علامة شنقيط، وهو عقدها الوسيط، البدر المنير، والعلامة النحرير. سيف الله القاطع، وغيثه الهامع، شمر عن ساعد جده، وأدرك العلوم بفهمه وكده. هو مدره عصره، وعلم مصره، أبرزه الله لأهل إقليمه بدرًا منيرا، وللصادين عذبا نميرا. ما ضاعت أوقاته، ولا خابت عفانه، وكان عند حسان حرما آمنا، وحصنا حصينا ساكنا، وإليه مرجع العلماء إذا اختلفوا، وما ظنك بمن كان يصلح لابن بون وهو هو، فقد وجده يحرف بيتين، أحدهما قول الشاعر.
[ ٢٣٦ ]
مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم
فإنه كان يقرأه: من الرياح النواسم، فإنه من شواهد النحو، والشاهد فيه تأنيث الفعل المسند إلى مر، وهو مذكر، وإنما اكتسبت التأنيث من إضافته إلى الرياح، وقد بعث المختار المذكور لغزا في لفظه جاء إلى بني ديمان، في أبيات نظمها، فأجابه محنض باب بشطر، وجعل الثاني لغزا، وأول أبيات المختار:
ألا يا بني ديمان لازال مرتحل إليكم يريد المعضلات من المضل
وضاع مني آخرها، وبيت محنض باب:
لعل مراد الشيخ جاءٍ ومن لنا بحرف يثنيه ويجمع من عقل
يعني الكاف في ذلك، فإنها حرف تتصرف تصرف الكاف الاسمية، والحروف لا تتصرف.
وقد أراد إنسان ممن له به اتصال، أن يضبط شغله، قال: فرأيته في وقت الصباح، يسوق بقرة إلى موضع الرعي، ثم يذهب، والقدوم على عانقه، يقطع بها أعوادا من الشجر الرطب، ليطوى بها بئرا يحفرها في محل صعب، ثم يعود بكثير منها على عانقه، ثم يرجع إلى البئر ليقف على عبيده المكلفين بحفرها، ثم يرجع ليدرس للطلبة، ثم يشتغل بقرى الأضياف، لانه كان مورودا، ثم يبقى هكذا إلى أن تنام الناس، فيشتغل بتصنيف كتابه (ميسر الجليل على مختصر خليل) وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. ولما اظهر ابن الأمين بن الحاج الشقراوي، أمورا تخالف مذهب الفقهاء، ألف في تضليله، لينفر الناس من تلك الأقاويل، وكان ابن الأمين المذكور تخافه الناس لعلمه وسلاطة لسانه، فهجاه ولم يبال بذلك، كما سيأتي بيانه، وما زال يوضح للناس فساد شبهه، حتى حبط مسعاه، ووقعت بينه وبين إدييج الكمليلي مخالفات، ولما هجا التجانيين، قال فيه، وفي أمثاله منظومة منها:
نَهوا عَنِ الطريقِ مَنْ أرادَها وأنكرُوا لعًا لهمْ أورادها
[ ٢٣٧ ]
أليستْ الطريقُ ذكر اللهِ والنهيُ عنهُ منكر يا ناه
وأنكروا الجمع والاجتماعا للذكر وهو جائزٌ إجماعا
جرى على ذلك مذ أعصار شرقًا وغربًا عمل الأمصار
فوقع الإجماع بعد الخُلْف فيه فجاز اليوم دون خُلف
وله في النحو أنظام كثيرة، ومنها (نظم الجموع المحفوظة عن العرب) على ترتيب نظم ابن مالك في ألفيته، متبعا لكل مقيس ما حفظ فيه. وله قصيدة يمدح بها العلويين عامة، وأبناء القاضي خاصة، ومطلعها:
دع المدْحَ يَسْعى في مسارحهِ يرعى ولا ترعه إلا كلًا طيْبَ المرْعا
فعم به في إيد وعل وخصصن بني شيخنا قاضي القضاة نجد مرعا
فجدهم أستاذ تاشمشَ كلهم قد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا
لهم ذمة لا تنقِضش حُرُماتها يحق لهم طول الدهار ير أن تُرعا
وقد أجابها حرم بن عبد الجليل المتقدم، بقصيدة لم يبق في ذهني منها الا قوله:
فلا يحْسُنُ العقدُ النفيسُ جواهرًا إذا لم يكن في جيد غانية تلعا
ومن نظمه:
ليس من أخطأ الصواب بمخط إنْ يَؤبْ لا ولا عليهِ ملامَهْ
إنما المخطئ المسييءُ الذي إن وضح الحق لج يحمى كلامه