هذا علم اشتهر به، واسمه مصطفى بن الشيخ محمد فاضل بن مأمين. هو العلامة الوحيد، له معرفة بعلوم الشرائع من الحديث، والتفسير والفقه، وغير ذلك.
وما جاء بعد الشيخ سيدي مثله، في إقبال الناس عليه وإنفاقه. حج في أيام السلطان مولاي عبد الرحمن - ﵀ - وتردد على السلطان مولاي سيدي محمد. وكان حظه في أيام السلطان مولاي الحسن، أحسن منه في أيام أبيه وجده، وهو في أيام مولاي عبد العزيز، أحسن من أيام مولاي الحسن، وصارت له مراكش أملاك طائلة، من زوايا، ودور، وبساتين، ومزارع، وكان هذا الشيخ فاضلا كريما، لا يوجد أحسن منه أخلاقا، وقد اجتمعت به حين خروجي من مدينة شنقيط إلى مراكش، في توجهي إلى الحجاز. ورأيت منه ما حيرني، لأني أقدّر من معه في وادي اسمار من الساقية الحمراء، بعشرة آلاف
[ ٣٦٥ ]
شخص، ما بين
أرملة ومزمن، وصحيح البنية، وكل أصناف الناس، وكل هؤلاء في أرغد عيشة، كاسيا من ذلك الشيخ، ويزوج الشخص ويدفع المهر من عنده، ويجهز المرأة من عنده، مع حسن معاشرته لهم، لا فرق عنده بين ولده والمحسوب عليه، ولا يمضي عليه يوم، إلا وقد بعث قافلة تأتيه بالميرة، وقدمت إليه أخرى تحملها، ومتى بلغ الإنسان قريبا منه، يسمع دوى مريديه يذكرون الله، وينشدون الأدعية، ورأيته في تلك الأيام التي أقمت عنده، لا تفوته صلاة الجماعة في أول الوقت، مع كبر سنه، وضعف جسمه، وبعد صلاة العصر، يسردون له الحديث، وهو يسمع، ثم يشرح لهم بعض المواضع منه، وكان الموضع الذي هو فيه صعبا، بعيدا من الأماكن التي تجلب منها الأرزاق، إلا أنه نفعه مرسى لُبيظ، إذ كان السلطان يملأ له البابور في كل أربعة أشهر، أو ستة، فينزله بها، وهي تبعد عن محله بأربعة أيام، أو نحوها، ولكن معظم المئونة، يأتيه من أكليميم وهو نحو عشرة أيام، ومن لحنيكات، ومسافتها اثنا عشر يوما، ومن آدرار، وهو قريب من العشرين، ومن سانكال. ويقال له: اندر. وهو قريب من شهر، وكثيرا ما تعدو عليه شياطين العرب، فينتهبون قوافله من جهة سوس وغيرها. وإنما كان الشيخ سيدي، أشد احتراما عند حسان منه، لان العرب الذين يحوطون بالشيخ سيدي، لهم رؤساء يطيعونهم، وهم أحسن دينا وأخلاقا من الذين في أرض الشيخ ماء العينين. ولم يزل نافذ الكلمة في المغرب. إلى أن وقعت الفتن، وازدادت الشرور.
ولما أراد الفرنسيون احتلال شنقيط وصحراءه، أرسل إليهم الشيخ ماء العينين، يحضهم على الدفاع، ويمنيهم بمساعدة السلطان لهم، وكانوا يعتقدون ان السلطان أقوى من الفرنسيين، فبعض القبائل سالمهم، وبعضهم جعل يقطع عليهم الطريق، ويحاربهم من بعيد بالهجوم ليلا ونحو ذلك. ثم إن الشيخ بعث إليهم أحد أشراف فاس، وأخبرهم بأنه هو خليفة السلطان عليهم، فقدموا إليه من كل
[ ٣٦٦ ]
الجهات، وكان
ذلك الشريف حازما مدبرا، فوقعت بينه أيام مع الفرنسيين، انتصر في بعضها، وخذل في بعض، فلولا قلة الفرنسويين، وكثرة الصحارى والجبال، لقهروهم في أوَّل وهلة، ولولا رداءة سلاح أهل الصحراء، وعدم انتظامهم في أنفسهم، لدافعوهم سنين كثيرة، على أنهم ما دخلوا ادرار، منذ دخلوا تيججك، الا بعد سنين، وهما كالشيء الواحد، ولولا ما بعدهم الشيخ ماء العينين به من إنجاد السلطان، لسلموا لهم أيضا، فطال الروغان، فلما علم الشريف بعدم الفائدة، رجع إلى فاس، لان العرب لما طال عليهم الأمر، فنيت مواشيهم، وكابدوا كثيرا من الشدائد، فصاروا يهربون إلى افرانس ويصالحونهم، ثم بقيت تلاميذ الشيخ ماء العينين، وما انضم إليهم من شذاذ الناس وصعاليكهم، يناوشون الفرنسيين، حتى احتلوا مدن آدرار، فتركوا محاربتهم، ولجأ الشيخ إلى تيزنيت، من أرض سوس، وتوفى - ﵀ - سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف.