هو العالم النحوي الذي يجيد النظم، وما أظن أن له شعرا يذكر، وهو الذي تخرج على يديه سيبويه تلك البلاد، أستاذنا يحظيه بن عبد الودود - حفظه الله تعالى - وتخرج هو على عبد الودود كما تقدم، وله استدراك على لامية الأفعال مزجه بها، فلولا إنه كتبه بالحمرة، لا التبس بنظم ابن مالك، وله أنظام كثيرة مفيدة. ومنها:
ورفع ما بعد لولا قيل هو بها أصلا وقيل بأن نابت عن انعدما
وضعفوا رفعه بها بأنّ به خروجها عن مدى أشباهها لزما
وقيل رافعه بوجَدْ مقدرة وذا بهِ كلُّ ناحى كوفة حكما
[ ٣٧٧ ]
ومنها:
إن الفتى لَبات بالفتاتِ حيرَانَ مشرفا على الوفات
وإن دمعه لعندمًا حكى شوقًا فما أطْوَل ما كان بكى
جاز لدى الأخفش والأوَلُّ قال به هشامٌ الأجَلُّ
ومنها:
آءٌ كعاعٍ تمَرٌ لشجر لا شَجَرٌ كما حكاهُ الجوهَرِي
ومات ﵀، قريبا من العشرين بعد ثلاثمائة وألف. وكان حديد الذهن بعيد الغور، كان يوما مع جماعة من طلبة العلم، وبأيديهم الدماميني على التسهيل، فإذا هو يقول في باب الإضافة: قال ابن هشام: وقد سألني سائل من أين تهب الصبا، فأنشدته:
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل
وإني لا أخزى إذا قيل مملق سخي وأخزى أن يقال بخيل
ولم يبن استخراج الجواب من هذين البيتين اللذين أنشدهما، وفيه غموض انتهى. فلم يفهم الحاضرون مراد ابن هشام، فتفكر هو قليلا. وقال: والله لقد فهمت مراده. فقالوا له: بينه لنا. فقال لهم يشير إلى قول الشاعر:
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يَطّلعُ الفجر
فقوله: حين الكرام قليل. مماثل لقوله: من حيث يطلع الفجر، إذ كل من حين وحيث، ظرف مضاف على جملة. ونظير هذه المسألة القريبة العهد، ما حكاه أبو حيان في شرح التسهيل، من أن ابن الأخضر، سأله طالب بحضرة الأبرش، عن فتح مقالة في قول النابغة:
مقالة أن قلت سوف أنا له وذلك من تلقاء مثلك رائع
فقال له ابن الأخضر:
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
[ ٣٧٨ ]
فقال له: يا أستاذ، ما فهمت. فقال له ابن الأبرش: قد أجابك. قال أبو حيان: وتوجيه ما سئل عنه، أن هذا البيت قبله:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي تستك منها المسامع
والبيت الذي بعده.
مقالة أن قد قلت
. . . الخ
وذلك ان قوله: إنك لمتني، في موضع الفاعل بأتاني، ومقالة، ضبط بالفتح والرفع، وفي كلا الحالين هو بدل من قوله: انك لمتني، فالرفع ظاهر، وأما الفتح فإنه بنى عليه لإضافته إلى مبنى. وذكر السيوطي في الأشباه والنظائر: أن هذا الجواب حكى عن الأعلم، وهو أقدم من أبي حيان: قال: وفي هذا الجواب نظر، فإنهم نصوا على إنه ليس كلما يضاف إلى مبنى يجوز بناؤه، وإنما ذلك مخصوص بما كان مبهما، نحو: غير، ومثل، وبين، ودون، وحين، ونحوها. فان كان ابن الأخضر، أراد ذلك، ففيه ما ذكرناه، وإن كان أراد غيره، فيفكر في وجهه. ومن جيد أنظامه قوله:
تفسيرُ ما شذَّ وما فشا وما ندرَ معْ ما بالضعيفِ وُسِما
فذو الشذوذ ما عن القياس قدْ حادَ قليلا وكثيرًا ما وَرَدْ
والنادِرُ القليلُ قيسَ أو لم يُقَسْ وما فشا بعكسهِ نُمِى
آخرها الضعيف وهو كلما ثبُوتُهُ فيه نزاعُ العلما
وقوله:
الجوْهرِي حَدَّثَ عن شيخِه الفارسيّ الأقدمِ اللَّوْذعِ
[ ٣٧٩ ]
أن سِوَى خَضّمَ أو بَقّمٍ أو بَذّرٍ أو شلّمٍ مَوْضعِ
خامسها عَثَّرُ منْ فعّلٍ اسْمًا منَ الأعرابِ لم يُسمع
يا ليتَ شعرِي ما الذي شمَّرٌ خلفهُ عنْ ذائهِ المنزع