وهي الآن مدينة عامرة، ومحاسنها في هذا العصر سائره، قد كثر بناؤها، واتسعت أرجاؤها، وعمرت قلعتها، وكثرت منفعتها، وكانت قلعتها مبنية باللّبن والمدر، فعمرها الملك الظاهر (^٢) ﵀ بالحجر، فصارت من أحصن القلاع، ومدينتها من أحسن البقاع، وكانت تعرف في صدر الإسلام بتل عزاز، ولا ذكر لها إلاّ بالعبور بها والاجتياز، ولإسحق بن إبراهيم الموصلي قصة فيها مع بنت قس يقال لها حنّه ذكرها أبو الفرج الأصبهاني، وقال فيها إسحاق الموصلي أبياتا وهي:
إن قلبي بالتّل تلّ عزاز … عند ظبي من الظباء الجوازي
شادنّ يسكن الشآم وفيه … مع شكل العراق ظرف الحجاز
يا لقومي لبنت قسّ أصابت … منك صفو الهوى وليست تجازي
حلفت بالمسيح أن تنجز الوعد … وليست تهمّ بالإنجاز (^٣)
وكان الفرنج خذلهم الله قد استولوا على عزاز في شهر رمضان من سنة اثنتي عشرة وخمسمائه، ولقي أهل حلب منهم شدة عظيمة، إلى أن فتحها نور الدين محمود ابن زنكي بن آق سنقر ﵀ في سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وتسلمها من يد جوسلين.
_________________
(١) -يصل عزاز بحلب طريق مزفت طوله ٢٦ كم. التقسيمات الادارية،٣١٦.
(٢) -جاء في الحاشية بخط مخالف لخط الاصل: الملك الظاهر هو غازي بن يوسف بن أيوب.
(٣) - انظر الاغاني. ط. دار الكتب ٥/ ٣٧٣:١٣٥١/ ١٩٣٢.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وحكى لي والدي ﵀ أن نور الدين كان على حصارها، فسمعنا بحلب أنها قد فتحت، وكان ذلك في ساعة من نهار، ولم نتحقق الخبر فوقع كتاب نور الدين على جناح طائر بأنها فتحت في تلك الساعة التي أخبر بفتحها فيها.
وكان محمود بن نصر بن صالح (٩٣ - و) أمير حلب قد ولى فيها أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجي الحلبي، فعصى بها، فاحتال محمود حتى سمه فمات بها، وسنذكر القصة في ترجمة أبي محمد الخفاجي (^١).
وقال أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني، وقد اجتاز بعزاز، فرأى فيها نساء الفرنج؛ وأجازها لنا شيخنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي عنه، (^٢) وقرأتها بخطه في ديوان شعره:
أين عزّي من روحتي بعزاز … وجوازي على الظّباء الجوازي
واليعافير ساحبات الغفافي … ر علينا كالرّبرب المجتاز
بعيون كالمرهفات المواضي … وقدود مثل القنا الهزهاز
ونحور تقلّدت بثغور … ريقها ذوب سكر الأهواز
ووجوه لها نبوّة حسن … غير أن الإعجاز في الأعجاز
كل خمصانة ثنت طرف الزتّار … من سرة على هرّاز
ذات خصر يكاد يخفى على الفا … رس منه مواقع المهماز
لاحظتني فانقضّ منها على قلبي … طرف له قوادم باز
وسبتني لها ذوائب شعر … عقدتها تاجا على ابراز
من معيني على بنات بني الأ … صفر غزوا فإنني اليوم غاز
_________________
(١) -لم يصلنا المجلد الذي يحوي ترجمة الخفاجي، وقد أورد ابن العديم قصة مقتله في زبدة الحلب ٢/ ٣٦ - ٤٠.
(٢) -من شعراء الخريدة، انظر-قسم شعراء الشام-١/ ١٥٦.
[ ١ / ٢٦٨ ]