واسمه محمد، ويقال له محمذ - بالذال المعجمة - مصحف محمد، هو العالم الوحيد الذي ما له من نديد. قيل إنه أحد أربعة، لم يبلغ أحد في ذلك القطر مبلغهم، وهم: ابن رازكه المترجم أوَّل الكتاب، ثم ابن الحاج إبراهيم، الذي تقدّمت ترجمته ايضا، ومحمد اليدالي الآني في موضعه. هكذا قالوا.
وكان المختار بن بون، أحق بكونه في موضعه، لأنه أستاذه: ولأن المحققين يقولون: إن الحق مع ابن بون في المسائل التي خالفه فيها، ولا شك إنه كان من
[ ٢١٤ ]
العلماء الأجلاء. وكان أعظم تلامذة ابن بون من اليعقوبيين، ثم وقعت بينهما وحشة شديدة، حتى تألبوا عليه كلهم. وكان ابن بون يذكره في أشعاره بما كان يعاني من نصيحته فما أفاد ذلك، ومات في حياة المختار بن بون، فقال قصيدة مطلعها:
أودى الضلال ألا فليفرح الجذَلا من عاش مضل شاقق الرسلا
فنقضها مولود المتقدم بقصيدة مطلعها:
أودى الكمال ألا فليفرح الجذلا من لا يموت ومن لا ينقضي أجلا
وقد ألف العلامة، محنض باب بن اعبيد الديماني، رسالة في تضليله، وهذا لا يقدح فيه، لما هو مشهور عن العلماء من قديم.
واتصل بالسلطان سيدي محمد بن عبد الله، ونال الحظوة عنده. ورحل إلى المشرق، وأكرمه أمير مصر، وبالجملة فقد كان غاية في الفهم، ويكفيه أن الصالح الصوفي سيد أحمد بن إدريس الفاسي تلميذه، ورجع إلى أرضه ومات بموضع يقال له بير إبكن (بهمزة مكسورة وياء ساكنة وكاف ساكنة معقودة ونون
مكسورة) ولم أحفظ من شعره شيئا، وإنما رويت له أبياتا، فيما ورد من كلام العرب، على فاعول، ولامه سين، وهي:
خُذْ ما أتى وزن فاعول وآخره سين فمنه لداء الظفر داحُوسُ
وقيل للنار مأموس وموضها أيضًا كذاك وبعض الطير طاووس
وللنصارى بأوقات الصلا يرى ضربٌ لعودٍ وذاك العودُ ناقوس
ومظلم الليل داموس وصاحب س ر الشرّ والخير جاسُوسٌ وحاسوسُ
وللأخير بناموس مرادفة وللعواقلِ في الحيَّاتِ فاعُوسُ
وذو النمامةِ فانوس وفي بقَرٍ نَوْعٌ يقال له بمصر جاموسُ
والبحر معظمه القاموس عندهم وللرَّضيع من الأطفالِ بابوسُ
[ ٢١٥ ]
ووزن فاعلة من دَبَّ متِسمٌ بها اسمُها عندهمْ فاحفظه عاطوسُ
وله في الموشح، يتذكر بلاده وأصحابه، لما كان في المشرق، وهذا النوع يسميه أهل الصحراء، الغناء بالعربية، وتقدم تعريف الغناء العادي عندهم:
يا مَنْ يَرى ولا يُرى عَني الكرُوبَ نَفّسِ
لقد نفى عنى الكرى شَوقي لأهلِ تِيرِسِ
واجعلْ لأمر عَسُرا يُسْرًا بلا تَعكُّسِ
لَهْفي عليهم نُبَلا مُهَذّبين فُضلا
إنْ قيسَ معبدٌ على غِرِّيدهم كالأخْرَسِ
أوْ قِيسَ سَحْبانُ على بَليغِهمْ لم يَنْبَسِ
حُبُّ المهَيمنِ جَرى في الدَّمِ منهمْ وسرَى
وامتثلوا ما أمرا بهِ أجلَّ قبسِ
واجتنبوا ما حَظرا منْ خبثٍ ورِجسِ
منزِلُهُمْ رَحْبُ الذرى وكومُهمْ شُمُّ الذرى
فاقُوا جميعَ مَن قرى وحَط بالأباخِسِ
همُ كرامُ ذِي الورى همُ ثمالُ البائسِ
[ ٢١٦ ]