تقدم نسبه في ترجمة والده. ظهرت عليه إمارات النجابة في صغره، واشتغل على والده في أول أمره، وعلى والدته الصالحة العالمة، خديجة بنت المختار بن عثمان، وتوجه إلى المشرق وهو شاب على طريق الغرب برا، ثم نزل من مراكش إلى الجديدة، فركب في البحر إلى طنجة فأصابه الميد الشديد، فعزم أن يحجَّ برا، وفعل ذلك، ولما نزل في طنجة
[ ٦٩ ]
توجه إلى مكناسة في غالب ظني، فقد اخبرني بعض شيوخ مكناسة الزيتون حرسها الله، إنه دخل عليهم في زاوية سيدنا الشيخ أحمد التجاني ﵁، وبات معهم، فسألوه عن طريقه، فأخبرهم إنه رافق رجلا ودخلا مكناسة، وترك عنده كتبه، وفيها أربعون ريالا، وهو لا يعرف
اسمه ولا أين نزل. قال فقلنا له: أن الكتب والدراهم مضت لسبيلها، فقال لا يكون ذلك، فإني قد حصَّنتها بآية الكرسي. قال: فبينا نحن وقوف على باب الزاوية من الغد، إذا بالرجل مارًا فقال هاهو رفيقي، فوجد عنده الكتب بحالها، قال فتعجبنا من ذلك، ووجد في الزاوية سيدي العربي بن السائح الرباطي، ووقعت بينهما محبة زائدة، وهو الذي أحيى منظومته (منية المريد) بشرحه لها المسمى (بغية المستفيد). قال بعد نسبه إياه:
وكانت له اليد الطولى في العلم، وخصوصا في فن السير والفقه والأصول والبيان والنحو والتصريف واللغة والمنطق والعروض وأشعار العرب وأيامها، وغير ذلك من الأشعار والنوادر. وأما التصوف، فقد رزق من الذوق الغريب فيه ما يشهد له بالتقدم التام، وستقف في نظمه هذا على بعض الرشحات والدقائق، التي تحار في دركها الأفهام، مع إفراغه ذلك في قوالب القواعد العلمية، سترا لما له مع الله تعالى من الأحوال الخصوصية، وله نظم في أزواج النبي ﷺ وبنيهن منه ﵊، وما لبناته من بنين وبنات أيضا، قرأناه عليه وكتبنا عليه من إملائه في مواضع منه، وكتب لنا بخط يده في مواضع من هوامشه كذلك أيضا، وأذن لنا في شرحه، وقد قيدنا بحسب ما تيسر لنا في الوقت. وله عليه شرح نفيس في مجلد، أبدع فيه غاية، ولم يمكنا كتبه لاستعجاله له، وله أرجوزة، نظم فيها الورقات للشيخ أبي المعالي إمام الحرمين رحمه الله تعالى، وله رحلة، التزم فيها ذكر من لقيه من الأعلام، في وجهته لبيت الله الحرام، وابتدأ بأشياخه الذين قرأ عليهم، كوالده ووالدته وغيرهما، رأيتها عنده، وقد كمل
[ ٧٠ ]
منها مجلد، وذلك قبل أن يجتاز ببلاد الواسطة والجريد وتونس والبلاد المشرقية.
ثم قال بعد كلام تقدم بعضه في ترجمة والده باب: وكان الناظم ﵀، من
أعاجيب الدهر في الذكاء والفطنة ومكارم الأخلاق وحسن الشيم وعلو الهمة عن الخلق، والتجافي عن سفاسف الأمور، مع ما هو عليه من الجد والاجتهاد في طاعة رب العباد. وكان اجتيازه بنا بمكناسة الزيتون، عام سبعة وخمسين ومائتين وألف، ومكث عندنا ثلاثة أشهر، صحبناه فيها وذاكرناه، واستفدنا منه ما نرجو الله تعالى أن ينفعنا به في الدين والدنيا والآخرة. وكانت وفاته رحمه الله تعالى أوائل العشرة التي بعد الستين ومائتين وألف، ذلك قبل وفاة والده بما يزيد على العشرة أعوام بالمدينة المنورة، على مشرفها أفضل الصلاة والسلام. اهـ الغرض منه.
وحدثني العلامة عبد الجليل براده رحمه الله تعالى، سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف بالمدينة المنورة، أن له في ذلك العام ستين سنة وهو متوفى، وأبرز لي ورقة صغيرة فيها مقطعة من نظم صاحب الترجمة وقد كتبتها منه ثم ضاعت مني قبل أن أحفظها وأولها:
الدَّهرُ يأتي بأفراح وأحزان وكلّ شيء على ظهر البرَا فانِ
والموت بئر جميع الناس وارده ولا حبٌ فيه يمشي كل إنسان
لو كان بالموت من عارٍ مننقصةٍ ما ماتَ أحمد عالي القدرِ والشأنِ
أو كان في غيرِه عز ومنقبة ما عاش من بعده يومًا فُلانانِ
قلْ للذين هُما بموتهِ شَمَتا قد مات جارًا لطه خير عدنانِ
وهي أكثر من هذا، وقال: أن أحمد المذكور، كان صديقا لصاحب الترجمة، فشمت به اثنان من شنقيط، كانا في المدينة المنورة، وكانا يحسدان صاحب الترجمة. قال: ومدة إقامته بالمدينة سنة، وتزوج بها إحدى بنات أهل المدينة. وأخبرني إنه مات، هو وصديق له اسمه المختار، في يوم واحد، ودفنا بالبقيع
[ ٧١ ]
رحمهما الله تعالى، ولم أعرف المختار ولا أحمد، الذي ذكر في أبياته. وقد رأيت
قصيدة رائية له عند العبد اللاوي الفاسي، فكنت أريد أن أنسخها منه، فوقع مانع منع من ذلك. وأول منظومته التي شرحها سيدي العربي بن السائح رحمه الله تعالى:
قال ابن باب العلويّ نسبه المغربيّ المالكيّ مذهبهْ
الحمد للجاعل الأوْلياءِ ورثه الكُمّل الأنبياءِ
والجاعل النبيّ خيرَ الأنبيا وشيخنا أحمد خير الأوليا
حمدًا يدومُ بدوام النعم على الخلائق وكل مسلم