محمذ، بالمعجمة منون مكسور، وهو مصحف محمد، شاعر مفلق، وهو أشعر نجاكنت، ولم أقف له على غير قصيدته الآتية، ولو لم يكن له غيرها، لاستحق ان يعد مع أصحاب الواحدات، مثل سويد ابن أبي كاهل، وله قصائد يجيب بها المأمون اليعقوبي وعن شيخه، ابن عمه المختار ابن بون، وقد وصلت إلى المختار قصيدة جيدة، يهجوه بها المأمون، فقال لتلامذته: من يحسن أن يجيبها منكم؟ فقالوا
له: الإمام تحت الشجرة، وهذه كلمة يقولونها، لمن لا ينبغي ان يتكلم فيما غيره أقدر على القيام به منه، وسافر الإمام المذكور، مع جماعة من قومه، إلى سجلماسة، فأصابهم بها جدري، فأوهن
[ ٢٨٤ ]
قواهم، ولم يساعدهم أهل البلدة، فقال هذه القصيدة الطنانة، وأخبرني بعض الفضلاء، أن تجكانت أكان إلى الآن، لا يسمعونها إلا ووقع فيهم العويل، وهي
واهًا لمْرضى رهان في سِجلِماسِ نائي المؤانِسِ والعُوَّاد والآسي
واهًا لها من حُشاشاتٍ يُساوِقُها تَنوا جُسومٍ إلى تصعيد أنفاسِ
ومِنْ عظامٍ وأشلاءِ مُمزّقةٍ كأنما لبثَتْ حِينًا بأرْماس
ما كَانَ أطولَ أيامًا عَلَى حَسَنٍ وصحبهِ ظَنتُها منهمْ على ياس
كأنما شرِبوا فيها وما شرِبوا عُصارةَ للكرمِ من بَيْسانَ أوراس
صَهْبَاَء طافَ مُهَينمُ اليهُودِ بها دَبَّابةً في عِظام الظهرِ والرَّاس
سقاهُم الجُدري كأسًا بها شرِقوا تَفديهمُ النفْسُ منْ شَرْبٍ على كاس
من كلّ جَلدٍ على الضَّرَّاءِ مُصْطبرٍ يقْسو إذا لانَ مِنْ ضَرَّائه الناسي
يصحو المرِيضُ وينَسى منْ معاهِده يومًا وما هوَ بالصَّاحي ولا الناس
تهتزُّ منها ذَماءٌ كلما سَجَعتْ خَطباءُ تبْعث ما بالوَالِهِ الآسي
تَبكى لها أخَرٌ أبدانُهُنّ كما خَطَّ الزّبورَ يَهُوديٌّ بقِرطاس
يا بُعدَ منهمْ حُلولٍ قاطنين على عِدٍّ يُحَفُّ بدورٍ منهُ أدراس
[ ٢٨٥ ]
أرْسْوا على كلّ نجدٍ منْ محاضرِه خَيْما مثابةَ أضْيافٍ وجُلاَّس
يلقُونَ للضَّيفَ ما ألقى مراسيهُ منها مراسيَ أوتادٍ وأمراس
حتى تَهُبَّ عنْ أيسار الخيام صَبًا تنْحَلُّ منها عزالي كلّ عراس
حتى إذا انجدبَ العاميُّ وانتسَجتْ من وارق النَّبتِ أجناسٌ بأجناس
حَلُّوا عواليَ أنجادٍ على نُطَفٍ زُرقٍ دُموع مُلِثّ الودْقِ رجَّاس
ما زالَ منْ معصِراتِ الدلو يسكبُها على الأبطاح فيْضًا غير إبساس
على بِطاح فلاةٍ لا أنيسَ بها إلاّ مَراويدَ أَرْآمٍ بأكناس
ترتاحُ مُغزِلةٌ منها لمغزِلةٍ من أمّ درَّاج أو من أم خنَّاس
كأنهُنَّ عَذارى بين أحوِيةٍ ترتاحُ منهنَّ ميناسٌ بميناس
حتى غدتْ مثل جُحْر الضّبِّ واحتملت منها السيُّولُ جماهيرًا لأجناس
وأضمرَتْ نُطفًا منهُنَّ وابتسمَتْ عن ثَغرِ كلّ شنيبِ الثَّغر نوَّاس
كأنه ونداها منْهُ مُنتشِرٌ زجاجة نُثرِتْ من زيتِ نِبْرَاس
أَحَوى أغرُّ تحاماهُ الرِّماحُ فلا يدعو النفوسَ لهُ تزيينُ وَسْواس
إلا ظَعائنَ منْ جاكانَ تَرتَعهُ لا عَنْ ذِمامٍ ولا تجسْاس أَحْراس
لا بلْ مَهابةَ ساداتٍ إذا اختلفتْ أهلُ النَّوادي وآسادٍ لدى الباس
غيْظِ العِدى وَرِضى المسْتنجدين إذا هبّتْ رياحُ الصَّبا إدْبار عَسعْاس
تغدو عليها المتالي من منازِلهمْ نَثْرَ الدَّراهِم من أَفْوَاهِ أكياس
[ ٢٨٦ ]
شوْلٍ تَريعُ إلى بيضٍ مُعطَّفةِ طيَّ الأهِلَّةِ في ألوانِ كُرَّاس
سُودٌ حَقائبها من طُولِ ما نضَجتْ منها توالِيَ أَبْرَاجٍ وَأَقْوَاس
وترتعيهِ حَواليْها مُؤبَّلَةٌ منَ الهُنَيْداتِ لا أذوادُ مِفلاس
فيها الحواني وأَمَّاتُ الرّباع سُدًى لا مِنْ صِرارٍ ولا منْ زجْرِ بسباس
كومٌ تروح وتغدو فيهِ منْ كثَبٍ تأوي إلى خَيم أرقاضٍ وسُوَّاس