بن أحمد بن عم، ويقال له: لعميم، وبه اشتهر في قبائل تندغ، ومن بجوارهم، يجتمع مع أكثر من تقدم في أبيج، كان شاعرا مقتدرا على نظم الشعر في أي روى، وعلى أي أسلوب، مع رقة ألفاظ وانسجام، وكان ممن جمع بين الشعر والأزجال على حد سواء، ويكفيه إنه ساجل محمد بن هدار الأحراكي، وكان غاية
في ذلك الفن فكاد يغلبه، ثم إنه أسر إليه وقال له: لا تفضحني في هذه البلدة، فإني لا أعيش إلا باعتقاد الناس أني منفرد في هذا الفن، فقال فيه ما يدل على تقدمه عليه.
وكان من أفراد عصره في معرفة البيان، وله يد في النحو والفقه، وأكثر من أخذ عنه، العالم النحرير أحمد بابا التندغى، واتفق إنه أنشد بيتين لنفسه، فبلغه أن أحد الأدباء ادَّعى إنه اشتراهما منه بثمانية أبيات، فقال:
أخيرًا هاجَكَ البَرْقُ اليَمانيِ وَتَذْكارُ المَعَاهِدِ وَالمَغَانِ
مَغَانٍ طَالَ لَهْوُكَ في رُبَاهَا بِآنِسَةٍ مُخَضَّبَةِ البَنَانِ
إِذَا بَرَزَتْ تَبَخْتَرُ بَيْنَ بيض حِسَانٍ يَنْتَمينَ إلى حِسَانِ
يُخَلْنَ إذَا يَرَزْنَ نِعَاجَ رَمْلٍ لدَى مَحْنا جَآذِرِهَا حَوَانِ
تَخَالُ الفَرْعَ لَيْلًا وَالمُحَيّا سِرَاجًا وَالقَوَامَ قَضِيبَ بَانِ
فبينا تنشدُ الأشْعَارَ قصْرًا وَنأْخُذُ في المقابِسِ وَالمَبَانِ
[ ٨٥ ]
وننحو النحوَ والتصريفَ طَوْرًا وَأطْوارًا نِميلُ إلى البَيَانِ
إذا بِفَتًى سَقُولُ شَرَى فُلاَنٌ بِذِي الأبْيَاتِ ذَيْنِكَ مِنْ فُلانِ
فقلتُ وَهَلْ صَدَقْتَ فقال قَوْلًا لَعَمرُ اللهِ ليسَ بمُسْتَبَانِ
فقلْتُ سَلِ الصّحَابَ فَلَسْتُ أصْغى إلى أقْوَال ذِي الجدَلِ المُعَانِ
أليس الشعرُ طوْعْ يَدِي وقلبي وَسَهْلَ الصَّوغِ وَيْكَ عَلَى لسَان
أَصُوغُ البيتَ مِنْهُ بلا عَرُوض على أقْوَى وأَقْوَمِ الاتزَانِ
وَأَنْفِ اللَّحْنِ والتَّعْقيدَ عَنْهُ بِذَوْقِي والقَرِيحَةِ وَالجَنَانِ
وَأَرْتَقِبُ المَحَاسِنَ من بعيدٍ وَأَقْتَنِصُ الشَّرُودَ مِنَ المَعَانِ
فأَكْسُو اللفْظَ بالأفطارِ حَلْيًا يُذَمُّ له اليْمينُ مِنَ الجُمَانِ
فلم تَحْسُنْ مُشاعرَتي لمَنْ لا لَهُ بِمَدَى مُشَاعَرَتي يَدان
وقال أيضا: وكان نزل بدكانه (بكاف معقودة، قرية لفرانس على شاطئ بحر يقال له أبجك، بألف وباء وجيم وكاف معقودة) وهو نهر يقرب من نيل مصر، وهذه القرية معدة للتجارة مع العرب، وأكثر ما يباع فيها العلك المعروف عند المشارقة بالصمغ، وكلاهما لغة صحيحة، ومن عادة أهلها أن صاحب العلك يفرش له ويقرى، اعتناء به، أما غيره فلا يلتفون إليه، وأبياته هي:
أمَا واليَعْمَلاَتِ منَ المَطايا ومكنونِ المحاسنِ منْ حَذامِ
لمِنْ رَيْبِ الزمان ومُعْتَدَاهُ مُقامِي في دَكان بلا مقامِ
كأني في المحافلِرو وهَمْزُ الوَصْلِ في دَرَج الكلام
وهذا المعنى أخذه من قول القائل:
أيها المدّعي سليما سفاها لست منها ولا قلامَةَ ظُفرِ
إنما أنت في سليم كواو ألحقت في الهجاء ظلمًا بعمرو
لكنه زاد عليه همز الوصل في درج الكلام، وكساه رونقًا بسلاسة ألفاظه.
ومن نظمه:
[ ٨٦ ]
ضُحّى زُرْت الحبيبَةً لا فقالَتْ مَتى تسعى وهَلْ لكَ من رُجُوعِ
فلمْ يَسْطعْ إجابتَها لساني فبادَرْتُ الإجابَةَ بالدُّموعِ
قوله - لا - معناه قدر - لا - فلا، هنا ظرف، وهذا المعنى أخذه من قول ذي الرمة:
تريك بياض لبتها ووجهًا كقرن الشمس أفتق حين زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلًا كلاَ وانْغَلَّ جانُبُه انْغِلالا
أي، فظهر بقدر ما يقول القائل لا. ومن نظمه قوله:
سَتُدْنينيَ اليْومَ منْ نُزْهَتي أمَيْمَةَ ذَاتِ الهوى الخالدِ
ثَلاثٌ تُقَرِّبُ ما قدْ نأى زمامي ورَحْاي وذو الشَّاهِد
وسافر من بلده، إلى الأمير أحمد بن الحاج عمر الفوتي في سَيْكُ (بكاف معقودة مضمومة من أرض السودان) فحظي عنده، وله في مدحه قصيدة ميمية سمعتها وهي في غاية الحسن، ولم أحفظ منها شيئا. وتوفي هناك في صدر القرن الرابع عشر بجدري أصابه ﵀. وله من أبيات:
سلا خِلّي سالبتي سَلاها لِمهْ سَلَت الفؤادَ وما سَلاها
سلا عن كلّ فاترة رَداح من البيض النّواعم ما خلاها