عالم كبير، ولغوي شهير، اشتهر في الفقه والبيان، والعروض والنحو، وكان شاعرا مجيدا، وما بقيت قبيلة إلا هجاها إلا ما قل، واشتهر من ذاك هجوه لإدَوَعْلِ، لما بلغه فشو الطريقة التيجانية فيهم، فكان يبعث لهم القصائد يهجوهم بها، فلا يردون عليه، لأن الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن لحبيب العلوي، كان يأمر بذلك. فلما توفى وأكثر من هجوهم، تصدى له باب بن أحمد بيب، الذي تقدمت ترجمته في هذا الكتاب، ومحمد الذي تقدمت ترجمته ايضا، وقد نضى قليل مما قالوا له، وما أحفظ شيئا من شعر إدييج، وتقدم بعض ما قال فيه باب، ومحمد، ورأيت له قصيدة في باب مطلعها:
أيها الراكبُ المغذُّ ذهابا حَيّ عني بابَ الهدايةِ بابا
باب عندي منزه عن أمور بلغتني فقلتُ فيها صوابا
ولما وقعت مسألة الحُبُس التي تقدم ذكر ما جرى فيها، بين باب المذكور
[ ٣٦٨ ]
وحرم الذي تقدمت ترجمته، وانضم إلى باب محنض، باب بن اعبيد الذي تقدمت ترجمته، وانضم إلى حرم، إدييج هذا. وكانت بينهما موالاة، واستثناه هو وأكتوشن بن السيد، لما رمى العلويين كلهم بالضلال، في قصيدة يقول فيها:
شربَ الضلال صغيرهم وكبيرهم إلا اكتوَشْنِ وحرمةَ الرحمنِ
وهجا أيضا أحمد الصغير ابن انبوج، الذي تقدمت ترجمته، وهجاه هو، ونظم فيه منظومة طويلة، وألف كتابه (الجيش) في الرد عليه، وقد طبع هذا الكتاب بفاس وبمصر، وهجا أيضا، اعبيد ابن أنبوج، وكان حسن الخط، فقال فيه من قصيدة:
ولما رأينا حُسنَ خَطّ عبدةٍ علمنا بأنَّ الخطَّ يُحسنهُ الوغدُ
وقال يخاطب باب، ومحنض باب المذكورين، ويأمرهما بالرجوع إلى قول حرم في مسألة الحُبُس:
يا صاحبيَّ قفا بالمنهلِ الصافي وسلّما الحكم للقاضي بإنصافِ
ووافِقا حُرْمَ فيما قال ويْحكما فإنّ شيخكما أدرى بالأوْقافِ
فحجة الشيخ في بهرامَ ناهضةٌ لو كان يكفيكما ما كان في الكافي
وقال باب مجيبا له في أبيات، وتقدم بعضها في ترجمته:
أرْشدتَنا للهُدى والله يعلمُ أنّ اقائلون بحقٍّ غيرِ سَفْسافِ
ودون ما قلتَهُ في الوقف سوفُ فلًا خوْفَ التنائفِ تُعيي كل سَوَّاف
فحجتي وَصِحَابي غيرُ داحِضةٍ مِنْ نَصّ بهرامَ والتَّوضيح والكافي
فمالكٌ إن تصف عما يقولُ فإني لستُ عَنْ قولهِ يوما بصيافِ
إني أوافقهُ حقًا وأتبعه هل مهتد ناعلٌ كالحائر الحافي
بلْ أنت رِدْ ما ورَدْناهُ على قَرَبِ واشربْ فهذا زُلالٌ بارِدٌ صافي
[ ٣٦٩ ]
صَدعْتُ بالحق لكن من يقلهُ لكم يَدْيَيجَ يوطأ بأخفافٍ وأظلافِ
فالحق أمسى فوالهفا وواحَزَنا مثلَ الديارِ التي يسفو بها الساق
وقال محنض باب، يجيب إدييج أيضا:
إذا تأملتَ مكتوبي بإنصافِ ألفيتَ فيه زُلالا عذبهُ صافِ
هو المصيبُ لصوب الفهم يعضده نقلُ الشيوخ بنص واضح شاف
رووه عن مالك نصًا ووافقهُ نصَّ الإمام ابن عبد البر في الكافي
دعْ عنك دَعوى تقاييد تقولُ بها شيوخنا بدَليلٍ وجهُهُ خافِ
وما ادّعَوهُ من التقييد يمنعهُ ألا تراهُ بلا شرطٍ في الأوْقاف
والأصلُ في القيدِ نفيٌ والمفيد لهُ لم نلفه بعد بحث شامل وافي
والانقِراضُ الذي يحجوهُ حجته أتى في الأمّ لامّ نسلها ضافي
وإن تفهمت في القاموس فانقرضوا ماتوا وليس لِنَسلٍ موتُهمْ نافي
أما الدروجُ ففيه المعنيانِ كما ذا في الصحاح بإيضاح له شافي
ولادييج المذكور، مهاجاة مع قبيلة إديقُبْ، ولم أحفظ منها شيئا. ورأيت له شينية، يهجو بها أبناء اعمر أكداش، وهي عجيبة ومطلعها:
يا خابطَ البيدِ خبطًا فوقَ وشواشِ يواصلُ السيرَ في ضوْءِ وإغباش
بَلِّغْ لديكَ مني نفسي إذا بلغتْ بك المطيةُ أبن أعمر اكداشِ
وقلْ لها إنني من بعدها دَنِفٌ والعين جادت بتوكاف وتطشاش
لمْ أنس أيامَنا حوْلَ الكُلَيْم وإن شط المزارُ وْرَاءتْ قَوْلةَ الواشي
وهي طويلة، وسمعت شيخا فاضلا من قبيلة صاحب الترجمة، يحدث أنه رآه مضطجعا على قفاه يترنم، وعند رأسه ثلاثة من تلامذته، يملى لكل واحد منهم
[ ٣٧٠ ]
بيتا، يجيب ثلاث قصائد وروت عليه من إدوعل في هجوه، وكلما أتم واحد بيتا يسرد له غيره، وهكذا حتى أتم ثلاث قصائد في وقت واحد، وهذا عجيب، وكتب إلى محمد بن المختار المجلسي في رفعه بالنشوز:
يا من تأمل مكتوبي بما نقلا سلم لنا حكمنا أو بيّن الخللا
الله يعلم أني ما أردت به إلا بيانَ الهدى في معضِلٍ نزَلا
وذاكَ أن فتاةً زانها حسَبٌ رامتْ نُشُوزًا ولم تَعبأ بمنْ عذلا
فقامَ بعضُ رجال الحيّ إذ رفعتْ إليهمُ أمرَها يقضي بما انتَخلا
فطلقَ الخود عن ظلمٍ وموْدعُها نَجلُ الوديعةِ لمُ يتْحَفْ بما بذَلا
ما كنتُ أحسِبُ أن الزوج مغتفرٌ في حَلّ عصمتهِ لو كان مختبَلا
ولسْتُ أعرِفُ تطليقًا لمن نَشَزتْ إلا بخلعٍ يراهُ الزوجُ منتحلا
وقال أيضا:
نفسي الفدَاءُ لحبيبٍ هاجرِ قاسِي الفؤادِ ليّنِ الخواصِرِ
ظبيٍ أحَمِّ المقلتين حُمَّ لي ما حُمَّ من جواهُ في المقادِرِ
من كان في الوعد كعُرْقوب ومن في البُخلِ إن طالبتَهُ كمادرِ
كأنَّ طعم ريقها بعد الكرى طعْمُ المعتقة عندَ التاجِرِ
تبسِم عن نورِ الأقاحي أصبحت بقَفْزةٍ ممطورة الظواهرِ
لو كلمتْ ميتًا لأحياه الهوى واستبدَلَ الإِحيا من المقابرِ
ولو بدتْ لراهبٍ في دَيْرِهِ لصدَّ عنها بفؤادٍ حائرِ
فإن حماني وصلها وغيره لم يحمني طيفَ الخيالِ الزائرِ
طيفٌ يبيت في الكرى مسامري طيفي إذا نانأتُ عن مسامري
وقد مضت لي أعصُرٌ في وصلها ما إن مضت في سالف الأعاصر
أيامَ كان السعدُ جارًا مسعدا وكان صرفُ الدهرِ غيرَ جائر
[ ٣٧١ ]
لا بُرْدةُ الشباب أنهجتْ ولا جَدُّ المحبّ في الهوى بالعاثرِ
وكم ليالٍ بتُّها في جنةِ الهوى بأمثال الدُّمى السوامر
في خَلقها وخُلقها ما تشتهي نفسي وما يلذ كلَّ ناظرِ
بيضِ الترائبِ حسانٍ خُرَّدٍ هيْفِ الخصورِ رجَّحِ الأواخر
أمسى فؤادي من هواه مُدْنَفًا وفاض دمع العينِ كالمواطر
أرومُ كِتمانَ الهوى وأدْمعي تبُوحُ بالمكنونِ في الضمائرِ
وكيف إخفائي الغرامَ بعدَما أبديتُ من مستْودِع السرائر
لا حَبذا من لامني في حبهِ وحبذا منْ في هواه عاذري
فإن يكنْ عنْ ناظرِي مغيبًا فشخصُهُ مصوَّرٌ في خاطري
يا منْ يلومُ في الهوى مهلا فما لوْمُكَ يُسليني ولا يضائري
داءُ الهوى صعْبُ الشفاء مالَهُ غيرُ الحبيبِ من طبيبٍ ماهر
هيهاتَ أن تشفيك من داءِ الهوى فُتَيَّةٌ نَقيةُ المآزر
لطيفةُ الكشحينِ خَوْدٌ خَدْلةٌ رَوْدٌ رَداحٌ بضّةُ النّواشر
ريا الروادف أباةٌ طفلةٌ مِلءُ الحجا والعين والأساور
فإنْ مشَتْ فغُصنُ بانٍ ناعمٍ وإن رنَتْ ترنو بطرْفٍ ساحر
لها مُحّيا مشرقٌ ومنِطقٌ كقهوةٍ في مسمع المحاورِ
وبَشرٌ مثلُ الحريرِ ليّنٌ وجيدُ ظبيٍ من ظِبا المشاقِرِ
يلوح صبحُ وجهها إذا بدتْ في ليلِ قرْعٍ أسحمِ الغدائر
زانَ الجواهِرَ بهاءُ نحرِها وغيرها يزانُ بالجواهرِ
وكان في أواسط القرن الثالث عشر.