(^١) وهي من الجزر من عمل حلب، ويقال فيها معارة مصرين أيضا، وهي مدينة مذكورة وبلدة مشهوره، لها ذكر في الفتوح، وباب الرزق فيها لطالبه مفتوح، باطنها حسن وظاهرها أغن محفوفة بالأشجار، وشرب أهلها من ماء الأمطار، ولها سور قديم مبني بالحجر، وقد تهدم، وكاد أن لا يبقى منه إلا الأثر، وكان الفرنج قد استولوا عليها حين استولوا على الأثارب (^٢) وزردنا.
وزردنا (^٣) قرية قريبة منها كان لها قلعة خربت، ففتح إيلغازي بن أرتق مدينة معرّة مصرين وزردنا والأثارب في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بعد أن كسر الفرنج على ما نشرحه إن شاء الله في ترجمته؛ وأهلها ذوو يسار وأموال وأملاك ولما هجمها الفرنج دفن أهلها فيها أموالا، فظهر بعدهم منها شيء.
ويقال أنها هي التي تعرف بذات القصور، وكان أكابر حلب وأعيانها (٤٣ - و) يرغبون في اقتناء الأملاك بها، واتخاذ الدور والمنازل فيها، وكان فيها لسلفنا أملاك وافرة، خرج عنا بعضها، وبقي البعض، ويجلب منها الزيت الكثير، وأرضها عذي
_________________
(١) -هي الان مركز ناحية تتبع محافظة ادلب في سورية، وتبعد عنها مسافة ١٠ كيلومتر، التقسيمات الادارية،٢٥٠.
(٢) -تعرف الان باسم أتارب، ويصلها بحلب عن طريق مزفت طوله ٢٩ كم، التقسيمات الادارية،٣١٢.
(٣) -هي الان احدى قرى ناحية معر تمصرين، ويصلها بمدينة ادلب طريق ترابي طوله ٢٠ كم، التقسيمات الادارية،٢٥٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
يزرع فيها البصل والثوم والكسفره والحبّه، فتأتي على أكمل ما يكون من غير سقي.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان ما ذكره عن مشايخه في ذكر الفتوح قالوا: وبلغ أبا عبيدة أن جمعا للروم بين معارة مصرين وحلب، فلقيهم وقتل عدة بطارقة وفض ذلك الجيش، وسبى وغنم، وفتح معارة مصرين على مثل صلح حلب (^١).
وقد عد ابن واضح الكاتب لجند قنسّرين والعواصم كورا فقال: وكورة مرتحوان، وكورة معرة مصرين.
قلت: وكلتاهما من الجزر متلاصقتان، ومرتحوان قريبة من معرة مصرين.
وقال الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه: وكان بلد معرة مصرين إلى جبل السماق بلد التين والزبيب والفستق والسماق وحبة الخضراء، يخرج عن الحد في الرخص، ويحمل إلى مدن العراق، ويجهز إلى كل بلد.
أنشدني بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد الخشّاب قال:
أنشدني بعض أهل معرة مصرين لحمدان بن عبد الرحيم.
جادت معرة مصرين من الديم … مثل الذي جاد من دمعي لبينهم
وسالمتها الليالي في تغيّرها … وصافحتها يد الآلاء والنّعم
ولا تناوحت الإعصار عاصفة … بعرصتيها كما هبّت على إرم
حاكت يد القطر في أفنائها حللا … من كل نور شنيب الثغر مبتسم
(٤٣ - ظ)
إذا الصّبا حرّكت أنوارها اعتنقت … وقبّلت بعضها بعضا فما لفم
كأنما نشرت كفّ الربيع بها … بهار كسرى مليك الفرس والعجم
_________________
(١) - فتوح البلدان،١٥٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
كم وقفة لي بباب السوق أذكرها … مع أسرة ماتت الدنيا لموتهم
وكم على تل باب الحصن من أرب … أدركته عند خلّ من بني جشم
وكم على الجانب الشرقي لي خلس … مع فتية يدرؤون الهم بالهمم
مهلهليّون لا يألون في كرم … جهدا ويرعون حقّ الجار والذمم
عاقرتهم وجلابيب الصبا قشب … وعارضي غير محتاج إلى الكتم
يا ليت شعري وليت أصبحت غصصا … هل يجمع الله شملي بعد بينهم
وما كفى الدهر مني أن نأى بكم … عني وغادرني لحما على وضم
حتى أراني حصار الكفر ثانية … بناظر غرق تحت الدموع عم
صبرا لعلي أرى للدهر عاطفة … تدبّ فينا دبيب البرء في السّقم
فالله يعقب أهل الصّبر إن صبروا … وصابروا بنعيم غير منصرم
الكفر قرية كبيرة من الجزر من كورة مرتحوان ولها مغائر كان الفرنج إذا أغاروا على البلد دخلوا واحتموا فيها ومعهم أهل يحمول وبيت رأس وهي ثلاثة قرى مجتمعات يسمع في كل قرية صوت من يصيح في الأخرى، فكان الفرنج يحصرونهم في المغائر فلا يقدرون عليهم. (٤٤ - و).
أنبأنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن صصرى قال أجاز لنا أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني وقال في معرة مصرين، ورأيته أنا بخطه في ديوان شعره:
معرّة مصرين (^١) … ناهيك مصرا
محلاّ محلى بهاء وفخرا
أرق البقاع هواء وماء … وأبهى المنازل دارا وقصرا
أقمت بها يوم صدر أغر … يضاهي وجوها من القوم غرا
ووا لهفتا لو أعان الزمان … خلعت على ذلك اليوم شهرا
(٤٤ - ظ)
_________________
(١) -كذا ضبطت في الاصل، مع انها ضبطت في المرات السابقة بفتح الميم، وهكذا ضبطها ياقوت.
[ ١ / ١٣٥ ]