وما كانت عليه أولا، وما تغير منها وما بقي
سور حلب: كان سورا مبنيا بالحجارة من بناء الروم، ولما وصل كسرى أنوشروان الى حلب واستولى عليها، شعث سورها عند الحصار، ثم رمّ ما هدم منه، فبني بالآجر الفارسي الكبار، وشاهدت مرمته بالآجر الكبار في الاسوار التي بين باب الجنان وباب النصر، وسترها (٥ - ظ) السور الثاني الذي ابتناه الملك الظاهر ﵀، فيما بين باب الجنان وباب النصر، فلا يبين الآن إلا لمن يمر بين السورين، وأظن أن كسرى أنوشروان فتح حلب من هذه الجهة، فإنها كانت أضعف مكان في البلد، فلهذا كانت المرمة فيه دون غيره، وكان ملكها وملك أنطاكية الذي أخذها أنوشروان من يده يوسطينيانوس ملك الروم (^١).
وفي أسوار حلب أبرجة عديدة جددها ملوك الاسلام بعد الفتوح، وأسماؤهم مكتتبة عليها، وبنى نور الدين محمود بن زنكي فصيلا على مواضع من الباب الصغير الى باب العراق، ومن باب العراق الى قلعة الشريف، ومن باب اليهود- الذي يقال له الآن باب النصر-الى باب الجنان، ومن باب الاربعين الى باب اليهود، جعل ذلك سورا ثانيا قصيرا بين يدي السور الكبير وأمر الملك الظاهر بتجديد سور من باب الجنان الى برج الثعابين، وفتح الباب المستجد، فرفع
_________________
(١) . ١٠٠ - ٩٣ PP،lloV،kroY weN،noitacilbuP revaoD،eripmE namoR retaL،yruB .B.J.٥٤ - ٤٥١ PP،IloV، ١٩٦٣،nodnoL،aisreP fo yrotsiH A،sekyS.P.٤٦ - ٥٣٣ PP، ١٩٦١،notecnirP،airyS nihcsoitnA fo yrotsiHA،yenwoD.GeeS - (١¬)
[ ١ / ٥١ ]
الفصيل وجدد السور والابرجة على علو السور الاول، وكان يباشر العمارة بنفسه، فصار ذلك المكان من أقوى الاماكن.
ثم إن أتابك طغرل ابتنى برجا عظيما فيما بين باب النصر وبرج الثعابين مقابل أتونات الكلس ومقابر اليهود.
ثم ان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد أعز الله سلطانه أمر بتجديد أبرجة من باب الاربعين الى البرج الذي جدده أتابك، فجددت أبرجة عظيمة كل برج منها حصن مفرد، وسفح من السور والابرجة في الميل الى الخندق فصار (٦ - و) ذلك كله كالقلعة العظيمة في الارتفاع والحصانة وأمر ببناء أبرجة كبار من باب الجنان الى باب قنسرين، فقويت المدينة بذلك قوة ظاهرة.
وأما قلعة حلب فلم يكن بناؤها بالمحكم، وكان سورها أولا منهدما على ما ذكره أرباب التواريخ ولم يكن مقام الملوك حينئذ فيها، بل كان لهم قصور بالمدينة يسكنونها، ولما فتح الروم حلب في سنة احدى وخمسين وثلاثمائة لجأ الى القلعة من لجأ، وستروها بالأكف والبراذع، فعصمتهم من العدو لعلوها، وزحف ابن أخت الملك فألقي عليه حجر فقتله، ورحل الدمستق عنها، فاهتم الملوك بعد ذلك بعمارة القلعة وتحصينها.
وعصى فيها فتح القلعي على مولاه مرتضى الدولة بن لؤلؤ، ثم سلمها الى نواب الحاكم، فعصى فيها عزيز الدولة فاتك على الحاكم، وقتل بالمركز، وكان قصره الذي ينسب اليه خانكاه القصر متصلا بالقلعة، والحمام المعروفة بحمام القصر الى جانبه، فخرب القصر بعد ذلك تحصينا للقلعة وصار الخندق موضعه. ودخلت أنا هذه الحمام وهي دائرة، فهدمها الملك الظاهر ﵀، وجعلها مطبخا له.
[ ١ / ٥٢ ]
ولما قتل عزيز الدولة، صار الظاهر وولده المستنصر يوليان واليا بالقلعة، وواليا بالمدينة خوفا أن يجري ما جرى من عزيز الدولة. فلما ملك بنو مرداس سكنوا في القلعة، وكذلك من جاء بعدهم من الملوك (^١) وحصنوها لا سيما الملك الظاهر غازي (٦ - ظ) فانه حصنها وحسنها وابتنى بها مصنعا كبيرا للماء، ومخازن للغلة، ورفع باب القلعة وكان قريبا من المدينة، ويصعد منه الى باشورة، هي موضع باب القلعة الآن.
ولها سور من موضع الباب الآن، يدور في وسط التل الى المنشار المتصل بباب الاربعين وكان في الباشورة مساكن لاجناد القلعة، ورأيت في وسطه برجا كبيرا، مبنيا فوق طريق الماء من القناة الى الساتورة التي للقلعة، وكان على ذلك البرج اسم الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي، فخرب الملك الظاهر ﵀ تلك الباشورة، وسفح القلعة من أسفل الخندق الى سورها الاعلى، وكان قد بنى بعض السفح بالحجر الهرقلي، وعزم على تسفيحها بذلك الحجر، فحالت المنية بينه وبين أمله، وصده عن مراده ما حضر من أجله (^٢)، وكان قد وسع الخندق الذي للقلعة وعمقه، وبنى حائطه من جهة المدينة، ورفع باب القلعة الى مكانه الآن، وعمل له هذا الجسر الممتد، فجاء في غاية الحسن والحصانة، وعمل بابا آخر كان اذا ركب ينزل منه وحده ويصعد ويغلق فلا يفتح الا له، وهو باب الجبل الذي هو الى جانب دار العدل، وبنى الملك الظاهر سورا على دار العدل، وفتح له بابا من جهة القبلة تجاه باب العراق، وبابا من جهة الشرق والشمال على حافة الخندق، كان يخرج منهما اذا ركب، وبنى دار العدل لجلوسه العام فيها بين السورين، السور العتيق الذي فيه (٧ - و) الباب الصغير، وفيه الفصيل الذي بناه نور الدين، وبين السور الذي جدده الى جانب الميدان.
_________________
(١) .٦ - ١٠٥ PP.١٩٧٢ turieB ٤٩٧ /١٠٩٤ - ٣٩٢ /١٠٠٢،oppellA fo etarimE eht،RAKKAZ.SeeS (١¬)
(٢) - توفي في سنة ٦١٣ هـ -١٢١٦ م.
[ ١ / ٥٣ ]
واهتم الملك الظاهر أيضا بتحرير خندق الروم، وهو من قلعة الشريف الى الباب الذي يخرج منه الى المقام، وبنى ذلك الباب ولم يتمه، فتم في أيام ولده الملك العزيز ﵀، ثم يستمر خندق الروم من ذلك المكان شرقا، ثم يعود شمالا الى الباب الذي جدد أيضا في أيام الملك العزيز لصيق الميدان، ويعرف بباب النيرب، ثم يأخذ شمالا الى أن يصل الى باب القناة الذي يخرج منه الى بانقوسا، وهو باب قديم، ثم يأخذ غربا من شمالي الجبل الى أن يتصل بخندق المدينة. وأمر الملك الظاهر برفع التراب والقائه على شفير هذا الخندق فيما يلي المدينة، فارتفع ذلك المكان وعلا، وسفح الى الخندق، وبني عليه سور من اللبن في أيام الملك العزيز محمد ﵀، وولاية الاتابك طغرل، وأمر الحجارون بقطع الاحجار من الحوارة من ذلك الخندق، فعمق واتسع وقويت به المدينة غاية القوة.
وأما قلعة الشريف فلم تكن قلعة بل كان السور محيطا بالمدينة، وهي مبنية على الجبل الملاصق للمدينة وسورها دائر مع سور المدينة على ما هي الآن.
وكان الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الحتيتي الهاشمي مقدم الاحداث بحلب (^١)، وهو رئيس المدينة فتمكن وقويت يده، وسلم المدينة الى أبي المكارم مسلم ابن قريش، فلما قتل مسلم انفرد بولاية (٧ - ظ) المدينة، وسالم بن مالك بالقلعة على ما نشرحه في ترجمته، فبنى الشريف عند ذلك قلعته هذه، ونسبت اليه،
_________________
(١) -كان الاحداث عبارة عن تنظيم بلدي له صفات عسكرية، وقد قام هذا التنظيم بدور هام في تاريخ بلاد الشام في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وأحسن مادة يمكن تحصيلها حول هذا التنظيم موجودة في تاريخ دمشق لابن القلانسي، وزبدة الحلب لابن العديم. كما أن عددا من المعاصرين كتبوا حول هذا التنظيم، من هؤلاء كلود كاهن في مجله acibarA المجلد الخامس، وفي الموسوعة الاسلامية بالانكليزية والفرنسية، ومن قبل سهيل زكار في كتابه عن امارة حلب الذي أشير اليه قبل صفحة.
[ ١ / ٥٤ ]
في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، خوفا على نفسه من أهل حلب، واقتطعها عن المدينة، وبنى بينها وبين المدينة سورا، واحتفر خندقا آثاره باقية الى الآن، ثم خرب السور بعد ذلك في أيام ايلغازي بن أرتق حين ملكها، واستقل بملكها في سنة ست عشرة وخمسمائة، فعادت من المدينة كما كانت.
وأما أبواب مدينة حلب فأولها باب العراق، سمي بذلك لأنه يسلك منه الى ناحية العراق.
ثم بعده الى جهة الغرب باب قنّسرين، سمي بذلك لأنه يخرج منه الى ناحية قنّسرين، وقد جدد في أيام السلطان الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز أعز الله أنصاره، وغير عن وضعه ووسع وعمل عليه أبرجة عظيمة، ومرافق للاجناد حتى صار بمنزلة قلعة عظيمة من القلاع المرجّلة.
ثم باب أنطاكية سمي بذلك لانه يسلك منه الى ناحية أنطاكية.
ثم باب الجنان، سمي بذلك لانه يخرج منه الى البساتين التي لحلب.
ثم بعده باب اليهود سمي بذلك لان محال اليهود من داخله، ومقابرهم من خارجه، وهذا الباب غيرّه السلطان الملك الظاهر ﵀، وكان عليه بابان، ويخرج منهما الى باشورة يخرج منها الى ظاهر المدينة، فهدمه وجعل عليه أربعة أبواب كل بابين بدركاة على حدة، يسلك من احدى الدركاتين الى الاخرى في قبو عظيم محكم البناء، وجعل (٨ - و) عليه أبراجا عالية محكمة البناء، ويخرج منه على جسر على الخندق، وكان على ظاهره تلول عالية من التراب والرماد وكنايس المدينة، فنسفها وأزالها وجعلها أرضا مستوية، وبني فيها خانات تباع فيها الغلة والحطب، وسمي الباب باب النصر، ومحي عنه اسم باب اليهود، فلا يعرف الآن إلا بباب النصر، وهجر اسمه الاول بالكلية.
ثم بعده باب الأربعين وكان قد سد هذا الباب مدة مديدة، ثم فتح واختلف في تسميته بباب الأربعين، فقيل إنه خرج منه مرة أربعون ألفا فلم يعودوا.
[ ١ / ٥٥ ]
وأخبرني والدي ﵀ أنه بلغه أنه خرج منه أربعون ألفا فلم يعد منهم غير واحد، فرأته امرأة في طاق في علو وهو داخل منه، فقالت له: دبير جئت؟ فقال لها: دبير من لم يجيء.
وقيل انما سمي باب الاربعين لانه كان بالمسجد من داخله أربعون من العباد يتعبدون فيه، وكان الباب مسدودا.
وأخبرني عمي أبو غانم ﵀ أنه بلغه أنه كان به أربعون محدثا، وقيل كان به أربعون شريفا. والى جانبه أعلى المسجد مقبرة للشراف العلويين، قيل أنهم من بني الناصر.
والباب الصغير وهو الباب الذي يخرج منه من تحت القلعة من جانب الخندق وخانكاه القصر الى دار العدل، ومن خارجه البابان اللذان جددهما الملك الظاهر ﵀ في السور الذي جدده على دار العدل، أحدهما يفتح على شفير الخندق ويدعى باب الصغير أيضا، وهو (٨ - ظ) مسلوك فيه الى ناحية الميدان.
والآخر القبلي الذي يقابل باب العراق، وهو مغلق لا يخرج منه أحد بعد موت الملك الظاهر الا السلطان في بعض الاحيان، وكذلك باب الجبل الذي للقلعة أغلق بعده.
وجدد الملك الظاهر ﵀ الى جانب برج الثعابين فيما بين باب الجنان وباب النصر بابا سماه باب الفراديس، وبنى له جسر على الخندق، ومات الملك الظاهر ولم يفتحه، فسد وتطيروا به، وفتحه الملك الناصر بعد ذلك، ورتب فيه أجنادا.
وجدد الملك الناصر أيضا بابا إلى جانب برج الغنم، وعمل عليه برجان عظيمان وفتحة إلى جهة ميدان باب قنّسرين في سنة خمس وأربعين وستمائة وسمي (باب السعادة) (^١).
_________________
(١) -جاء هذا الخبر في حاشية الاصل، وقد طمس معظمه، وتم تداركه من الاعلاق الخطيرة لابن شداد، قسم حلب، ط. دمشق ١٩٥٣، ص ٢٢ - ٢٣.
[ ١ / ٥٦ ]
وكان لحلب باب يقال له باب الفرج الى جانب حمام القصر، كان الى جانبه القصر المشهور الذي يلي قلعة حلب، فخربه الملك الظاهر ﵀.
وكان خارج باب أنطاكية على جسر باب أنطاكية على نهر قويق باب يقال له باب السّلامة، وهو الذي ذكره الواساني في قصيدته التي يهجو فيها ابن أبي أسامة، وأولها:
يا ساكني حلب العوا … صم جادها صوب الغمامه (^١)
وسيأتي ذكره بعد هذا.
وعلى خندق الروم أبواب مجددة أولها باب الرّابية التي تباع فيها الغلّة والتبن، خارج باب قنّسرين، والسور اللبن المجدد على خندق الروم من حدّه.
والثاني الباب المعروف بباب المقام خارج باب العراق من القبلة يسلك فيه إلى مقام إبراهيم ﵇ وغيره.
والثالث باب النيرب خارج باب العراق، وقد ذكرنا أنه جدد في أيام الملك العزيز ﵀ ثم باب القناة، وقد ذكرناه أيضا.
وأما قناة حلب التي تدخل إلى المدينة فقيل هي عين إبراهيم ﵇، وهي تأتي من حيلان، قرية شمالي حلب (^٢)، وفيها أعين، جمع ماؤها وسيق إلى المدينة، وقيل إن الملك الذي بنى حلب، وزن مائها إلى وسط (٩ - و) المدينة، وبنى المدينة عليها، وهي تأتي إلى مشهد العافية تحت بعاذين (^٣)، وتركب بعد ذلك على بناء
_________________
(١) -من شعراء يتيمه الدهر للثعالبي ١/ ٣٥١. ط. القاهرة ١٩٥٦.
(٢) -تبعد حيلان عن حلب مسافة ١٠٥ كم. انظر التقسيمات الادارية في الجمهورية العربية السورية ط. دمشق ١٩٦٨، ص ٢٨٧.
(٣) -ذكرها ياقوت في معجم البلدان وذكر فقط انها: من قرى حلب لها ذكر فى الشعر.
[ ١ / ٥٧ ]
محكم رفع لها لانخفاض الأرض في ذلك الموضع، ثم تمر الى أن تصل الى بابلى (^١)، وهي ظاهرة في مواضع، ثم تمر في جباب قد حفرت لها إلى أن تنتهي إلى باب القناة، وتظهر في ذلك المكان، ثم تمر تحت الأرض إلى أن تدخل من باب الأربعين، وتنقسم في طرق متعددة إلى البلد.
ولأهل حلب صهاريج في دورهم يخزنون فيها الماء منها ويبردونه فيها، إلا ما كان من الأمكنة المرتفعة كالعقبة، وقلعة الشريف فإن صهاريجهم من المطر، وقد كانت هذه القناة فسد طريقها لطول المدة ونقص منابيع عيونها فكراها السلطان الملك الظاهر ﵀، وحرر طريقها إلى البلد وكلّسه وسد مخارج الماء فيه، فكثر ماؤها وقويت عيونها، وجدد القنوات في حلب والقساطل، وأجرى الماء فيها حتى عست أكثر دور البلد، واتخذت البرك في الدور، حتى قال أبو المظفر بن محمد بن محمد الواسطي المعروف بابن سنينير يمدحه، وسمعتها من لفظه:
روى ثرى حلب فعادت روضة … أنفا وكانت قبله تشكو الظما
(٩ - ظ)
أحيا رفات مواتها فكأنّه … عيسى بإذن الله أحيا الأعظما
لا غرو أن أجرى القناة جداولا … فلطالما بقناته أجرى الدّما
ووصل ماء القناة في أيامه إلى مواضع من البلد لم يسمع بوصوله إليها، حتى أنها سيقت الى الحاضر السليماني، ووقف عليها أوقافا لعمارتها وإصلاحها.
قرأت في كتاب المسالك والممالك الذي وضعه الحسن بن أحمد المهلبي للعزيز الفاطمي المستولي على مصر قال: فأما حلب فهي مدينة قنسّرين العظيمة وهي مستقر السلطان، وهي مدينة جليلة عامرة آهلة، حسنة المنازل، بسور عليها من حجر، وفي وسطها قلعة على جبل وسط المدينة لا ترام، ليس لها إلا طريق لا مقابلة
_________________
(١) -جاء رسمها في معجم البلدان لياقوت بالالف الممدودة، وقال ياقوت: قرية كبيرة بظاهر حلب بينهما نحو ميل.
[ ١ / ٥٨ ]
عليه، وعلى القلعة أيضا سور حصين؛ وشرب أهل حلب من نهر على باب المدينة يعرف بقويق، ويكنيه أهل الخلاعة أبا الحسن.
وأعمال قنسّرين كلها ومدينة حلب فتحت صلحا.
وقال: فأما الأقاليم التي هي منها، فإنّ من الإقليم الرابع حلب، وعرضها أربع وثلاثون درجة.
فأما أهلها فهم أخلاط من الناس من العرب والموالي، وكانت بها خطط لولد صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وتأثلث لهم بها نعمة ضخمة، وملكوا بها نفيس (١٠ - و) الأملاك، وكان منهم من لحقت بقيتهم بنو القلندر فإنني شاهدت لهم نعما ضخمة، ورأيت لهم منازل في نهاية السّرو.
وكان بها أيضا قوم من العرب يعرفون ببني سنان، كانت لهم نعمة ضخمة.
وسكنها أحمد بن كيغلغ وبنى بها دارا معروفة الى الآن؛ وملّك بها بدر غلامه ضياعا نفيسة، فأتى على ذلك كله الزمان، وسوء معاملة من كان يلي أمورهم، لأنه لم يكن بالشام مدينة أهلها أحسن نعما من أهل حلب، فأتى على ذلك كلّه، وعلى البلد نفسه سوء معاملة علي بن حمدان لهم، وما كان يراه من التأول في المطالبة.
قلت إلى ذلك أشار أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان في قصيدته التي يقول فيها:
أودى علي بن حمدان بوفرهم … وقدرت لهم في ملكه المحن (^١)
وكان سيف الدولة علي بن حمّدان قبض أملاك جده سعيد وهي مزرعة تعرف بكفر صفرا من كورة قورس، ورحى الديناري وأرضها السقي والعذي، وبستان البقعة بحلب.
_________________
(١) -ليس في ديوانه، ط. المطبعة الانسية في بيروت.
[ ١ / ٥٩ ]
عدنا إلى كلام العزيزي قال: وحلب من أجل المدن وأنفسها، ولها من الكور والضياع ما يجمع سائر الغلات النفسية، وكان بلد معرّة مصرين (^١) إلى جبل السماق بلد التين والزبيب والفستق والسماق، وحبة الخضراء (١٠ - ظ) يخرج عن الحد في الرخص، ويحمل إلى مصر والعراق، ويجهز إلى كل بلد، وبلد الأثارب (^٢) والأرتاح إلى نحو جبل السماق أيضا، مثل بلد فلسطين في كثرة الزيتون.
ولها ارتفاع جليل من الزيت، وهو زيت العراق، يحمل إلى الرقّة إلى الماء، ماء الفرات، إلى كل بلد، وقد اختل ذلك ونهكه الروم.
فأما خلق أهلها، فهم أحسن الناس وجوها وأجساما، والأغلب على ألوانهم الدرية والحمرة والسمرة، وعيونهم سود وشهل، وهم من أحسن الناس أخلاقا وأتمهم قامة وكانت اعتقاداتهم مثل ما كان عليه أهل الشام قديما، إلاّ من تخصص منهم، وقبلتهم موافقة لقبلة أهل الشام (^٣).
يشير بقوله: وكانت اعتقاداتهم مثل ما كان عليه أهل الشام قديما؛ إلى مذهب أهل السنة وكذلك كان مذاهب أهل حلب، حتى هجمها الروم في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وقتلوا معظم أهلها، فنقل إليها سيف الدولة من حرّان جماعة من الشيعة مثل الشريف أبي إبراهيم العلوي وغيره، وكان سيف الدولة يتشيع، فغلب على أهل حلب التشيع لذلك.
وقوله: وفي وسطها قلعة على جبل وسط المدينة، ليس كذلك، بل القلعة في
_________________
(١) -يرسم الآن بوصل التاء بالميم «معر تمصرين»، وهي الان مركز ناحية من نواحي محافظة ادلب في سورية، ويصلها بادلب طريق ترابي طوله «١٠» كم. انظر التقسيمات الادارية،٢٥٠.
(٢) -تعرف الآن باسم أتارب، وبصلها بحلب طريق مزفت طوله ٢٩ كم. انظر التقسيمات الادارية،٣١٢.
(٣) -لم يتم العثور بعد على نسخة من كتاب المهلبي.
[ ١ / ٦٠ ]
طرف المدينة، وسور المدينة يختلط بسورها، والظاهر أنه شاهد القلعة من داخل المدينة فظنها في وسطها، ولم يشاهدها من خارج.
وقوله: وشرب أهل حلب من نهر قويق، ليس كذلك، إلاّ من كان بالفرب منه، أو أنه أراد ما يحمله السقاءون في الروايا، بل الغالب في شرب أهلها من قناة حيلان.
وقد أنبأنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف عن أبي الفتح بن البطّي قال:
أخبرنا الحميدي قال: أخبرنا محمد بن هلال بن المحسّن الصابئ (١١ - و) وقال:
كتب المختار بن الحسن بن بطلان المتطبب كتابا إلى والدي هلال بن المحسن في سنة أربعين وأربعمائة يذكر له فيها خروجه من بغداد وما دخل من البلاد، قال فيها: رحلنا من الرصافة (^١) إلى حلب في أربع مراحل، وحلب بلد مسوّر بحجر أبيض، فيه ستة أبواب، وفي جانب السور قلعة في أعلاها مسجد وكنيستان، وفي إحداهما كان المذبح الذي قرب عليه ابراهيم ﵇. وفي البلد جامع، وست بيع، وبيمارستان صغير، والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية، ويشرب أهل البلد من صهاريج فيه مملوءة بماء المطر، وعلى بابه نهر يعرف بالقويق، يمدّ في الشتاء وينضب في الصيف. وفي وسط البلد دار علوة صاحبة البحتري. وهو بلد قليل الفاكهة والبقول والنبيذ إلا ما يأتيه من بلاد الروم، وفيها من الشعراء جماعة، وذكر أبا الفتح بن أبى حصينة، وذكر كاتبا نصرانيا هو صاعد بن عيسى بن سمان، وذكر أبا محمد بن سنان، وأبا المشكور (^٢).
_________________
(١) -هي إحدى قرى محافظة الرقة في سورية، يصلها بالرقة طريق ترابي طوله ٦٠ كم. انظر التقسيمات الادارية،٤١٤.
(٢) -نشر ديوان ابن ابي حصينة في دمشق ١٩٥٦ - ١٩٥٧؛ وذكر ابن العديم صاعد بن عيسى في زبدة الحلب ط. دمشق ١/ ٢٨٣،١٩٥١ - ٢٨٤، كما أورد شيئا من شعره، ولابن سنان ديوان نشر في بيروت سنة ١٣٠٩ هـ، وأبو المشكور هو من شعراء الخريدة، قسم شعراء الشام، ط. دمشق ١/ ٤٨،١٩٥١.
[ ١ / ٦١ ]
ثم قال: ومن عجائب حلب أن في قيسارية البزّ عشرين دكانا للوكلاء، يبيعون فيها كل يوم متاعا قدره عشرون ألف دينار مستمر ذلك منذ عشرين سنة، وإلى الآن وما بحلب موضع خراب أصلا.
قلت: الكنيسة التي أشار إليها (١١ - ظ) في القلعة أن فيها مذبح إبراهيم ﵇، هي الآن مقام إبراهيم ﵇ الأسفل، والكنيسة الأخرى دثرت، والمسجد الذي في أعلى القلعة هو مقام إبراهيم ﵇ الأعلى، وأما البيع الست، فاثنتان باقيتان إحداهما بالقرب من الزجاجين إلى جانب مسجد ابن زريق، والأخرى بالقرب من الرحبة، والبواقي جعلت مساجد في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، حين حصر الفرنج حلب، وبعثروا الضريح الذي بمشهد الدّكّة، ويقال إن به سقطا للحسين بن علي ﵁، وكان يدبر أمر البلدة أبو الفضل ابن الخشاب، لأن صاحبها تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق كان بماردين، فجعل ابن الخشاب كنائس حلب هذه مساجد، إحداهما الكنيسة العظمى التي يقال إن هيلانة ملكة القسطنطينية بنتها، فجعل فيها محراب، وعرفت بمسجد السراجين، وهي غربي المسجد الجامع وجعلها نور الدين محمود بن زنكي مدرسة لأصحاب أبي حنيفة ﵁، والأخرى جعلت مسجدا بالحدادين، فوقفت مدرسة للحنيفة أيضا، وقفها حسام الدين لاجين وهي مدرسة الحدادين، والأخرى كانت بدرب الخزاف فهدمها عبد الملك بن المقدم، وبناها مدرسة للحنفية أيضا، وأما الرابعة (١٢ - و) فلا أعلم بها. (^١)
قرأت بخط الحسين بن كوجك العبسي الحلبي في كتاب سيرة المعتضد
_________________
(١) -يعرف مشهد الدكة الآن باسم الشيخ محسن، وتعرف كنيسة القديسة هيلانه باسم المدرسة الحلاوية، وتعرف المدرسة التي بناها عبد الملك بن المقدم باسم مدرسة التوتون. انظر، الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب، لمحمد أسعد طلس، دمشق ١٩٥٦، ص ٥٦ - ٦٧،٦٢ - ٦٨.
[ ١ / ٦٢ ]
بالله تأليف سنان بن ثابت (^١) بن قرّة، كتب بها إلى أبي الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري الكاتب، قال ثابت بن سنان في أول الجزء السادس منها:
لما انتهيت إلى هذا الموضع، أمرني أمير المؤمنين أن أميّز معه وبحضرته ما في الخزائن القديمة للسلطان من الدفاتر والآلات النجومية وغيرها مما يجري مجراها فما كان يصلح للأميرين أبي جعفر وأبي الفضل أيدهما الله عزلته لهما على ما رسمه لي فيما رغب في اختياري إياه لهما مما يشاكل سنهما من كتب الفقه، وكتب اللغة، وكتب السير القديمة والقريبة العهد وأخبار الملوك وأيام الناس، وأخبار الدولة العباسية وأشباه ذلك.
قال: فكان فيما أخرج إلينا صناديق كثيرة فيها كتب أحمد بن الطّيّب التي كان المعتضد قبضها لما نكبه، وكنت بها عارفا، وقد كنت ميزتها للمعتضد في ذلك العصر وعملت لها فهرستا، فمر فيها كتاب بخط أحمد بن الطّيّب بأخبار مسير المعتضد بالله من مدينة السلام الى وقعة الطواحين وأخبار انصرافه عنها (^٢)، فتتبعته نفسي تتبعا شديدا لصحته، وأنه أصل لرجل محصل وبخطه، وكان وقوع هذا الكتاب في يده قبل وقوعه في يدي، فبدأني بما كان في نفسي، فرمى به إلي (١٢ - ظ) لأتأمله، ثم قال لي: أحسب هذا مما سبيله أن تقتصه في الكتاب الذي عملته لمحمد بن عبد الرحمن الروذباري، فقلت: بل أنسخه فيه حرفا حرفا، فقال:
إفعل، ثم اردده، فنسخه ثابت من خط أحمد بن الطّيّب كما قال، وذكر فيه المنازل الى أن ذكر وقال: ورحلنا عن بالس (^٣) ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت منه، فنزلنا على ميلين من بالس على صهريج في أول برية خساف، ثم رحلنا عن الموضع سحرا فقطعنا برية خساف الى انقضائها، وبين بالس وبين انقضاء برية
_________________
(١) -كذا في الاصل سنان بن ثابت، وهو خطا صوابه ثابت بن سنان، وقد صححه ابن العديم في سياق الخبر في السطر التالي.
(٢) -انظر احداث سنة ٢٨٧ في تاريخ الطبري، ط القاهرة-دار المعارف -١٠/ ٧٩،١٩٦٩ - ٨١.
(٣) -بالس هي بلدة مسكنة الحالية، ويصلها بحلب طريق مزفت طوله ٩٠ كم، انظر التقسيمات الإدارية،٣٩٥.
[ ١ / ٦٣ ]
خساف خمسة عشر ميلا بأميال العراق، وفيها قرى خراب، ثم يوجد بعد هذه الخمسة عشر ميلا ماء نزر قليل ينصب من قني من حد حلب، حتى ينتهي الى هذا الموضع قليلا يسيرا، وفي هذا الموضع يجري إليه الماء من قرية لمحمد بن العبّاس الكلابي، تعرف بقرية الثلج، كانت المنزل ذلك اليوم، والقني في هذه القرية غزيرة كثيرة الماء، قد سيقت من نهر حلب من نهر قويق من موضع الى موضع حتى انتهى إليها، ثم الى الموضع الذي ذكرناه على رأس برية خساف، وبين بالس وبين قرية محمد بن العبّاس الكلابي ثلاثة وعشرون ميلا، تكون سبعة فراسخ وميلين.
قلت هكذا ذكر أحمد بن الطّيّب، وقد أخطأ في موضعين أحدهما قوله:
ينصب من قني من حد حلب، والآخر في قوله: والقني في هذه القرية (١٣ - و) غزيرة كثيرة الماء، قد سيقت من نهر حلب، من نهر حلب، من قويق، فإن حدّ حلب ونهر قويق بعيد من هذا المكان، يكون مقدار ستة فراسخ من جهة الغرب، وهذه القني تأتي من جهة الشمال، لكن الماء في هذه المواضع التي ذكرها وفي قرى تأتي بعد ذلك فيما بين هذه المواضع وبين الناعورة، قد حفر له جباب الى منبع الماء، ومنبع الماء قريب في تلك الارض كلها، ثم خرق بعض الجباب إلى بعض إلى أن ينتهي الماء إلى أرض يتسلط عليها، فيسقي أرض تلك القرية، وهذه القرية التي أشار إليها أظنها تعرف الآن بالكلابية.
قال ابن الطّيّب: ورحلنا عن هذا الموضع يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، فنزلنا منزلا يعرف بالناعوره، بينه وبين المنزل الذي كنا نزلناه ثمانية أميال، تكون فرسخين وميلين وفيه قصر لمسلمة بن عبد الملك من حجارة صلدة ليس بالكبير، وماؤه من العيون التي ذكرناها.
قلت: هذا القصر كان مبنيا من الحجارة السود الكبار المنحوتة، وأدركت أنا قطعة منه، وهو برج من أبرجة القصر، وقد انهدم الآن، وتقسمت حجارته إلاّ القليل منه.
[ ١ / ٦٤ ]
قال ابن الطّيّب: ورحلنا غداة يوم الاثنين لإثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر، فنزلنا مدينة حلب في وقت ارتفاع النهار من هذا اليوم، وبين المنزلين ثمانية أميال (١٣ - ظ) تكون فرسخين وميلين، وأقمنا بحلب إلى انقضاء يوم الأربعاء لليلة خلت من رجب.
قال: وعلى حلب سور محيط بها وبقلعتها، كانت الروم بنته، وبنت الفرس بعضه أيام أنوشروان، والقلعة على جبل مشرف على المدينة، وعليها سور، وعليها بابا حديد واحد دون الآخر، وفي وسطها قد حفر إلى الماء ينزل إليه على مائة وعشرين مرقاة، قد خرقت تحت الأرض خروقا، وصيرت آزاجا، ينفذ بعضها الى بعض الى ذلك الماء، وفيها دير للنصارى، وفيه امرأة قد سدّت الباب عليها في وجهها منذ سبع عشرة سنة. ثم ينحدر السور إلى المدينة من جانبي القلعة. ولها ستة أبواب، تعرف: بباب العراق، وباب قنسرين، وباب أنطاكية، وباب الجنان وباب اليهود، وباب أربعين، وهو مما يلي القلعة، ومن جانبها الآخر باب العراق.
وشرب أكثر أهل حلب من ماء قويق، لأنه يجري إلى أبواب الجنان وأنطاكية وقنّسرين، وقدّام باب أنطاكية ربض يعرف بربض الدارين في وسطه قنطرة على قويق، كان محمد بن عبد الملك بن صالح بناه، أعني الربض، ولم يستتمه، واستتمه سيما الطويل، ورم ما كان استهدم منه وصيّر عليه باب حديد حذاء باب أنطاكية، أخذه من قصر لبعض الهاشميين بحلب، يسمى قصر البنات (١٤ - و):
ويسمى الباب باب السلامة.
قلت والقصر قد كان في الدرب المعروف بدرب البنات بحلب، بالقرب من الصناديقيين، وشرقي الدارين بستان، يعرف ببستان الدار من شمالي ميدان باب قنّسرين، وهو الآن وقف على المدرسة النورية الشافعية المعروفة ببني أبي
[ ١ / ٦٥ ]
غصرون (^١)، وهو منسوب الى إحدى الدارين اللتين ذكرهما أحمد بن الطّيّب.
قال ابن الطّيّب: وشرب أهل باب أربعين، وأهل باب اليهود، وأهل الأسواق من عيون تجري على وجه الأرض مقدار أربعة فراسخ في موضع هو أعلى من حلب، ثم تجري على باب اليهود على وجه الأرض، وتسقي بساتين الدور هناك سيحا، ثم يكون ما وراء هذا الموضع من حلب أسفل منه فقد عدل بعبّارة بنتها الروم في الطريق، يجري الماء عليها، فهو في السوق، وإنما بينه وبين باب أربعين ربع ميل على عشرة أذرع من الأرض.
قلت: يريد بالعيون المذكورة قناة حلب الآتية من حيلان، وهي تسقي داخل باب الأربعين بستانا بطل، وبني دورا، وتسقي بستان اليهود بباب اليهود الذي هو وقف على الكنيسة.
قال: وقويق نهر يأخذ من واد على أربعة فراسخ من حلب مما يلي جبلا يتصل بوادي العسل.
قلت: وادي العسل غربي مدينة حلب، ونهر قويق يأتي إلى حيلان، ثم يجري في الوادي بين جبلين، لا يتصل بوادي العسل. (١٤ - ظ).
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن أبي الحسن الزيّات الفيلسوف في كتاب نزهة النفوس وأنس الجليس: ذكر مدينة حلب، وهي في الإقليم الرابع قريبا من أنطاكية، وبها ينزل الولاة العزام (^٢)، وهي عامرة، أهلها كثير، وبعدها عن خط المغرب ثلاثة وسبعون درجة، وعن خط الاستواء خمسة (^٣) وثلاثون درجة.
وقرأت في كتاب جغرافيا تأليف ابن حوقل النصيبي، وهو كتاب حسن في
_________________
(١) -ما تزال تعرف باسم المدرسة العصرونية، انظر الآثار الاسلامية والتاريخية في حلب،٢٢٦ - ٢٢٨.
(٢) -انظر القاموس مادة عزم.
(٣) -كذا في الاصل والوجه خمس.
[ ١ / ٦٦ ]
بابه، قال: حلب وهي مدينة جند قنسّرين، وكانت عامرة جدا غاصة بأهلها، كثيرة الخيرات على مدرج طريق العراق إلى الثغور وسائر الشامات، افتتحها الروم، وكان لها سور من حجارة لم يغن عنهم من العدو شيئا، بسوء تدبير سيف الدولة وما كان به من العلّة، فأخرب جامعها، وسبى ذراري أهلها، وأحرقوها، وكان لها قلعة غير طائلة ولا حسنة العمارة، لجأ إليها قوم من أهلها فنجوا، ونقل ما بها من المتاع والجهات (^١) للسلطان وأهل البلد وسبى بها، وقتل من أهل سوادها ما في إعادته إرماض لمن سمعه ووهن على الإسلام وأهله.
وكانت لها أسواق حسنة وحمامات وفنادق ومحال وعراص فسيحة، ومشايخ وأهل جلّة، وهي الآن كالمتماسكة.
ولها واد يعرف بأبي الحسن قويق، وشرب أهلها منه، وفيه قليل طفس (^٢) ولم تزل أسعارها في الأغذية وجميع المآكل قديما واسعة رخيصة.
وعليهم الآن للروم في كل سنة قانون يؤدونه وضريبة تستخرج من كل دار وضيعة معلومة، وكأنهم (١٥ - و) معهم في هدنة، وليست وإن كانت أحوالها متماسكة وأمورها راجية بحال جزء من عشرين جزءا مما كانت عليه في قديم أوانها وسالف أزمانها.
أشار ابن حوقل إلى فتح الروم لها وتخريبها في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وفي ذكر الضريبة التي تؤدّى إلى الروم في كل سنة إلى ما قرره قرعويه السيفي
_________________
(١) -طبع كتاب ابن حوقل باسم صورة الارض، وفي المطبوع-ط. بيروت دار الحياة ص ١٦٣: ونقل بها من المتاع والجهاز للسلطان وأهل البلد، وهو تصحيف لان ما عناه ابن حوقل هو: ونقل الروم ما في حلب وفي الجهات من المتاع للسلطان وأهل البلد.
(٢) في القاموس الطفس قذر الانسان … وهو طفس قذر نجس.
[ ١ / ٦٧ ]
مع الروم من الأتاوة التي تؤدى في كل سنة عن حلب إلى الروم، وليس هذا موضع ذكرها (^١).
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم:
وأما جند قنسّرين، فإن مدينتها قنسرين، غير أن دار الإمارة والأسواق ومجامع الناس والعمارات بحلب.
قال: وهي عامرة بالأهل جدّا، على مدرجة طريق العراق إلى الثغور، وسائر الشامات (^٢).
سمعت أبا عبد الله محمد بن يوسف بن الخضر يقول: بلغني أن حلب كانت من أكثر المدن شجرا، فأفنى شجرها وقوع الخلف بين سيف الدولة والإخشيد على ما نذكره، فإن كل واحد منهما كان ينزل عليها ويقطع شجرها، فإذا أخذها جاء الآخر وفعل مثله.
وأخبرني مكي بن هرون بن صالح الكفر بلاطي وكان من كفر بلاط من نقرة بني أسد قال: أخبرني هرون عن أبيه صالح يأثره عن سلفه أن الناس كانوا يمشون من مقام إبراهيم ﵇ الذي على سطح جبل نوائل إلى زبيدة، وهي قرية على طرف جبل الأحص، وهي مشرفة على النقرة، في ظلال شجر الزيتون، والدليل على صحة ما ذكره أنه ما من قرية في نقرة بني أسد إلا وفيها أثر معصرة للزيت والحجر الذي كان يعصر بها.
***
_________________
(١) - انظر زبدة الحلب ١/ ١٦٣ - ١٦٨.
(٢) -انظر المسالك والممالك للاصطخري، ط. القاهرة ١٩٦١، ص ٤٦.
[ ١ / ٦٨ ]