(بذال معجمة مكسورة منونة) مصحف محمد البوحسني ثم البانعمري، وهو من قبيلة الذي قبله: شاعر مجيد رقيق الألفاظ سلسها، وقد رأيته، وهو أسمر، وكف بصره في آخر عمره، وكان يقول إذا سمع الناس يطرون الأحول الآني: أنا أشعر منه وأحول، وكان القياس أن يقول: وأشد حولا،
[ ٢٩٩ ]
لأن أفعال العاهات، لا يأتي منها فعل التعجب، ولا اسم التفضيل. وإنما جرى في ذلك على مصطلح العامة، وكان في صدر القرن الرابع عشر. ومن جيد شعره يمدح الشيخ سيديَّ:
قفا نَستَنْطِقِ الدّمِنَ البَوالي ونبكي أعصُرَ اللهْوِ الخوالي
قِفا بي لحظة أسكُبْ دُموعي بأغْبَرَ موحِشِ العَرَصاتِ بال
بشقّ البَيْتِ غيَّرَهُ السّوافي وأقدَمَ عهدَهُ مَرَّ الليالي
تكنسه ذواتُ شوًى ضئالٍ مكانَ مَهيً ذواتِ شوَى خِدالِ
وكم غَنِيَتْ بساحَتهِ عَرُوب تبسَّمُ عَنْ عَوارِضَ كللّئالي
خَدَلّجَهُ المُخَلْخلِ عُلَّ فُوها شآمِيةً كلوْنِ دمِ الغَزالِ
تماطلُ بالمؤَمل من جناها بُغَاتِ البُسْلِ هيّنَةُ الحلالِ
فدعْ هذا ولكنْ ما لسلمى كلفت بها وترْقَبُ عنْ وصالي
تأوَّه إن تغمدها نحيفٌ يضمُّ لحاقُهُ شخصَ الهلالِ
وعابَتْ خِلقتي والعضبُ يلفى صقيلا تصله والجفن بال
وقافيةٍ بذلْتُ الوسْعَ فيها لتصلحَ أن تُزَفَّ إلى الكمال
أُحاوِلُ أن أضمنَها خِلالا تَضَمَّنَهَا فمنْ لي بالمُحال
إمامٌ في مصالح ذي البرايا وفي كسبِ المَحامدِ غيرُ آل
يقصر عن مداه أبو عدِيٍّ ويحيى وابنُ مامةَ في النوالٍ
وتَخْجَلُ مِنْ سَناهُ إياتُ يوحٍ فتكسفُ حين تدنو للزَّوال
ولم أرَ قبلَ مسجدِهِ مَصلىًّ تضمَّنَ وابلًا سَرِبَ العَزال
[ ٣٠٠ ]
يداه غمامتانِ على البراسا على التدآب دائمتا الهِمَال
فذي عمَّتْ بصَيّبِهَا وهَذي تخصُّ به ذوي الهمم العوالي
تجرَّد للعُلى شيخان يبغي مقامات عَصين على الرجال
لمعترٍّ وجارٍ وابنِ عمٍّ وأرملةٍ تُؤَاكلها الموال
وعَرْجَلةٍ من الغرْباءِ شُعْثٍ من اللّؤْاواء تجْأر كالسعالي
جَمَعْتٌ على مُكلَّلةٍ رداحٍ كجابيةِ المخوّلِ وفْرَ مالِ
وعانٍ قد فككتَ ومستضيفٍ حَضأتَ له الزَّخيخ على التّلال
كِلا الغَوْثين علكَ قهوتيه ولم تترك لغيرك من فضال
فرحْت ولا يعابُ عليك فعِلٌ ولا ألفيتَ مغلوبا بحال
تخالقُ بالجميلٍ الخَلْقَ طُرًّا وأنْتَ معَ الخليلِ الفردِ خال
حوتْ ما دون مرتبة التنبّي يداكَ من المكارمِ والمعالي
وأنت إذًا من الثقلين طُرًّا بمنزلةِ اليمين من الشمال
هذا ما تذكرت منها، وما أدري أبقي منها شيء أم لا. وسمعت بعض الأدباء، يحدث انه كان مقيما عند الشيخ سيديَّ، وكان يقابل مع بعض تلامذته الحماسة، فمر ببيتين وهما:
ما استحسن الناسُ من أكرومة سلفت إلا رأوها على استحسانها فيكا
ولا تحلوا بمعنى يستحب لهم إلا وكان معارًا من معانيكا
[ ٣٠١ ]
فضمنهما قصيدته الآتية، ولعل مراده حماسة أبي تمام، فإنهما لا يوجدان بها، والقصيدة هاهي:
ودق الرَّواعيد نزرٌ من أياديكا ونفحةٌ المسك هبَّتْ من نواحيكا
ومن جَداك استَمدَّ البحرُ مادته فما جرى البحر إلا من جداويكا
والشمسُ تخجلُ من أنوار غُرَّتكم كما تضاَءل رَضْوي أنْ يساميكا
تدنى القَصيَّ متى قصاه أقربهُ حتى يرى أنه أدنى مواليكا
نيل الأماني قليل من تفضلكم على جميع الورى في حَقّ عافيكا
وقد أرى الناسَ فيكم ينشدون وما منهم محيط بأدنى من أدانيكا
ما استحسن الناس من أكرومة سلفت إلا رأوها على استحسانها فيكا
ولا تحلوا لمعنى يستحب لهم إلا وكان معارًا من معانيكا
مرآهمُ الظلَّ يدعوهم لما وصفوا حتى رأوا أن ذا وصف يكافيكا
وهل تنال بمرأى الظلّ معرفةٌ أم كيف وصفك مجهولا بماحيكا
فشأنيَ الصُّمْتُ إنّ الصُّمْتَ أبلغُ من نُطقِ الألى زعموا أن بالغوا فيكا
أقررتُ بالعجزِ عمَّا فيك يا أملي إذْ فيكَ ما فيك مما اللهُ مُوليكا
أقررت بالعجز عن أدنى حُلاك فلا تحْرِمْ نوالك ملهوفا يناديكا
وقال ايضا، وهو مقيم عند الشيخ سيديَّ:
أهلًا وسهلًا بطيفِ الخودِ فاطمةٍ لكنَّ ربقةَ آلِ الشيخ في عُنقِ
طافتْ بنا بعد تهجيعٍ فقلتُ لها بنتَ الكِرامِ ألا لا وصل فانطلِقِ
لا تَحْسبي نفثاتِ الشيخ مبقِيَةً مَرمى لنبلِ لحاظِ الجُؤذُرِ الخَرِقِ
لو كنتُ أصبو إلى خَودٍ لكنتِ ول كن ليس وصْلُ الغَواني اليوم من خُلُقِ
لا ينبغي لامرئٍ أمْسى تعلقُهُ بالشيخ يصبو إلى الجيدانةِ الفُنُقِ
[ ٣٠٢ ]
ما حضرة الشيخ ملهى عاشقٍ كلفٍ ولا الكلى والعُجَى يُجْمَعْنَ في شُدُقِ
وقال أيضا:
يا باحثًا عن طباعي كيْ ليعْرِفَها فِعلى يُعبّرُ عنْ ما رُمْتَ تعبيرا
إني امرؤ لم تكنْ يا زَيدُ راحَتُهُ ولم يكنْ مالهُ يوْمًا دنانيرا
لكنما تلوه التمييزُ مُظِهرةٌ ضَرِيبةَ المَرْءِ إنْ لؤمًا وإنْ خيرا
وقال أيضا:
أميمةُ إنْ يكنْ خَلقًَا ردائي فقدْ يَبلى جفيرُ الهِندواني
وإنْ يك يا أميمُ الجسم خلاّ فما يُزرى النحولُ بأفْعُوَان
وإنْ لم ألفَ ذا مالِ فإني أنا الطرْفُ المضمَّرُ للرِّهان
وقال أيضا: وقد نزل عند امرأة ضيفا، وهي لا تعرفه، فلم تفرشه، ولم تكترث به فمر به إنسان يعرفه، فلام المرأة، وعرفها بضيفها، فاعتذرت إليه، فقال:
نزيلَك فأمنى أبدًا أذاه نزيلٌ غيرُ مرهوبِ المصال
ضعيف لا يُخَاف البطشُ منه عفيف لا يسب على النوال
قراهُ إذا ألمَّ بأرْضِ قومٍ مُفاكهةُ اللبيب من الرجال
وقال أحد أدباء قبيلته بيتين يفخر بهما. ورد هو عليه ببيتين من رويهما، أو العكس، وللأول منهما:
[ ٣٠٣ ]
فما بالشعر كان المجد مني ونفسي ليس ذلك منتهاها
فإني قد أرى الشعراء تحتي عصافيرًا تطاردها بُزْاها
فقال الثاني منهما:
أنا ليث الشرى أحمى عريني بِعُصْل غير مفلول شباها
وهل تخشى بزاة أو صقورًا ليوثُ الغاب تزأَر في حماها
ومن جيد شعره، وقد بقى فريدا ليس معه غير كلب يقال له، فيداح:
أصخْ لسرد قريض الشعْرِ فيداحُ إن كنت ممن لسرد الشعر يرتاحُ
قد أصبح الشعر عمري لا رواة له إن لم يكن من رواة الشعر فيداح
نعمَ المرافقُ لولا قبحُ منظرهِ ينفي الذئاب إذا يعوي فتنزاح
إنْ يطرِحونّي أرْضًا لا يُصاحُبني إلاّ ألص هريت الشدقِ نبَّاح
فقد يُسامرُني في مجلس عَطِرٍ شُمُّ الأنوفُ لهم كُتْبٌ وألواح
وقدْ أعارلُ جماَء العظام على أنْيابها العنبر الهندي والرَّاح
ورأيت له قصيدة جيدة، ومطلعها:
إنّ الدَّيار بجنب ذات الجيأل هاجت عليك عماية لا تنجلي
ومات - رحمه الله تعالى - في أوائل القرن الرابع عشر.