وهي مدينة قد ذكر أنها من ثغور الشام، وبعضهم لم يثبتها فيها لأنها من وراء الدرب داخلة في بلاد الروم، ولهذا أخرت ذكرها لوقوع الاختلاف في كونها من الثغور الشامية، ولم أر إسقاط ذكرها بالكلية لأنه قد نقل أنها منها، ويقال لها أبسس وأفسس وأرب سوس وعربسوس، وهي مدينة دقيانوس، ودخلت هذه المدينة وقد اجتزت إلى زيارة أصحاب الكهف، وهم في جبل قريب منها، والمدينة قد خربت أسوارها (١٢٢ - ظ) وبقيت آثارها وبعض حيطانها قائم وبعضها قد هدمه الهادم، وبها الآن سكان من الأرمن وأسواق دائرة، والناحية المسكونة من هذه المدينة قرية عامرة.
وذكر يحيى بن معين في التاريخ قال الأصمعي: سألت عبد الملك بن صالح عن عذب سوس، فقال: إنما هي عرب سوس قرية من قرى الشام أنا بها عارف.
وذكر ابن خرداذبه أن أصحاب الرقيم في عمل من أعمال الروم يسمى ترقسيس وفيه من الحصون أفسيس في رستاق الأواسي، وهي مدينة أصحاب الكهف وذكر أنه قد قرئ في مسجدهم كتابا بالعربية بدخول مسلمة بلاد الروم (^١).
كتب إلينا أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج بن علي الحصري من مكة شرفها الله أن أبا عبد الله محمد بن العباس بن عبد الحميد الحرّاني أخبرهم قال: أخبرنا
_________________
(١) - المسالك والممالك لابن خردازيه،١٠٦.
[ ١ / ٣٣٠ ]
النقيب أبو الفوارس طرّاد بن محمد بن علي الزينبي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسن بن البادا قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق الخراساني قال: أخبرنا عم أبي علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلاّم قال: حدثنا يزيد بن هرون عن هشام بن حسان عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب استعمل عمير بن سعيد أو سعد، شك أبو عبيد، على طائفة من الشام، فقدم عليه قدمة فقال: يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عرب سوس وإنهم لا يخفون على عدونا من عوراتنا شيئا، ولا يظهرونا على عوراتنا، فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرنهم بين أن تعطيهم مكان (١٢٣ - و) كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل شيء شيئين، فإن رضوا بذلك فأعطهم وخربها، فإن أبوا فانبذ إليهم، وأجلهم سنة ثم خربها، فقال: اكتب لي عهدا بذلك، فكتب له عهدا، فلما قدم عمير عليهم عرض عليهم ذلك، فأبوا فأجلهم سنة ثم أخربها.
قال أبو عبيد فهذه مدينة بالثغر من ناحية الحدث يقال عرب سوس وهي معروفة هناك، وقد كان لهم عهد فصاروا الى هذا، وإنما عمر عرض عليهم ما عرض من الجلاء وأن يعطوا الضعف من أموالهم لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو أن النكث كان من طوائف منهم دون إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك إلا القتال والمحاربة.
وقد وقع في غير هذه الرواية عن طراد قال: أخبرنا أبو الحسن بن البادا قال:
أخبرنا أبو علي حامد بن أحمد الهروي قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز أخبرنا بذلك أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي وأبو الفرج عبد الرحمن ابن نجم بن عبد الوهاب الحنبليان فيما أجازاه لي، وقد سمعت من كل واحد منهما بدمشق قالا: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الآبري قالت:
أخبرنا النقيب أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي الزينبي قال: أخبرنا أبو الحسن
[ ١ / ٣٣١ ]
أحمد بن علي بن الحسن المعروف بابن البادا قال: أخبرنا أبو علي (١٢٣ - ظ) حامد بن أحمد الهروي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز البغوي قال:
أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام فذكره بإسناده مثله، وإنما وقع الاختلاف من أبي الحسن بن البادا لأن أبا علي الهروي المذكور في هذا الإسناد الثاني وأبا محمد الخراساني المذكور في الإسناد الأول (^١) لأبي عبيد الذي هذا الحديث منه عن علي ابن عبد العزيز، وسمعه أبو الحسن بن البادا عنهما جميعا ورواه لطراد الزينبي عنهما فرواه طراد عن ابن البادا عن أبي علي، ومرة عن ابن البادا عن أبي محمد والله أعلم.
وعمير المذكور في الحديث هو عمير بن سعد بن شهيد بن قيس بن النعمان الأوسي الأنصاري ولاه عمر بن الخطاب ﵁ حمص وقنسرين، وكان من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسنذكره في حرف العين في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
أنبأنا عبد الصمد بن محمد القاضي عن أبي الحسن علي بن المسّلم السلمي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو نصر بن الجندي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي العقب قال: أخبرنا أبو عبد الملك القرشي قال: حدثنا محمد بن عائذ قال: قال الوليد: حدثنا غير واحد ممن سمع هشام بن حسان أن محمد بن سيرين حدثه أن عمير بن سعد كان يعجب عمر بن الخطاب، فكان من عجبه به يسميه نسيج وحده، وبعثه مرة على جيش من قبل الشام (١٢٤ - و) فقدم مرة وافدا فقال: يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها عرب السوس يطلعون عدونا على عوراتنا ويفعلون ويفعلون، فقال عمر: إذا أتيتهم فخيرهم أن ينتقلوا من مدينتهم إلى كذا وكذا، وتعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين ومكان كل شيء شيئين، فإن فعلوا فأعطهم ذلك، وإن أبوا فانبذ إليهم، ثم أجلهم سنة، فقال:
_________________
(١) -الاموال لابي عبيد القاسم بن سلاّم، ط. القاهرة ١٩٦٩، ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
[ ١ / ٣٣٢ ]
يا أمير المؤمنين اكتب لي عهدك بذلك، فكتب له عهده، فأرسل إليهم فعرض عليهم ما أمره به أمير المؤمنين، فأبوا فأجلهم سنة، ثم نابذهم، فقيل لعمر: إن عمير قد خرّب عرب السوس وفعل وفعل، فتغيظ عليه عمر، ثم إنه قدم بعد ذلك وافدا ومعه رهط من أصحابه، فلما قدم عليه علاه بالدرّة، وقال: خربت عرب السوس، وهو ساكت لا يقول له شيئا، ثم قال لأصحابه: مبرنسين مبرنسين ضعوا برانسكم، قال عمير برانسكم ثكلتكم أمهاتكم، إنكم والله ما أنتم بهم، فوضعوا برانسهم، فقال عمر: معممين معممين ضعوا عمائمكم، قال عمير: ضعوا عمائمكم فإنا والله ما نحن بهم، فقال مكممين مكممين ضعوا كمائمكم، فقال عمير: ضعوا كمائكم فإذا عليهم جمام، فقال عمر أما والله الذي لا إله إلا هو لو وجدتكم محلّقين لرفعت بكم الخشب؛ ثم إن عمر دخل على أهله فاستأذن عليه عمير، فدخل فقال: (١٢٤ - ظ) يا أمير المؤمنين اقرأ عهدك إلي في عرب السوس، فقال عمر: رحمك الله فهلا قلت لي ذلك وأنا أضربك، قال كرهت أوبخك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: غفر الله لك، ولكن غيرك لو كان.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد القاسم ابن علي بن الحسن قال: أنبأنا الفقيه أبو الحسن السلمي، وأخبرنا أبي عنه قال:
حدثنا علي بن محمد الفقيه قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن أحمد بن هرون قال:
أخبرنا علي بن يعقوب بن ابراهيم قال: أخبرني أحمد بن ابراهيم قال: حدثنا محمد بن عائذ قال: قال الوليد: ورأيت خلف درب الحدث مدينة حين أشرفنا على قباقب ناحية، فسألت عنها مشيخة من أهل قنسرين فقالوا: هذا عرب السوس مدينة أنسطاس التي غدرت، فأتاها عمير بن سعد، فقاتلهم وخربها، فهي خراب الى اليوم.
وقريب من هذه المدينة جبل فيه الكهف الذي ذكره الله في كتابه، وجاء في
[ ١ / ٣٣٣ ]
التفسير أن عربسوس هي المدينة التي قال الله تعالى فيما قصّه في كتابه الكريم:
«فابعثوا بورقكم هذه الى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف» (^١).
وزرت هذا الموضوع فوجدته على الصفة التي أخبر الله تعالى في كتابه الكريم: «وترى الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين واذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه» (^٢) وقد بني على الموضع بناء عظيم حسن واسع لمن يقصده من الزوار، ووقف عليه وقف، ورتب لهم ضيافة بناه صاحب مرعش.
وأنبأنا أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر الحافظ عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي عن أبي الحسين بن المنادي قال: ومدينة أصحاب الكهف من عمل الروم في رستاق الأواسي، والكهف في جبل بانجلوس، وقرئ في مسجدهم كتاب بالعربية: يدخل مسلمة بلاد الروم، ويفتح أربع حصون. (١٢٥ - و).
***
_________________
(١) - القرآن الكريم، سورة الكهف الآية:١٩.
(٢) - القرآن الكريم، سورة الكهف الآية:١٧.
[ ١ / ٣٣٤ ]