وهي مدينة من أعمال حلب عامرة ولها مياه وزروع وأشجار، ولها حصن منيع، وخرج منها جماعة من أهل العلم والعبادة منهم حذيفة المرعشي.
وقد ذكرها أبو زيد البلخي في كتابه فقال: والحدث ومرعش هما مدينتان عامرتان، فيهما مياه وزروع وأشجار كثيرة وهما ثغران.
قلت: وبين مرعش والحدث ثمانية فراسخ، وهي في زمننا هذا في أيدي المسلمين، تسلمها نور الدين محمود بن زنكي من جوسلين حين أسره (^١)، ثم استولى عليها الأرمن في سنة ست وخمسين وستمائة من أيدي نواب ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو بن كيقباذ.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان مما نقله عن مشايخ الشام، وقالوا: وجّه أبو عبيدة بن الجراح وهو بمنبج خالد بن الوليد إلى ناحية مرعش ففتح حصنها، على أن جلا أهله ثم أخربه.
وكان سفيان بن عوف الغامدي لما غزا الروم سنة ثلاثين دخل من قبل مرعش فساح في بلد الروم، وكان معاوية بنى مدينة مرعش، وأسكنها جندا، فلما كان موت يزيد بن معاوية كثرت غارات الروم عليهم فانتقلوا عنها.
_________________
(١) -أي جوسلين الثاني llnilecoJ صاحب الرها، وقد أسر سنة ٥٤٦ هـ /١١٥٠ م فكحل ومات في سجن حلب سنة ٥٥٤ هـ /١١٥٩ م. انظر زبدة الحلب ٢/ ٣٠٢.
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال: ثم إنّ العباس بن الوليد بن عبد الملك صار إلى مرعش، فعمرها وحصنها ونقل الناس إليها، وبنى لهم مسجدا جامعا، وكان يقطع في كل عام على أهل قنّسرين بعثا إليها، فلما كانت أيام مروان بن محمد وشغل بمحاربة أهل حمص، خرجت الروم فحصرت مدينة مرعش حتى صالحهم أهلها على الجلاء، فخرجوا نحو الجزيرة وجند قنّسرين بعيالاتهم، ثم أخربوها، وكان عامل مروان عليها يومئذ الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان الطاغية يومئذ قسطنطين بن اليون، ثم لما فرغ مروان من أمر حمص وهدم سورها بعث جيشا لبناء مرعش، فبنيت ومدّنت، فخرجت الروم في فتنته فأخربتها، فبناها صالح ابن علي في خلافة (٨٣ - و) أبي جعفر المنصور، وحصنها وندب الناس إليها على زيادة العطاء، واستخلف المهدي، فزاد في شحنتها وقوّى أهلها.
قال البلاذري: وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: خرج ميخائيل من درب الحدث في ثمانين ألفا فأتى عمق مرعش، فقتل وأحرق، وسبى من المسلمين خلقا، وصار الى باب مدينة مرعش وبها عيسى بن علي، وكان قد غزا في تلك السنة، فخرج إليه موالي عيسى وأهل المدينة ومقاتلتها، فرشقوه بالنبل والسهام، فاستطرد لهم حتى إذا نحاهم عن المدينة كر عليهم، فقتل ثمانية نفر من موالي عيسى، واعتصم الباقون بالمدينة فأغلقوها، فحاصرهم بعض نهار، ثم انصرف حتى أتى جيحان، وبلغ الخبر ثمامة بن الوليد العبسي وهو بدابق وكان قد ولي الصائفة سنة إحدى وستين ومائة، فوجّه إليه خيلا كثيفة، فأصيبوا إلاّ من نجا منهم، فأحفظ ذلك المهدي، واحتفل لإغزاء الحسن بن قحطبة في العام المقبل، وهو سنة اثنتين وستين ومائة (^١).
_________________
(١) - فتوح البلدان ١٩٢ - ٩٤.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقال سعيد بن كثيرّ بن عفير في تاريخه كانت سنة اثنتين وستين ومائة، كان فيها خروج الروم على مرعش فخرجت شيئا كثيرا (^١).
قلت: وخرب الروم مرعش كما ذكرناه فبناها سيف الدولة أبو الحسن علي ابن عبد الله بن حمدان، وجاء الدمستق ليمنع من بنائها، فقصده سيف الدولة، فولى هاربا، وتمم سيف الدولة عمارة مرعش. وفي ذلك يقول المتنبي:
أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا … وأدبر إذا أقبلت يستبعد القربا
فأضحت كأن السور من فوق بدؤه … إلى الأرض قد شق الكواكب والتربا
تصدّ الرياح الهوج عنها مخافة … وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبّا
وتردي الجياد الجرد فوق جبالها … وقد ندف الصّنبّر في طرقها العطبا
كفى عجبا أن يعجب الناس أنه بنى … مرعشا تبّا لآرائهم تبّا
وما الفرق ما بين الأنام وبينه … إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا؟ (^٢)
***
_________________
(١) -كان سعيد بن عفير قاضيا للديار المصرية، روى عن مالك والليث، وكان فقيها نسابة أخباريا شاعرا كثير الاطلاع، ولد سنة ست وأربعين ومائة ومات سنة ست وعشرين ومائتين. انظر حسن المحاضره للسيوطي- ط. القاهرة ١٣٢٧ هـ، ١/ ١٢٣ - ٤، النجوم الزاهرة ٢/ ٢٤٨، الاعلان بالتوبيخ للسخاوي-ط. بغداد ٦٨٥،٦٤٦،١٩٦٣.
(٢) -ديوانه ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ١ / ٢٣٧ ]