وحتى أستطيع مناقشة الآراء السابقة لا بد أولًا من النظر للمخطوط الذي بين يدي، وعرض مادته ومحتواه ومنهج المؤلف في ترتيبه، وبذلك يشاركني القارئ الرأي، ويصوبني -إن جانبني الصواب- فيما ذهبتُ إليه.
فالكتاب المراد تحقيقه نصٌ في التراجم، سقط منه أوله بمقدارٍ لا أستطيع التثبُّت منه يقينًا، ولا من محتواه كاملًا، كما أذهب السقط بالعنوان ومقدمة المؤلِّف، وإن كنتُ قد استطعتُ أن أخمِّن محتوى السقط وفقًا لما وصلني من منتقاه، والذي انتهج في ترتيبه منهج أصله، فبدأ بتراجم المحمدين، تلك التي سقطت ضمن ما سقط، مع تأكُّدنا من أمانة المنتقي فيما ينتقيه اعتمادًا على توافق التراجم الموجودة لدى كلٍّ منهما في محتواها (^٢).
فبداية المنتقى بتراجم المحمدين وضياعها من الأصل، حفظ لنا بعض هذا الجزء المهم من
_________________
(١) ص ٣١٥ - ٣١٦.
(٢) وردت التراجم رقم ٥، ٦، ٣١، ٣٤، بتطابق تام بين الأصل والمنتقى.
[ ١٠ ]
الكتاب إذ وصلنا من المنتقى سبعٌ وعشرون ترجمة، إضافة إلى عدد من التراجم الأخرى التي سقطت ضمن أوراق أخرى فُقدت من الأصل، وعددها خمس عشرة ترجمة.
فالأصل إذن كان يبدأ بتراجم المحمدين -وهو نمط اتبعه بعض المصنِّفين- ثم بتراجم حرف الألف، ثم حرف الباء، وسقط من الأصل وحفظ لنا المنتقى منه ترجمة واحدة، ثم يخلو الأصل والمنتقي من حروف التاء والثاء والجيم، ثم حرف الحاء، ثم حرف الخاء وسقط من الأصل، وحفظ لنا المنتقى منه ترجمة، ثم باقي الحروف حتى وصل إلى الضاد المعجمة، فأبان بالأصل خلوه من التراجم، ثم باقي الحروف على الترتيب.
هذا عن الترتيب، أما عن المحتوى، فهو تراجم كوكبة من علماء ذلك العصر -وخاصة تراجم المحدِّثين منهم- عددهم أكثر من ثمان مئة وخمسين ترجمة -بإضافة الأصل والمستصفى من المنتقى معًا- منهم شيوخه، فمن ذلك:
* ترجمة الشهاب أحمد بن أبي الفرج بن البابا، برقم (٦٧)، قال: "قرأت عليه أكثر (الإلمام) لابن دقيق العيد".
* وترجمة زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي، برقم (٣٣٦)، قال: "سمعت عليه قطعة من (صحيح مسلم)، وقطعة من (الترغيب) للأصفهاني، و(الأربعين) للنووي".
* وترجمة جمال الدين عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري، ابن شاهد الجيش، برقم ٣٥٧، قال: "سمعت عليه (صحيح البخاري) ".
ومنهم شيوخ شيوخه، وكثيرًا ما يُعبِّر عنهم بقوله: حدثونا عنه، أو حدثنا عنه ، ومن هؤلاء:
* صفي الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري، ترجمة رقم (٧٢).
* جمال الدين أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهري، ترجمة رقم (١٠٠).
* أحمد بن محمد بن أبي القاسم الأنمي الدشتي، ترجمة رقم (١١٧).
[ ١١ ]
وتنحصر وفيات هؤلاء العلماء خلال الفترة ما بين سنتي ٦٩١ هـ، ٧٦٤ هـ (^١).
أما عن منهجه، فهو يبدأ بذكر اسم المترجم له كاملًا، يتبعه بتاريخ مولده -إن وجد- ثم بشيوخه وما سمعه عليهم، ثم بتلامذته وما سمعوه منه، ثم بتاريخ وفاته.
وقد يورد في بعض الأحيان ما تقلَّده المُترجَم له من وظائف إدارية أو علميَّة.
ولا يخفى على المطِّلِع على هذا المنهج أنه قريب من منهج المحدِّثين -ولعل هذا جاء تأثُرًا منه بالعلم الذي نبغ فيه- كما أنه قريب من المنهج الذي خطَّه المنذري في كتابه: (التكملة)، وسار على منهجه مَن تبعه ممَّن ذيَّل عليه، وعليه وجب السؤال عن مخطوطنا، لأيُّ الذيلين يتَّبع؟، أو بالأحرى: أي ذيلٍ ثبت لابن أيبك، فذيَّل عليه الزين العراقي؟.
يُعْتبر الصلاح الصفدي أقدم مَنْ ترجم للشهاب ابن أيبك في كتابه: (أعيان العصر) (^٢)، ولمَّا كان الصلاح قريب العهد به، إلى جانب كونه مؤرخًا مطَّلعًا على أكثر مصنفات عصره في هذا الفن وغيره، فتُعدُّ شهادته القول الفصل، وعليه، فإنه لم يُثْبِت لابن أيبك ذيلًا على (وفيات الأعيان)، وإنما أثبت له ذيله على (صلة التكملة لوفيات النقلة)، فقال: "وأرَّخ الوفيات ذيلًا على الشريف عز الدين".
وتبع الصفدي فيما ذهب إليه التقيُ الفاسي في (إيضاحه) كما سبق وأشرت، ونقل ابن قاضي شهبة في (تاريخه) (^٣) عن شمس الدين الحسيني مما لا يوجد في (ذيله على العبر) قوله: "وذيَّل على الوفيات للشريف الحسيني، كتب فيه إلى حين وفاته".
بل إن الزين العراقي نفسه لمَّا عدَّد كُتب الوفيات في شرحه لألفيته (شرح التبصرة والتذكرة) (^٤) ووصل إلى ابن أيبك، قال: "وذيَّلتُ على ابن أيبك". وبذلك فقد أثبت بنفسه
_________________
(١) راجع ترجمة رقم ١١٩، ١٢١.
(٢) ١: ١٧٥ - ١٧٦.
(٣) ١: ٥٦٢.
(٤) ٢: ٢٩٦.
[ ١٢ ]
أنه ألَّف في وفيات نقلة العلم وذوي الشأن ذيلًا على كتاب سلفه ابن أيبك الدمياطي، وأقرَّه على ذلك تلميذاه: ابن قاضي شهبة في (تاريخه)، فقال: "وعمل وفيات ذيلًا على ذيل أبي الحسين بن أيبك"، وابن حجر، حيث عدَّد في مقدمة كتابه: (الدرر الكامنة) مصادره التي اعتمد عليها، فقال (^١): "و(الوفيات) للحافظ شمس الدين أبي الحسين ابن أيبك الدمياطي، و(الذيل) عليه لشيخنا، أبي الفضل بن الحسين العراقي".
أما السخاوي الذي تأخَّرت وفاته عن شيخيه، ولم يتصل بالزين العراقي اتصالهما به، فقد خلط بين (ذيله على وفيات) الشريف الحسيني وبين (ذيله على العبر)، فذكر ما سبق أن أثبتناه سابقًا (^٢) وهو في ظني وهمٌ منه، ويُجلَّى بأمور:
* أولها أن (ذيل) الزين العراقي على العبر ابتدأه من سنة ٧٤١ هـ، وانتهى به سنة ٧٦٣ هـ، وفق ما صرح به مقدمته قائلا: "فأنا أذكر في هذه الأوراق (ذيلًا) على (العبر) للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، يلي (ذيله) الذي ذيله عليه، فإنه انتهى في (العبر) إلى سنة سبع مئة، وقد كنت قبل هذا بزمن طويل ذيَّلت من هنا، ثم رأيته ذيَّل عليها إلى سنة أربعين وسبع مئة، وقع لي بخطِّه، وفي عقبه (ذيلٌ) لصاحبنا الحافظ أبي المحاسن محمد بن علي بن محمد بن حمزة الحسيني، وكان في ملكي، ثم فقدته من سنين، فلم أظفر به إلى الآن، وهو بخط مُذيله، وما أظنه نقل منه شيء، فإني ابتعته من تركته، فرأيت أن اقتصر على ما ذيله الذهبي من سنة إحدى وأربعين وسبع مئة إلى زماننا مستمدًّا من الله حُسن المعونة … " (^٣)، وما صرَّح به ولده في بداية (ذيله) (^٤) على (ذيل) أبيه، كما أنه لم يُثْبِت أحدٌ لابن أيبك (ذيلًا على العبر) ليذيِّل عليه العراقي.
_________________
(١) ١: ٥.
(٢) راجع ما سبق، ص ١٠.
(٣) من مقدمة ذيل العبر، نسخة خطية ملحقة بكتاب العبر، من محفوظات مؤسسة زيد بن علي الثقافية.
(٤) الذيل على العبر، ص ٤٩.
[ ١٣ ]
* ثانيها تفرقة المتقدِّمين في نقولهم بين الكتابين، ومثال ذلك أن ابن خطيب الناصرية (ت ٨٤٣ هـ)، فرَّق في منتقياته ضمن مجموعه (^١) بين الكتابين، فعنون منتقاه من (ذيل العبر): "هذا منتقى من (ذيل) الحافظ العراقي على (ذيل العبر) للذهبي"، وعنون منتقاه من (الوفيات): (منتقى من تاريخ العراقي)، وقال في الخاتمة: "آخر المنتقى من تاريخ العلامة الحافظ زين الدين العراقي". وكأنه سمَّى الوفيات، بالتاريخ، وهي التسمية الشائعة عند القدماء.
ومثالٌ آخر أن تقي الدين أبا بكر بن أحمد ابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ)، والذي أكثر من النقل في كتابه الموسوم بـ: (تاريخ ابن قاضي شهبة)، قد فرَّق فيما نقل من الكتابين المذكورين بين بعضهما البعض، فلمَّا كان كتابه حوليًا على السنوات، وكان قد امتد من بداية (ذيل) العراقي على (ذيل العبر)، أي سنة ٧٤١ هـ، وتعداه إلى ما بعد ذلك، فقد كان (ذيل) العراقي على (ذيل العبر) هو المَعين الذي ينهل منه (^٢)، إذ نراه يعتمد عليه في إيراد وفيات كل سنة تقريبًا، بقوله: "ذكره أبو الفضل العراقي"، أو "زين الدين العراقي"، أمَّا إذا تعدَّاه إلى كتابه الآخر (الوفيات)، فإنه يصرح بنقله منه قائلًا: "ذكره أبو الفضل العراقي في وفياته"، أو "ذكره الشيخ زين الدين العراقي في وفياته" (^٣)، تفرقة بين المصدرين.
ثالثها أن صاحب (كشف الظنون) (^٤) قد حدد عدد تراجم (ذيل العراقي) على (ذيل ابن أيبك) على (وفيات الأعيان) بثلاثين ترجمة فقط، أما الذيل الذي بين أيدينا فتراجمه تزيد على ثمان مئة، إضافة إلى اثنتين وأربعين ترجمة استخلصناها من منتقى ابن خطيب الناصرية غير موجودة بالأصل، خلا ما سقط من الأصل، ولم يرد في المنتقى.
_________________
(١) يوجد بالمكتبة الخالدية بالقدس، برقم ٣١ تراجم، وتوجد منه صورة ضوئية بمعهد المخطوطات العربية، برقم ١١٩٨ تاريخ.
(٢) يراجع كشاف الأعلام الخاص بكل جزء، خاصة الجزئين الأول والثاني، ونلاحظ كثرة عدد الصفحات الواردة فيها اسم العراقي، والتي أغلبها ورد فيها كمصدر ينقل عنه.
(٣) راجع مثلًا: ١: ٢٥٨، ٥٥٧، و٢: ١٠٤، ١٠٦.
(٤) ١: ٢٠١٨.
[ ١٤ ]
وظني أن منشأ هذا الخلط لدى السخاوي تحديدًا، هي منهجية التأليف في الكتب المسماة بالوفيات، فهى غالبًا ترتب على السنوات، أي تُعَنوَن السنة، ثم تسرد ما فيها من وفيات، متبعةً تنظيمًا داخليًا بترتيبها على الشهور والأيام.
ولمَّا كان (ذيل ذيل العبر) للعراقي قد اتخذ هذا المنهج سبيلًا، فقد تبادر إلى السخاوي أنه (ذيلٌ) على (وفيات) ابن أيبك التي هي على (وفيات) الشريف الحُسيني، والتي اتخذت نفس المنهج الحوالي.
وقد يعترض معترض على ما ظننت، مستندًا لاختلاف منهجية التأليف بين الأصل - (ذيل) ابن أيبك على (ذيل) الشريف الحسيني- وبين مخطوطنا، نعم أنا أقرُّ بهذا الاختلاف، إذ اعتمدت كتب الوفيات على الترتيب الحولي، فهي تبدأ بالسنة، ثم بالشهر، ثم باليوم. أما مخطوطنا فاعتمد الترتيب على الحروف، ودفع هذا الاعتراض أن ما بأيدينا إنما هي مسودة المؤلف، جمع فيها أكثر مادة، وكان يضيف إليها أحيانًا، أما حين يبضها في شكلها النهائي، فقد يغير ترتيبها التي عليه إلى الترتيب الحولي متبعًا من سبقوه.
شبهة أخرى لا بد من ردها، وهي ما ذهب إليه ابن فهد فى (لحظ الألحاظ) (^١) لما عدَّد مؤلفات الزين العراقي، أن منها: " (معجم) يشتمل على تراجم من أهل القرن الثامن، غالبهم شيوخ شيوخه، وفيهم من شيوخه".
أظن أن ابن فهد كان قد اطلع على مخطوطنا هذا، فلمَّا رأى أن الزين العراقي في كثير من تراجمه للوفيات المذكورة يذكر درجة تلمذتَه لصاحب الترجمة، فإن كان من شيوخه المباشرين، قال: "حدثنا، أو سمعت منه". وإن كان من طبقة أعلى منه، كطبقة شيوخ شيوخه، قال: "حدثنا عنه ، أو حدثونا عنه"، لمَّا رأى ابن فهد ذلك تبادر إلى ذهنه أن هذا المؤلَّف خاص بشيوخه فمن فوقهم، خاصة أنه رتبهم هجائيًا على عادة أكثر معاجم الشيوخ.
_________________
(١) ص ٢٣٢.
[ ١٥ ]
ولعل مما يؤكد ذلك أن ابن فهد لم يذكر ضمن مؤلفات الزين العراقي أحد الذيلين المتنازع فيهما، وهما:
* (الذيل) على (ذيل) ابن أيبك الذي ذيَّل به على (صلة التكملة) للشريف الحسيني.
* (الذيل) على (ذيل) ابن أيبك على (وفيات الأعيان).
ومما يلاحظ في مخطوطنا أيضًا -لكونه مسودة أيضًا- عدم اكتمال بعض عناصر الترجمة، أو بالأحرى بعض المعلومات الخاصة بالمترجَم له لدى المؤلف حال كتابته هذه المسوَّدة، فأحيانًا لا يذكر تاريخ مولد المترجمَ له أو تاريخ وفاته، وأحيانًا لا يلتزم بعناصر الترجمة المتبعة في أغلب التراجم -كذكر الاسم، ثم تاريخ الميلاد، ثم تاريخ الوفاة أحيانًا، ثم شيوخه وما سمعه منهم، ثم تلامذته، ثم تاريخ الوفاة كالمعتاد- فيقدِّم بعض عناصر الترجمة على الأخرى، ففي الترجمة رقم (٧٩)، قدَّم شيوخ المترجَم له وتلامذته على تاريخ مولده ووفاته.
وأحيانًا يكون غير متحقق من المعلومات التي بين يديه، نحو ترجمة رقم (٣٣)، فقد شك فيما أورده من معلومات كان قد نقلها عن طبقة سماع بخط الواني.
وأحيانًا تعرض له معلومات أخرى قد تختلف أو تتعارض مع ما أورده، فيعبر عن قلقه هذا في كلا الأمرين بقوله: "فيحرر"، كما في الترجمة رقم (٦٨)، (١٩٢)، (٤٤٨).
وأحيانًا يذكر الاسم فقط، ويترك تحته بياض بمقدار سطر أو سطرين، عسى أن يطرأ له ما يضيفه مستقبلًا، ولكن يبدو أنه لم يُتح له ما يمكن إضافته، نحو ترجمة رقم (٥٩)، (٨٠)، (٢٨٠)، (٧١٠).
وقد أدى نقصان بعض المعلومات من المؤلِّف إلى تدخُّل ابنه محاولًا سدِّ هذا النقص، ومعقبًا بقوله: "كتبه أحمد". ومن الأمثلة على ذلك:
* استدراك تاريخ مولد صاحب الترجمة رقم (٧).
* إضافة تلاميذ المترجم له، كالترجمة رقم (٥٨١).
[ ١٦ ]
ويبدو أن المؤلف اطلع على مصادر أخرى بعد انتهائه من الجمع الأول لمعلوماته، فأظن أنه اطلع على كتاب (تهذيب الذهبي لوفيات البرزالي)، وكان يقارن بينه وما ذكره أولًا، فإن وجد خلافًا ذكره وعقَّب بقوله: " (في تهذيب الذهبي لوفيات البرزالي) ، أو كذا فى: (وفيات البرزالي بتهذيب الذهبي) "، ومثال ذلك ترجمة رقم (٤٩٧)، حيث ذكره أولًا: على بن القاسم. وعلَّق عليه بعد ذلك بقوله: "صوابه علي بن أبي القاسم بن محمد. كذا في (وفيات البرزالي بتهذيب الذهبي) ". وهو وإن كان قليلًا إلا أنه دليل على مراجعته للكتاب كلما عنَّ له جديد.