قدم محمد محمود من القسطنطينية، ونزل عند فضيلة السيد عبد الباقي البكري ﵀، ووافق ذلك عيدا من أعياد المسلمين، فقدم شيخ المالكية المذكور، يهنئ السيد البكري، ومعه جمع من العلماء، فيهم الأستاذ الرافعي، فلما جلسوا، واطمأن بهم المجلس. قال الرافعي لمحمد محمود، وكان يعرفه، وقصد أن يوقع بينه وبين البشرى: شنآنا يا مولانا، تنصرت بعدنا حيث لبست الخف الأسود؟ فرد عليه بأن قال له: ما فعلت إلا السنة، فقال البشرى: أجمع على كراهة لبس الخف الأسود. فقال له محمد محمود: ثبت في الصحيح ان النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين، فلبسهما، ومسح عليهما، فما لونهما؟ فقال: لا أدري. فقال محمد محود: عجبا لك: تدعى الإجماع، ثم تقول لا أدرى. فقال الشيخ بسيوني، الذي كان إماما للحضرة الخديوية: أن هذا، وأشار إلى الأستاذ السيد الببلاوي،
يزعم أن عليا ﵁، لبس خفين أصفرين، فقال له: ذلك خارج عن موضوع المسألة، فسكت الجميع. وكان في المجلس أحد الأفندية من
[ ٣٩٠ ]
المصريين، فخاطب محمد محمود المذكور، قائلا: يا مولانا، أفدنا عن لون الخفين المذكورين؟ فقال له: سأعلمه للعوام، فتلقوه من هناك. فانفض المجلس.
ثم إن محمد محمود، أراهم الحديث في الشمائل، وأن الخفين كانا أسودين، فمبلغ ذلك الأستاذ البشرى وقال: إن في رواته ضعيفين، فهو غير مقبول. وألف في ذلك رسالة. وقد احتج يوما على بعض علماء الأزهر، بأن في الحديث راويين ضعيفين. فقلت له: أن الضعيف لا يرد إلا بما هو أصح منه، وإن الشيخ البشرى أضعف منهما، فلوى شاربيه، فسكت عنه. ولعله ظن أني أحقر البشرى بذلك، وليس الأمر كما ظن، بل لأن أقوى أهل عصرنا هذا، لا يبلغ في السنة مبلغ أضعف من تقدم، خصوصا من روى عنه الترمذي. ولا يخفى أن المسألة دخلها تعصب كبير. فلو فرضنا إن الكراهة مبنية على أن الجلد الذي صنع منه الخفان ميتة، لما كان ذلك مانعا!! أليس الدبّاغ يطهره؟ وإن عللناه بأنه من ذبائح النصارى، فإن ذبائح النصارى يباح أكلها. فكيف بجلد دبغ، على إنه من المعلوم عند المشارقة، إن القسطنطينية لا يذبح فيها غير المسلم من قديم. وإذا صح أن رسول الله ﷺ، لبس خفين من صنع أهل الكتاب أصفرين، فهلا كان ذلك دليل على جواز لبسهما لو كانا أسودين. لأن اللون لا عبرة به إذا لم يكن فيه نص، وكيف ومن المعلوم إن خفاف النصارى، كانت سودا في القديم وقد نص ابن السيد في شرح (أدب الكتاب): على أن النصارى معروفون بلباس الخفاف السوداء، في شرحه لبيت الشماخ، يصف أسؤق النعام:
وداويةٍ قفْرٍ تمشى نعامُها كمشي النصارى في خفاف اليرندج
فاليرندج: جلد أسود، وأضاف الخفاف إليه، لأنها تصنع منه، وشبه أسؤق النعام،
بأسؤق النصارى لا بسين الخفاف، ووجه التشبيه هو السواد، فلا وجه لإنكار سواد الخفين، اللذين أهدى النجاشي إلى رسول الله ﷺ، وهذا لفظ حديث الترمذي (حدثنا هناد بن السري، حدثنا وكيع عن دلهم بن
[ ٣٩١ ]
صالح الكندي، عن حجير بن عبد الله عن ابن بريدة، أن النجاشي أهدى للنبيّ ﷺ، خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما). (حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الحسن بن عياش عن أبي إسحاق عن الشعبي، قال: قال المغيرة بن شعبة: أهدى دُحية للنبي ﷺ، خفين فلبسهما) الخ الحديث. وأكثر هؤلاء الرواة روى عنه أهل الكتب الستة. وقد راجعت ابن حجر في تراجمهم، فلم ينص على جرحه أحد منهم. وكيف يسوغ للبشرى، ان يعارض أحاديث الترمذي، بغير أحاديث تقاومهما.