(بالذال المعجمة المنونة المكسورة) مصحف محمد فال. علامة جليل وصالح نبيل، أذعنت العلماء لعلمه، وتضلع كثير من الزوايا من معينه، وصار حرما آمنا يفر إليه الخائف فيأمنه، وما خفر ذمته أحد من حسان، غير اعمر بن احميده التروزي وقومه، فانتقم الله منهم. وذلك أن ابن احميده المذكور، وتره أحد أبناء السيد، بأن قتل بعض أقاربه، ففر إلى الشيخ، فأجلسه بين كتبه، وكلم ذلك الرجل، في ترك الملتجأ إليه ما دام عنده. ويقال أن والدة الشيخ قالت له. إن غدرت بهذا الملتجئ إلينا، يخرج فيك الرصاص من مؤخر البندقية، فلما خلا بأصحابه، قال لهم: أنا أريد أن أضرب
[ ٣٤٣ ]
هذا الشخص ومن معه، فان خرج السلاح علىَّ فانتهوا، وإن خرج من فم البندقية فاضربوهم، وإني جربت سلاحي، فإن الرصاص لا يخرج إلا من مقدمه. فضربوا الناس وقتلوهم. وفي ذلك يقول بعض تلامذة الشيخ، قصيدة مطلعها:
هتكتمْ حريم الشيخ لا زلتموا نهبا لمن أمكم شرقا ومن أمكم غربا
واستجيب دعاؤه، فإنا أدركنا هم لا يخرجون من فتنة، إلا دخلوا في أخرى. وهذا مشكل، لان الحرم المكي لا يعيذ عاصيا. ولا فارا بخربة. ونشأ صاحب الترجمة يتيما، وكان مقلا، فبعثته أمه وهو صغير، إلى أحد العلماء ليتعلم عليه، فبدأ بقراءة الآجرومية. ثم إن الشيخ ما اكترث به، وصار يجيء إليه ليفسر له درسه، فيشتغل عنه بالتفسير لغيره، فضاق صدره وبكى كثيرا. ثم فتح الله عليه دفعة واحدة، ورجع إلى أهله، وشاع خبره، وانثالت إليه الناس، وأقيلت عليه الدنيا، وكان كريما صالحا يتبرك به. ومن شعره:
أنا الفقيرُ وفقر المرء ذا ضرع بالله صدق إلى مولاه محض غنى
ومن رأى أنه بالمال حاز غنى قد كان في زعمه ما حاز غير عنى
وكان مولعا بالعربية خصوصا، ويحرض الناس عليها، وله في ذلك:
تعلمَ اللغة شرعا فِضّلٍ على التخلي لعبَادة الجليل
يؤخذ ذا من قوله وعَلّما آدمَ الأسماَء الزم التعلُّما
يعنى النوافل، وله أيضا في التحريض على طلب العلم، وحضور مجالسه:
عليكَ بالتعليم والتعلم ذا رغبة في أجره المعظم
ولا يَزْعك عن حضور العلم وأهله أن لم تكن ذا فهم
فإن في الجلوس عند العالم سبعَ كراماتٍ لغير الفاهمِ
تحصيل فضل المتعلميناَ وحبسهُ عن الذنوب حينا
معَ نزول رحمة الله علَيْه عند خروجه بنية الَيْهْ
وأنه له نصيب يحصل مما من الرحمة ثمَّ ينزل
[ ٣٤٤ ]
وإنه ما دام منه سامعا فإنه ممن يعد طائعا
وضيق قلبه من الحرمان وسيلة لرحمة الرحمنِ
وأن يرى العالم قد أُجلًا في الناس والفاسق قد أُذِلاَ
فطبعهُ ثمَّ إلى العلم يميلْ عسى عليه الله يفتح الجليل
لذا النبي بحضور العلما أمرنا فلازم التعلما
صلى عليه الله كل حسين والآل والصحب مقيمِي الدين
عزاه للتحفة في نور البصرْ عن السمرقدِ الهلاليّ الأبرْ
ومن نظمه:
من طلب العلم يبارى السفها بعلمه أو ليمارى الفقها
أو لينال العز عند الناس باء بنار وهوذ وإفلاس
وكل أبناء هذا الشيخ فضلاء ملحوظون بعين الإجلال، وعبد الرحمن ابنه مجيد.
وما رويت له إلا بيتين تقدما، ومات صاحب الترجمة في عجز القرن الثالث عشر، وقد عمر