا ولا نُرَى لغيرِ أبي مُوسى لعمْرُك ندَّعي
بَني عامرٍ أحسابكمْ لا تُضِيّعوا منَ أحسابِكم ما كان غيرَ مُضيَّع
وقال أيضا:
قِفْ بالمَرابيعِ منْ جوّ المُبَيْدِيع سَقى المُبَيْدِيعَ مِرْبابُ المَرابيعِ
سَقْيًا لهُ وَلجَرْعاءِ المَشاقِرِ منْ غَوْرِ الشَّقيقَةِ ذاتِ الخُلْدِ فالرَّيع
إلى الشّواجنِ منْ وادِ الحِاء إلى طَوْدِ الحِصان فَغُلاّنِ المَقاطِيع
وَقِفْتُ أبكى بها سَحًّا بأرْبَعةٍ بمُدْنِفٍ بدِلِ الأوْصالِ مَرْبُوع
أمْ هَلْ تَصبّتْكَ ظُعْنُ الحيّ باكرةً بالجزع كالنّخلِ قدْ همَّتْ بتَجزِيع
فقُلْتُ للِنَّفْسِ إذ جاشتْ لبْينِهِمُ صَبْرًا ويا رُبَّ نُصْحٍ غَير مَسموع
أخادعُ النَّفْسَ عَنْهُمْ وهي خادِعتني جَهْلًا وما كنتُ عن رأيي بمخدُوع
فقُلْتُ لمَّا أبتْ نَفْسي مُصاحَبَتي دُونَ الحُدوج ولم تَسمَحْ بتَشييعٍ
[ ١٧٥ ]
أُرَاقِبُ الحيَّ حتى إذ رأيتُهُمُ جَدُّوا سِراعًا وما عاجوا لتوْدِيعي
وأجمعُوا الأمرَ أنْ لا وَعْيَ إذ رَحلوا عنْ جانبِ السّبْحةِ الشرْقيّ ذِي القيع
رَصَدْتُهمْ بالثنايا الخُضْرِ أرْقُبُهمْ كيما يَقيلوا مَقيلي بعدَ تَفْجيعي
فحادَ بالظُّعْنِ عَنْ قَصدي وَروّعني حادٍ لهمْ كانَ مَعْنِيًّا بتَرْويعي
ما زِلتُ أُتْئِرُ طرْفَ العَينِ نَحْوَهُمُ فالعَيْنُ قدْ مَسَّها طَرْحي بتَرْسِيعِ
حَتى إذا الشمسُ ألْقتُ في الظلامِ يدًا وَجدّ أعْلامُها منه بتَلفيعِ
أتْبَعتُهنَّ سَبَنْداةً عَرَنْدسَةً تَنْضُو الجيادَ بموضوعٍ ومَرْفوع
تَرَبّعَتْ بينَ أصواء الثُّدِيّ إلى خَبْتِ الدَّوِيَّةِ في غُفْلٍ ممارِيع
كأنَّها لِقْوَةٌ شَقْواءُ عادِيَّةٌ للِصَّيْدِ نُطّقَ جَنباها بِتَوْلِيع
بَينا تَقَحَّمُ في الظلماء جافلِةً لاحَتْ لها النّارُ بالعَلْيا منَ الرّيع
[ ١٧٦ ]
إِذا سَجَتْ هَبَّ هَبُّ الرّيح يصْفَقَها صَفْقًا وألوَى بها رِيعُ المبْيدِيع
كأنّ بالجوّ شِملالًا تصِفُّ بها صَفًّا وتَقبِضُ منْ فُتْخِ المَلامِيع
يا مُوقِدَ النارِ أوقِدْها فلا شَلَلًا لازَال شملُكَ مَرْمُومًا بتَجمِيع
فِدّى لنارٍ هَدَتني أنتَ تُوقِدُها شُبّتْ بأرْطى وأطْلاحٍ وَيَتُوع
نارٌ تُشَبُّ بغارٍ في ذُرَى إضَمٍ هدَتْ حُميْدًا إلى حُورِ المَداميع
والغارُ والنَّدُّ والعَلْياءُ منْ إضَمٍ تَفْدِى اليَتُوعَ وَعَلْياَء المُبيْديع
ما زلتُ أَهْوى ورأيُ العَينُ يُؤْبِسُني مِنها وَيُطمِعُني نَصّي وتَرْفيعي
حَتى أَضاَءتْ مَهىً صُفْرًا تَرائِبُها بِيضًا مَحاجرُها حُمْرَ الأصابيع
فيها أُسَيْماءُ وَاأسْما لمُخْتَبِلٍ يَهذِي بذكراكِ لِلهجْرانِ مَصدُوع
[ ١٧٧ ]
لمَّا وَلَجْتُ عليها الخِدْرَ فانبهرَتْ والقَوْمَ ما بينَ وَسْنانٍ ومَصْرُوع
مَدّتْ إليَّ على ذُعْرٍ لتَعْرِفَني خُضْبًا أيانيعَ أمثالَ اليَساريع
فَبِتُّ أقْصَعُ منْ حرِّ الجوى غُلَلًا حُمّلْتُهَا مُنْذُ أيَّامِ اليُنَيْبع
تَعرَّضَتْ ليَ مُغْتَرَّيْنِ وا أسفي فَفَجَّعْتني ولم تَشْعَرْ بتَفْجيعي
بذِي رِعاثٍ رَبيبٍ منْ مَهى رَجم أحْوى المَداميع بالجادِيّ مرْدُوع
فحلَّ بالقَلْبِ ما قدْ حَلَّ منْ شَغَفٍ منْ فاجِع ما دَرى ما خَطبُ مَفْجُوع
وقال أيضا:
هاجَ المَنازِلُ منْ نِعافِ عَقَنقَلِ تِنْوَا كُدَيْلَ عُقامَ شَوْقٍ مُخبِلِ
فالرّبعِ ذي العَرصاتِ فالقاع الذي دُونَ الأجارعِ منْ أميلِ تَمَرْذُل
دَارٌ لمْيمُونَ التي فعَلَتْ بهِ فَعَلاتِهَا ومَشَتْ كأنْ لم تفعَل
دارُ التي سَبَتِ الفؤادَ بِدَلّها يوْمَ النُّبيكةِ ثمَّ يوْمَ المعْقِل
[ ١٧٨ ]
صابتْ علائقَ قلْبِه بسِهامِها عَمدًا على عينٍ ولمَّا تَحفِل
أصْمَتْ أخاك لَوَ أنّ ما فعلَتْ بهِ ساءِ لهُ منْ جُرْحٍ أو منْ مَقَتل
فعِمى صَباحًا دارَها ثمَّ اسْلمي وسقاك طوْعَكِ كلُّ غادٍ مُسْبل
عُوجا على الأطلالِ نقْضِ لُبَانَةِ نشكو الهوَى ونُحيّهنَّ ونسْألِ
إنّ المَنازلَ لوْ تُجيبُكَ عِندَها خبرُ المُكتّمِ منْ مَصون الدُّخْلُل
نصَفَ النَّهَارُ وصُحبتي يَدْعُونني وأنا أُسائِلهَا كمنْ لم يسألِ
فلئنْ سَقاني مرَّةً عِرْفانُهَا أنفاسَ تهمامٍ كطعْمِ الحَنظل
فلقدْ أظلُّ بغرَّةٍ أسْقى بها أشْهى وأطيَبَ منْ رَحيق السّلْسل
منْ ظلمِ بَاسِقَةٍ كأنّ أرِيجَها مَشمُومُ نافحةٍ بماءٍ قَرَنْفُل
قدْ أكملتْ ما شِئتَ إلا أنها عِشرُونَ منْ أعوامِها لم تكمل
ولقدْ قعدْتُ إلى الصباح لِناعِجٍ مُتَخمّط هَزِمِ الهَديرِ مُجَلْجِل
يَحْدُو بأبكارٍ هَجَائنَ دُلَّحٍ كُومٍ خرائعَ كالجمالِ البُزّل
[ ١٧٩ ]
ما زالَ ينَدْهُها فلما أنْ عَلا تَرْق إلى بَطن النشيرِ فأيْمُل
ألقى بَوَانِيَهُ بهنَّ مُعَرّسًا ثمَّ انْتحى بجرانهِ والكَلْكل
يسقى الذِّراعَ فتيجريتَ مُدَوّما مَنْ خَبْتِ عَيْشَ إلى مَدافع تنْضُل
وغداة بها نحوَ الزّفالِ فتيرسٍ يَقضي منَ التسْحاح ما لم يفعلِ
وقال أيضا:
حَيّ منْ ساحةِ المبيْدِيع دُورَا جَنْيةَ الريع قدْ دَثَرْنَ دُثُورا
قدْ أضرَّ البلى بها غير لَوْح منْ رُسُوءٍ تَخالهُنَّ زَبُورا
وبقايا منَ ارْمِداتٍ تقَيها خالداتُ الصَّفا الصَّبا والدَّبُورا
حَبذا هنَّ منْ معاهدَ لولا أنّ للدَّهْرِ عَثرةً وحُبُورا
فقِفا وابكيا وعُوجا وَجُودا بمصُونِ الدّموع جَوْدًا مَطُورا
وإذا ما لم تُسعِدانِي فعُوجا إنَّ غَدْرًا أنْ تمنعَاني المُرُورا
[ ١٨٠ ]
إِنَّ عِندِي لها إذا لم تُعينا مِقْوَلا مُسْعِدَا وَجَفنًا دَرُوُرَا
وفؤادًا على صُرُوفِ الليالي وانْصَرافِ الصِّبا لِجُمْلٍ ذَكورا
إِنَّ جُملًا مَتى تُلَّم بجُمْلٍ تَلْقَ جَيْدانةً عَرُوبَا ذَعُورا
أوْحَشَ النّيشُ بعدَ أترابِ جُملٍ ولقدْ كان آهلًا معْمُورا
فإلى الرَّقمتينِ منْ مُنْحنى المَوْ ج بحيثُ الصَّفا يرى التَّيْثورا
فالدِّيَارُ التي بجنْبِ قُديْسٍ عادَ مَعْمُورُ خَيْفِها مَهْجورا
فَلنا في لِوَاهُ أيَّامُ عِيدٍ عَزّ منْ قدْ بدا بهنَّ الحضورا
حِينَ إذ جُمْلُ منكَ غيرُ بعيدٍ لا يُعْنّيكَ أنّ ترى أو تزورا
حِينَ إذ هِيَ بالبناتِ تَلهَّى يا لَها شادِنًا أغنَّ نَفُورا
وإذا رَيْتَ ثمَّ رَبْتَ نَعيما طابَ ما شئتَ لذَّةً وحُبُورا
قدْ قضينا به نذورَ التّصابي وتَغيَّرْنَ منهُ فيهِ الخمُورا
وتمتَّعْتُ منْ جناهُ ولكنُ ما مَتاعُ الحياةِ إلا غرُورا
دَرَّ دَرُّ الشبابِ من خِدْنِ صدْقٍ غيرَ أني ظننتُ أنْ لنْ يحُورا
إنّ في القلب منْ جَنَاهُ عُلالا تٍ أتى الشيْبُ دُونَها والنُّذُورا
وقال أيضا:
أقُولُ لِرَاع الذَّوْدِ بينَ شُلَيْشِلٍ ولَبَّةَ والعيْنانِ تنْهمِلان
[ ١٨١ ]
أيا راعيَ الذَّوْدِ الهجَائنِ قِف مَعي سقاكَ حَييٌّ ذو أجَشَّ يمانِ
ولا زِلتَ في عَرْجٍ تُنتّجُ بكْرَهُ وجُلَّتَهُ ذا ثَرْوةٍ عكَنانِ
أسائلُ عنْ حيِّ الشقيقةِ إنني وإيَّاكَ يا راعِي لِمُسَّئِلانِ
فقال انْتموْا لِلْمَوج واحْتَثَّ ظعْنَهمْ غُديَّة حادٍ ليس بالمُتوانِ
فكلفْتُ همّي إثْرَهمْ ذا عُلالةٍ خَبيرٍ بنصّ الوخدِ والذَّمَّلان
به ظلعانٌ مُستبانٌ ومَنْ يجدْ كوَجدىَ لا يلوى على الظَّلَعان
وقال أيضا:
أخيرًا سَرتْ بَعدَ الهُدُوّ بلابلُهْ فلا هَمّ إلا دون هَمٍّ يقاتلُهْ
لِشَيْمِ بُرَيْقٍ لاحَ من نحو ذي الغضا كلَوْح الضّيَاءِ المُسْتطيرِ مَخائِلُهْ
وتَكارُ أيامِ المُبيديع شاقني ألا حبَّذا أيامُهُ وليائِلهْ
عفا النيشُ ممنْ هُوَ بالأمسِ آهِلهْ مخارمهُ فسفحُهُ فمجادلهْ
فَسُهْبُ الكديد فالغُشيْواءُ فاللّوى لِوى السّاقِ بعد الأنْسِ قَفْرٌ منازلهْ
فَرأْسُ الذُّريْعِ فالطويلةُ فالأضا أضاءُ الغُوَيْرِ فالذراع المقابلُهْ
فَوادى النَّعامِ مُقفرٌ جلَهاتُهُ ففَرْشُ الخليج سَهْلهُ فُضلاضِلُهْ
فعُهدَةُ فالغُلاّنُ منْ ذي محارةٍ فخيشومةٌ قِيعانُهُ فمسائلُهْ
[ ١٨٢ ]
منازلُ لوْ غَيْلانُ ميّةَ شاهِدٌ بها إذ صِبانا لا ترُوعُ غوائلهْ
لما استَحبلتْ عينيهِ يوْمًا محلّةٌ بحُزْوى ولا جَوّ الملاَ وجُلاجلُهْ
وقال أيضا:
عِندَ الأُخَيْضِر ما يشفيك لو نَطقا فحيّهِ حَيّهِ منْ أجلِ ما سبقا
إذْ كان يحملُ أمَّ المؤْمِنينَ لدى إنْيا شَوانَ تَرى في سيْرِهِ عنَقا
بينَ الظعائن لا أدْنُو لواحدَةٍ حتى إذا جُعِلَتْ مُطيُّها حِزَقا
أبدى التفرُّقَ ما قدْ كنتُ أكتمهُ وعُجْتُ نَحْوَ التي أهْوى بها يقَقا
أمْشى بجانبها حتى إذا رَفعتْ يدَ السّياطِ كما يجلو السَّنا غَسَقا
أرْمى بنَظرةِ عينٍ لا اصْطِبارَ لها منْ فُرْجةٍ صَغُرتْ من سجَفها سَرقا
إلى خُصورٍ لها مثلِ الجديلِ ترى إذا نظرْتَ لها منْ بينها عَرقا
أمْسَتْ أميْمُ لدى دامانَ منزِلُها سقاهُ كلُّ مُلِثٍّ يحملُ الودَقا
وقال أيضا:
ولمّا رأينا منزلا كان قبل ذا مَصيفًا لأُمّ المؤمنينَ ومرْبَعا
تداعتْ دواعي الشوْق منْ كلّ وجهةٍ فأذرَيتُ دمعَ العين مثنى ومرْبعا
[ ١٨٣ ]
وقال أيضا:
حيّ المنَازِلَ بالكدِيدِ الأحمرِ بالجنْبِ منْ طورِ الحِصانِ الأيسرِ
أمْسى الكديدُ طوامسًا أعلامُهُ قَفْرَ المحلَةِ يا لهُ منْ مُقْفِرِ
ولقدْ أراهُ وهْوَ ذو مُتوسّمٍ تَنْدى أصَائلهُ أنيقَ المَنظر
كان الكديدُ من آل الأصْفِر آهِلا فاليومَ أَوْحَشَ بعدَ آل الأصفر
ما أنْسَ لا أنْسى أصيلا بتْهَمْ بين العذارى عاطلا في مئزر
بَرزتْ بجيدٍ جدايةٍ مذعورةٍ وبكشح جازئةٍ وعيني جُؤذُرَ
إنْ كنتَ تَدْرِبها الغداةَ فإنها صادتْ فؤادكَ وهي لمَّا تَدَّر
وقال أيضا:
سَرَتِ الجَنوبُ ولاحَ لي برْقُ صَوْبَ الخليج فعَادني أرْقُ
يخفو فيطرِينُي وليسَ سِوى خَفقِ الفُؤادِ كخْفِقِه خَفْقُ
فكأنما تَحدُو بوارِقهُ خَيلٌ تجُولُ جَلالَها بُلْقَ
قدْ لاحَ مُسْتَحرًا فقلتُ لهُ رأسَ الذُّرَيّع أيُّهَا البَرْقُ
فاسقِ المُقَيْلةَ فالطويلةَ فالْ إفلاج حَيثُ تَصرَّمَ العَرْق
جاد الذُّرَيعَ ذو جَدىً هَمِرٌ يُرْويهِ لا رَنِقٌ ولا طَرْقُ
يا حبذا دَوْحُ الذُّرَيّع ذي ال ظِل الظليل وَرَمْلُهُ اليَلْق
بلْ حبَّذا عِينٌ تَقيّلهُ بيضُ التّرَائبِ خُرَّدٌ عُتْقُ
يَعْكفْنَ ضحوًا في مكانِهِ فَطريقُهنَّ لِفَيئهِ دَعْقُ
[ ١٨٤ ]
حتى إذا ما الشمسُ قدْ جَنَحتْ واجْتابَ جِلْبابَ الدُّجى الأفق
رَجَعَتْ تَجُرُّ الرَّيْطَ رائحةً للِطيبِ منْ أرْدَانِها عَبْقُ
وتُرُوحُ عائشُ بينَهُنَّ كما قدْ ذَرّ بيْنَ سحائبٍ شَرْقُ
رَقْرَاقَة جَيدانةٌ أنُفٌ للِزّعْفرانِ بنَحرِها شَرْقُ
لم تعْدُ عَشْراُ واثنتين مَضتْ وسَما بها عنْ تِرْنهَا العِتْقُ
تَجلو ثَمانًا هلْ رأيتَ بَنَا تِ الغيْثِ وَيْكَ لِظلْمها بَرْق
وكأنَّ رِيقَتَها إذا وسَنتْ صَهْباءُ أنْحلَ جِرْمَها الصَّفقُ
وكأنّ رَيَّاها إذا نشأتْ نَشْرُ الخُزام جَلا بها الوَدْقُ
أبصرْتُهَا مُغْتَرَّةً فكأنْ هَتْكَ السّقافَ مَعابلٌ زُرْقُ
راحتْ ورُحْتُ سليمةً وصِبًا أو مثلَ ما منْ يفعل العشق
إنْ لا يكنْ سعْد السُّعودِ إذًا فله السُّعودُ جميعُها أُفقُ
كم دُون عائِشَ قدْ تَعَرَّضَ منْ فَجِّ تُصِيبُ أفِجّة عُمْقُ
هلْ تُبْلِغنّي دارَها أجُدٌ زَيَّافةٌ في مشْيها خُرْقُ
تغَنالُ أعماقَ الفِجاجِ إذا أمْسى تَغوَّلَ غَوْلهُ الخرْقُ
وقال أيضا يتألم من كثرة التيمم في الناس، وقلة الوضوء:
[ ١٨٥ ]
أهاجَكَ رَسْمٌ بالغُشَيْواءِ مائلُ كما لاح جفنُ السَّيْفِ والسَّيْفُ ثامل
ومَغْنىً بميثاءِ القرارةِ بَعثَرَتْ مُعالِمَهُ هُوجُ الرّياح الجَوافِلُ
وقفتُ بها فاسْتَجهلْتني رُسُومُها وما الجَهْلُ إلا ما تهيجُ المُنازلُ
فدعْ ذكرَ أيَّام الشبابِ فذكرُهُ أخيرٌ وقدْ ولّى ضلالٌ وباطلُ
ولكنْ إلى الرَّحمن فاشْكُ مُصيبةً ألمَّتْ بنا ما إنْ إليها المَعاضِلُ
مُصِيبةُ دينِ اللهِ أَمْسى عِمادُهُ كمنفُوسِ حُبْلى غَرَّفتهُ القوابلُ
تظاهرَ أقوامٌ عليهِ فطمَّسُوا هُداهُ فهمْ عادٍ عليهِ وخاذلُ
فحسَّانُ عادٍ والمُهدَّى بهَدْيهِ وجُلَّ الزّوايا فيه عنهمْ يُجادلُ
يُجادلُ عنهمْ ذِلَّةً وطماعةَ ألا لُحيتْ تِلك اللّحى والحواصلُ
فهمْ يدّعون الدِّينَ والدينُ منهمُ مَناط الثريا رامها المُتناوِلُ
يُصلون لا يأتونها بطهارةٍ وعندَ الأذانِ نَوْؤُهمْ مُتكاسلُ
يُصلون دَأبًا بالترابِ جَهالةً بأفوَاهِهمْ تُرْبُ الحصى والجنادِلُ
يقولونَ مَرْضى هلْ سمعْتَ بأمةٍ بها مَرضٌ قدْ عمَّها لا يُزايلُ
نَعمْ مرضُ القلْبِ المعَدّ لأهلهِ بهِ درك النارِ الحِرارُ الأسافلُ
وأما تكاليفُ الرّجالِ التي أتَتْ منَ اللهِ آياتٌ بهنَّ نَوَازِلُ
[ ١٨٦ ]
فقدْ أغفلوها مُسْتَحَلّينِ تَرْكَها وقدْ أغفلوها فهيَ منهمْ بواهلُ
لخانوا أماناتِ الإِلهِ وعَهْدَهُ وما اللهُ عما يعملُ القومُ غافلُ
ويبكونَ أنْ ضلّ البعيرُ سفاهةً وأن تظمأ الشَّولُ الجوازى الأوابل
وأن تَقفَ البَيْقُورُ عندَ وُرُودِها هُناك التّبكي مِنهُمُ والتقاتُلُ
فَهلاّ على الدينِ الحنيفِ بكيْتُمُ فلا رقأتْ تلك الدُّموعُ الهواملُ
لِيبكِ لدينِ اللهِ منْ كان باكيًا فقدْ قُطعتْ منهُ العُرى والوسائلُ
ولم يَحْمِ دِينًا مُستباحًا حَريمُهُ منَ المعتدى إلا القنا والقنابلُ
وفِتيانُ صِدْقٍ صابرون لربهمْ يُحامون عنه وهو عنهمْ يُناضلُ
يَحْشُّون حَوْماتِ الوغى بنفوسِهم إذا هابها الثّبْتُ المِحَشُّ المُباسل
وقال أيضا:
أولى له أنْ يريهِ الهمُّ والشَّجنُ إذْ لَمْلَمَ الظُّعْنَ يَوْمَ الرحلةِ الظَّعنُ
أشكو إلى اللهِ ما لاقيْتُ بعدَهُمُ غُدَيَّةَ المَوْجِ لمَّا اعْرَوْرَفَ الظعنُ
وضحضَحَ الآلُ بالمَعْزاءِ دونَهُمُ كما تكَفَّأ وَسْطَ اللجةِ السُّفُنُ
وفي الحُمُولِ بخَنْدَاةٌ مُخدَّرةٌ ما شانَها خَوَرٌ فيها ولا دَنَنُ
كسْلى منَ اللاَّءِ تُمسى وهي نائمةٌ إذا نفي النَّوْمَ عنْ جاراتِها المَهَنُ
[ ١٨٧ ]
أمَا ومنْ حَجَّ أرْبابُ الحجيج لهُ وحيثُ تُنْحَرُ عِندَ المَشعْرِ البُدْنُ
لولا أمَيْمَةُ والماءُ النَّميرُ وما منْ طابةٍ طابَ إذ يجري النَّدى الوهَنُ
لمَا تَبِعْتُ حُدُوجًا بالمَطيّ ولا باليْتُ ما جرَّ منْ إحداثهِ الزّمنُ
وله أيضا:
بتُرارِين مَرْبَعٌ للِرَّبَّابِ حَسنٌ لوْ أبانَ نُطْقَ الجوابِ
وبآمِلِّ حَوْلهُ رَبْعُ سَلْمى صَيَّرَتْهُ اللّيال رَقْمَ الكتاب
أقفَرَ اليوْمَ من سُعادَ وسُعدى لُجَّ يا قلْبُ في شَجىً واكتتاب
وله قصيدة من بحر الخفيف، ولم يبق في ذهني منها إلا بيت واحد وهو:
بكَرَ العاذلاتُ باللّوْماءِ رُبَّ لوْمٍ أحثَّ منْ إِغراءِ
وليس هو مطلعها، ومطلع قصيدة يمدح بها بكار بن أسويد أحمد شيخ إدوعيش:
بكّارُ إنّكَ رَوَّاحٌ وَبكّارُ للِمَكرمُاتِ وَنَفَّاغ وضَرَّارُ
وله من قصيدة، يرثى بها العلامة مولود بن أحمد الجواد الآتي بعده. ومطلعها:
أقولُ لمَّا نعى النَّاعُون مَوْلودا نَعَيْتُمُ العِلَم والمعروفَ والجودا
نعى النُّعاةُ الجوادَ ابنَ الجوادِ ومنْ أمسى به الضيفُ بعدَ الجدّ مَجدودا
نعى النُّعاةُ الجوادَ ابنَ الجوادِ فقدْ أضحى الفؤادُ لنعى الجودِ مَعْمودا
ومنْ إذا الهمُّ ضافْتهُ بلابلُهُ كان القِرى أنْ يَنُصّ الضُّمَّرَ القُودا
ومنْ إذا ثرَ المُنْجابُ منْ خَورٍ نَوْمًا ودِفءً تراهُ يألفُ البِيدا
على تِنِجَّنْ ألِمَّ تَبكيانِ بها صِنديدَ مجدٍ لأشياخٍ صَناديدا
كم شَنَّ مَصْرَعُهُ منْ دَمعِ باكيةٍ مِنَّا وباكٍ لهُ لم يُبقِ مَجلودا
[ ١٨٨ ]
ومنها:
دَعِ الحواصِنَ يَنْدُبْن الهُمامَ فلا عُدّتْ من البيضِ منْ لَمْ نْبكِ مَوْلودا
يَنْدُبْنَ نَدْبًا أبيَّ الضَّيْم ذا فخرٍ حُلْوَ الشمائلِ في العَزَّاءِ محمودا
قدْ كان لِلمَجْدِ والعَلْيَاءِ مَشْهدُهُ رُكنًا فأصْبَحْ رُكنُ المَجدِ مَهدودا
ومنها:
يا رَبَّنا أَوْلِ منْ نُعْمَاكَ مَوْلودا عَفْوًا وظلًا من الفرْدَوْسِ ممدودا
وَأَوْلهِ الماَء مسكوبًا وفاكهةً والسّدْرَ والطلْحَ مخضودًا ومنضودا
وقال أيضا:
لا القلْبُ عنْ ذكرِ أمّ المؤمنين سلا ولا أرى عاذلاتي تتركُ العَذلا
بلْ لا أرى لوْمَ من يَلْحُو ومن عذلا ألاّ يزيدُ عليَّ الهمَّ والخبلا
ولا أراني أرى رَسْمًا ولا طللا إلاّ وساءلتُ عنها الرسْمَ والطللا
هي التي أنا لا أبغي بها بدَلا منْ غِيدِ عَثْمةَ ذاتِ الضّالِ من أجلا
هي التي لِلقاها أفْرَحُ الجَذَلا ونَيليَ الوصلَ منها نيليَ الأمَلا
هي التي ألبَسَتْ غِيدَ الورى الخجلا وتحتَ أخماصِها اليافُوخُ من زُحلا
فإنْ تكنْ تَبتغي أن تُدْرِكَ الأملا فَلْتَتبِعنْ حَيَّها أَيَّان ما ارْتحلا
وارْحلْ مراحلهُ واعملْ كما عمِلا وانْزِلْ منازِلهُ أيَّان ما نَزَلا
ومنها:
أرى الهوى غيرَ ما حمّلتني جَللا ولا أرى غيرَ ما حمّلْتني جَللا
فمنْ يكنْ ساليًا عمّن يُحبُّ فَلا ذَا القلْبُ عن ذكرِ أمّ المؤمنين سلا
[ ١٨٩ ]
وله أيضا من أبيات:
لجَّ في دائهِ القدِيمِ المُمَاني منْ جُنونِ الصّبا وَلاَتَ أَوانِ
لجَّ في غيهِ فلَجَّ بهِ الهَتْ رُ لِعِرْفانِ دارِساتِ المَغَانِ
وله أيضا:
حَيّ بين النقا فآدُكْمارِ أرْبُعًا قدْ بَلينَ مُذْ أعصارِ
أرْبُعًا منْ مَلاعبِ البيضِ أمْستْ مَلْعبًا للِرّياحِ والأمطارِ
أرْبُعًا في الحشى حَششْنَ أُوارًا منْ قديمِ الهوى لاِعْوَيْشَ وارِ
إلى هاهنا، تم ما تسنى من شعر نابغة شنقيط، وما عثرت له على قصيدة وفاتتني كلها، إلا قافية في مدح النبي ﷺ، رأيتها مرة واحدة عند شخص، وكان الوقت ضيقًا.