ومعرفة من بناها
قد ذكرنا فيما تقدم أن اسم قنسّرين كان أولا صوبا (^١)، فسميت بعد ذلك قنسرين، وصوبا بالعبرانية، قيل إن اسمها في التوراة كذلك، ويقال فيها قنّسرون أيضا، ويقال بفتح النون بعد القاف وكسرها.
وقرأت بخط محمد بن يوسف بن المنيرة في حرفية اشتقاق أسماء البلدان:
قنسّرين من قولهم للشيخ قنسّري، وقيل نزل بها رجل يقال له ميسرة، فقال:
ما أشبه هذه بقن نسرين، فبني منه اسما للمكان.
وقال محمد بن سهل الأحول في كتاب الخراج: قنسّرين سميت برجل من قيس يقال له ميسرة، وذلك أنه مرّ به رجل فقال له: ما أشبه هذا الموضع بقن نسرين، فسميت بذلك.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد الأوقي بالبيت المقدّس قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر (١٥ - ظ) أحمد بن محمد بن إبراهيم السّلفي الأصفهاني قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن المسبح قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال قال: أخبرنا أبو العباس منير بن أحمد بن الحسن بن منير الخشّاب قال: أخبرنا علي ابن أحمد بن إسحاق البغدادي قال: أخبرنا الوليد بن حماد الرملي قال: أخبرنا الحسين بن زياد عن أبي إسماعيل محمد بن عبد الله البصري قال: وحدثني الحسين
_________________
(١) -اي haboZmarA أو (haboS) انظر مادة. ١٨٥٨، hgrubnidE،ottiK nhoJ yb،erutaretiL lacilbuB fo aideapolcyC MARA
[ ١ / ٦٩ ]
ابن عبد الله قال: ثم إن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق فسرحه في ألفي فارس، فمر على قنسّرين فأخذ ينظر إليها في الجبل، فقال: ما هذه؟ فسميت له بالرومية، فقال: إنها لكذلك، والله لكأنها قن نسر.
وقال أبو بكر الأنباري: قنسّرون أخذت من قول العرب رجل قنسّري، أي مسن، وأنشد للعجّاج:
أطربا وأنت قنسّريّ (^١) … والدهر بالانسان دواريّ
وأنشد غيره:
وقنسرته أمور فاقسأن لها … وقد حنى ظهره دهر وقد كبر
وقال أبو بكر بن الأنباري: وفي إعرابه وجهان يجوزان تجريها مجرى قولك الزيدون، فتجعلها في الرفع بالواو فتقول: هذه قنسّرون، وفي النصب والخفض بالياء، فتقول مررت بقنّسرين ودخلت قنسرين، والوجه الآخر أن تجعلها بالياء على كل حال، وتجعل الإعراب في النون، فلا تصرفها.
وقال أبو القاسم الزجاجي: هذا الذي ذكره ابن الأنباري من طريق اللغة، ولم يسم البلد كما ذكر، ولكنه روى أنها سميت برجل من عبس يقال له ميسرة وذلك أنه نزلها فمر به رجل فقال: ما أشبه هذا الموضع بقن نسرين فبني منه اسم لمكان، فقيل قنّسرين بفتح النون من قنسرين.
وذكر عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي اللخمي ثم الرّشاطي في كتاب اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار قال: قال آخرون:
دعا أبو عبيدة ميسرة بن مسروق القيسي فوجهه في ألف فارس، في أثر العدو
_________________
(١) -صحف الى قيسري في المطبوع من كتاب الصحاح للجوهري-ط. دار الكتاب العربي بمصر-مادة قسر ٢/ ٧٩١.
[ ١ / ٧٠ ]
فمر على قنسّرين، فجعل ينظر إليها، فقال: ما هذه؟ فسميت له بالرومية، فقال:
والله لكأنها قنسرين فسميت قنسرين بذلك (^١).
قال الرّشاطي: فهذا الخبر يدل على أن قنسّرين اسم مكان آخر عرفه ميسرة القيسي، فشبه به هذا، فسمي به.
قلت: وهذا وهم من الرّشاطي، وقد تصحف عليه قن نسرين، أو قن نسر، على ما ذكرناه بقنّسرين، فقال ما قال، ولعله بلغة أن حيار بني القعقاع يقال لها قنسّرين أيضا، فوقع في هذا الوهم، ولا يمكن الاعتداد بذلك، فإن من ذهب إلى ذلك جعل مدينة قنسّرين هي قنسرين الأولى، وحيار بني القعقاع هي قنسرين الثانية، فلا يمكن تشبيه الأولى بالثانية.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن علوان قال: أخبرنا القاضي أبو البركات محمد بن (١٦ - و) حمزة العرقي إجازة قال: وأخبرنا أبو محمد عبد الدائم بن عمر بن حسين سماعا منه قال: أخبرنا أبو البركات بن العرقي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر المعروف بابن القطاع قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن البر اللغوي قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وقنسّرون بلد بالشام، بكسر القاف والنون مشددة تكسر وتفتح، وأنشد ثعلب بالفتح هذا البيت لعكرشة العبسي:
سقى الله فتيانا ورائي تركتهم … بحاضر قنسّرين من سبل القطر
قال: والنسبة إليه قنسّري، وإن شئت قنسّريني (^٢).
وقع إلي كتاب ألّفه أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي سماه الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها والأقاليم وأسماء
_________________
(١) -هناك نسخة ناقصة فريدة من هذا الكتاب في مكتبة القرويين في فاس.
(٢) - الصحاح للجوهري ط. دار الكتاب العربي بمصر، مادة قسر ٢/ ٧٩١ - ٧٩٢
[ ١ / ٧١ ]
بلدانها في سياقها، وهو مسموع عليه، وأحسبه بخطه، فقرأت فيه: حدثنا جدي ﵀ قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا أشعث وسعيد جميعا عن الحسن أنه قال: الأمصار: المدينة، والشام، ومصر، والجزيرة، والكوفة، والبصرة، والبحرين.
قال ابن المنادي: وحدثني جدي قال: حدثنا روح قال: حدثنا سعيد عن قتادة أنه كان يجعلها عشرة: المدينة، ومصر، والكوفة، والبصرة، ودمشق، والجزيرة، وحمص، والأردن، وفلسطين، وقنسّرين.
وقال ابن المنادي: الشامات خمس كور: الأولى قنسّرين، ومدينتها العظمى حلب، وقنّسرين أقدم منها، وبينهما أربع فراسخ، وبها آثار الخليل ﵇ (١٦ - ظ) ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك كبني حمدان وغيرهم.
قال: ومن رسداقها (^١) منبج، وهي مدينة قديمة.
وذكر ابن حوقل النصيبي في كتابه قال في ذكر جند قنسّرين: هي مدينة تنسب الكور إليها من أضيق النواحي بناء وإن كانت نزهة الظاهر، معونة في موضعها لما كان بها من الرخص والسعة في الأسعار والخيرات (^٢) والمياه، اكتسحها الروم، فكأنها لم تكن إلا بقاياد من، وجميع جند قنسّرين أعذاء، وشربهم من السماء، وهي مدينة كثيرة الخير والسعة، وبها الفستق والتين وما شاكل ذلك.
قوله: وشربهم من السماء، يعني ضواحي قنسّرين وقراها، أما المدينة نفسها فقويق يمر بجانبها وكانت القناة من بركة عين المباركة بقرب حلب يأتي ماؤها إلى مدينة قنسّرين، وكانت القناة قد سيقت في لحف الجبل عند الوضيحي إلى
_________________
(١) -في المعرب للجواليقي، ط. القاهرة ١٣٦١، ص ١٥٨، وكان الفراء يقول: الرسداق: الرستاق. وفي القاموس الرزداق-الرسداق، الرستاق-السواد والقرى معرب رستا، ورستاق في فارسية يومنا قرية.
(٢) كتب ابن العديم فوقها ح يعني حاشية، ووضع في الحاشية: والحيوان نسخة، وفي المطبوع ص ١٦٤، مثل ما جاء في المتن.
[ ١ / ٧٢ ]
صلدي، ثم سيقت تحت الأرض إلى أن انتهت الى القناطر، وهي قرية من عملها، فعقدت لها قناطر رفيعة، ورفع ماء القناة فوقها الى أن انتهى الى مكان مرتفع، فسيقت تحت الأرض إلى مدينة قنسّرين، فكان شرب أهل قنسرين منها، وأدركت أنا معظم أسوارها، وبعض أسوار قلعتها، وأبواب مدينتها قائمة.
وكان سليمان بن قطلمش بعد قتله مسلم بن قريش قد استولى على قنسرين وعمر قلعتها وتحصن فيها، وحصر حلب، فاتفق ما اتفق من قتله على ما نذكره في ترجمته (^١)، فخربت قلعة قنسرين مع المدينة؛ وأخذ الناس حجارتها لعمائرهم، وسكورة الأرحاء.
وبنى محمود بن زنكي أولا خان قنسرين منها، وزاده أتابك طغرل الظاهري ثانيا.
ونقل من عمد المدينة إلى حلب شيء وافر، ونقل أيضا من حجارتها إلى الجسر الذي جدده (١٧ - و) سيف الدين علي بن سليمان بن خدر في الوطاة، ورصفه بالحجارة، وفي الخان الذي جدده بتل السلطان، فتداعت أقطارها، وأمحت أثارها، ولم يبق منها اليوم غير قرية قنسرين يسكنها الفلاحون والأكره، ويرى من شاهد آثارها فيها معتبره.
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم:
وقنسرين مدينة تنسب إليها الكور، وهي من أصغر المدن بها (^٢).
وقرأت في بعض كتبي من تواريخ القدماء، ولم يسم القائل أن سلوقوس، وهو الملك الأول بعد الاسكندر بني فامية، وحلب، وقنسّرين، وقد ذكرت ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) -انظر. ٣١٢ - ٥١. pp،oppelA fo etarimE ehT.RAKKAZ.S:
(٢) - المسالك والممالك،٤٦، وفيه: الكورة.
[ ١ / ٧٣ ]
قلت: ويقال لقنسرين هذه قنسرين الأولى، كذا ذكره ابن الطّيّب وابن واضح وقال ابن واضح: وقنسرين الثانية، هي حيار بني القعقاع.
وقال ابن الطيب السرخسي في رحلة المعتضد: ورحل الأمير نحو قنسرين الأولى وقنسرين مدينة صغيرة لأخي الفصيص التنوخي، وعليها سور، ولها قلعة، وسورها متصل بسور سائر المدينة.
وقال ابن واضح: وكورة قنسرين الأولى، وهي مدينة على جادة الطريق الأعظم، وبها قوم من تنوخ.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن: وقنسرين مدينة تنسب الكورة إليها، وهي من أخصب المدن.
وقال أيضا: وأما جند قنسرين، فإن مدينتها قنسرين، غير أن دار الإمارة والأسواق ومجامع الناس والعمارات بحلب (^١). (١٧ - ظ).
***
_________________
(١) -لم يعثر بعد على نسخة من كتاب البلخي في الجغرافيا.
[ ١ / ٧٤ ]