وكان اسمها بالروميه ملطيا، وقيل كان اسمها ملدني فعرّب وجعل ملطيّة.
ويقال: إن الإسكندر بناها، والعامة يقولون: ملطيّة بكسر الطاء وتشديد الياء.
كذلك ضبطها أبو نصر الجوهري في كتاب الصحاح في اللغة، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان قال: أخبرنا أبو البركات بن العرقي في كتابه؛ وأخبرنا أبو محمد عبد الدائم بن عمر قال: أخبرنا ابن العرقي قال: أخبرنا أبو القاسم بن القطّاع قال: أخبرنا أبو بكر بن البرء قال أخبرنا إسماعيل بن محمد قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وملطيّة بلد. (^١)
ولما قرأت المقامات الحريرية على شيخنا أبي اليمن الكندي فقرأت عليه:
أزمعت عن ملطيّة مطيّة البين (^٢)، وكانت مضبوطه في نسختي كذلك بخط أبي المعمّر الأنصاري وعليها خط الحريري، فقال لي شيخنا أبو اليمن:
ملطيّة لا غير لا يجوز غيرها.
ثم قرأت عليه بعد ذلك: أخبركم أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، فأقرّ به، قال: فيما تلحن فيه العامّة مما يخفف، والعامة تشدده، وهي ملطيّة.
_________________
(١) -الصحاح للجوهري مادة ملط ٣/ ١١٦٢.
(٢) -انظر مطلع المقامة السادسة والثلاثون (الملطية) من مقامات الحريري.
[ ١ / ٢٥١ ]
وأخبرنا شيخنا أبو اليمن إذنا قال: أخبرنا أبو منصور القزّاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب قال: حدثني محمد بن علي الصّوري قال: قال لي عبد الغني بن سعيد الحافظ: ليس في الملطيين ثقه.
وكتب إلينا أبو المظفر عبد الرحيم السمعاني من مرو يذكر عن أبيه أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني أنه قال، في ذكر ملطيّة: بنى هذه المدينة الإسكندر.
قال: وسمعت أن أكثر من خرج منها من المحدثين كانوا ضعفاء. (^١)
قلت وقد خرج منها جماعة من المحدثين، وهي الآن في أيدي المسلمين (٨٨ - و) وهي مدينة عامرة كبيرة حصينة.
وقد ذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صفة الأرض والأقاليم والمدن وما تشتمل عليه قال: وملطيّة مدينة كبيرة من أكبر الثغور التي دون جبل لكام، ويحتف بها جبال كثيرة الجوز، وسائر الثمار، مباح لا مالك له، وهي من قرى بلد الروم على مرحلة.
نقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب قال:
وللثغور الجزرية من المدن مرعش والحدث وزبطرة وسميساط وحصن منصور وحصن زياد وملطيّة، وهي المدينة العظمى، وكانت مدينة قديمة فأخربتها الروم، فبناها أبو جعفر المنصور سنة تسع وثلاثين ومائه، وجعل عليها سورا واحدا بلا فصيل، ونقل إليها عدة قبائل من العرب، فهي سبعة أسباع، سبع لسسليم وسائر قيس، وسبع الهواسيه، وسبع الراعية والجعاونة، وسبع تيم، وسبع ربيعة، وسبع اليمن، وسبع هوازن.
وملطيّة في مستوى من الأرض تحيط بها جبال الروم، وماؤها من عيون وأودية ومن الفرات.
_________________
(١) -انظر الانساب-مادة الملطي-٥٤١ - ظ.
[ ١ / ٢٥٢ ]
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن أبي القاسم قال: أخبرنا أبي أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو غالب الماوردي قال: أخبرنا محمد بن علي قال: أخبرنا أبو عبد الله النهاوندي قال:
أخبرنا أحمد بن عمران قال: حدثنا موسى قال: حدثنا خليفة قال: وفيها-يعني سنة أربعين ومائه-وجه أبو جعفر عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي لبناء ملطيّة، فأقام عليها سنة حتى بناها وأسكنها الناس. (^١)
قرأت في كتاب البلدان تأليف أبي جعفر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وحكاه عمن حدثه من أهل الشام قالوا: وجه عياض بن غنم حبيب بن مسلمه الفهري من سميساط الى ملطيّة ففتحها، ثم أغلقت، فلما ولي معاوية (٨٨ - ظ) الشام والجزيرة وجه إليها حبيب بن مسلمه ففتحها عنوة ورتب فيها رابطة من المسلمين مع عاملها، وقدمها معاوية وهو يريد دخول الروم، فشحنها بجماعة من أهل الشام والجزيرة وغيرها، وكانت طريق الصوائف، ثم إن أهلها انتقلوا عنها في أيام عبد الله بن الزبير، وخرجت الروم فشعثتها ثم تركتها، فنزلها قوم من النصارى من الأرمن والنبط.
فحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده قالوا: كان المسلمون نزلوا طرنده بعد أن غزاها عبد الله بن عبد الملك سنة ثلاث وثمانين، وبنوا بها مساكن وهي من ملطيّة على ثلاث مراحل واغلة في بلاد الروم، وملطيّة يومئذ خراب ليس بها إلا ناس من أهل الذمة من الأرمن وغيرهم، فكانت تأتيهم طالعة من جند الجزيرة في الصيف فيقيمون بها الى أن ينزل الشتاء وتسقط الثلوج، فإذا كان ذلك قفلوا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رحّل أهل طرندة عنها وهم كارهون، وذلك لاشفاقه عليهم من العدو، فاحتملوا فلم يدعوا لهم شيئا حتى كسروا خوابي
_________________
(١) - انظر تاريخ خليفة بن خياط (ط. دمشق ١٩٦٨) ٢/ ٦٤١.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الخل والزيت، ثم أنزلهم ملطيّة وأخرب طرندة، وولى على ملطيّة جعونه ابن الحارث أحد بني عامر بن صعصعه.
قالوا: وخرج عشرون ألفا من الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائة، فنزلوا على ملطيّة، فأغلق أهلها أبوابها، وظهر النساء على السور عليهن (٨٩ - و) العمائم يقاتلن، وخرج رسول لأهل ملطيّة مستغيثا، فركب البريد وسار حتى لحق بهشام بن عبد الملك وهو بالرصافة، فندب هشام الناس الى ملطيّة، ثم أتاه الخبر بأن الروم قد رحلت عنها، فدعا الرسول فأخبره، وبعث معه بخيل لترابط عليها، وغزا هشام نفسه، ثم نزل ملطيّة وعسكر عليها حتى بنيت، وكان ممره بالرقّه دخلها متقلدا سيفا، ولم يتقلده قبل ذلك في أيامه.
قال الواقدي ولما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائه أقبل قسطنطين الطاغية عامدا لملطيّة، وكمخ يومئذ في أيدي المسلمين وعليها رجل من بني سليم، فبعث أهل كمخ الصريخ الى أهل ملطيّة، فخرج الى الروم منهم ثمانمائة فارس، فواقعتهم خيل الروم فهزمتهم، ومال الرومي فأناخ على ملطيّة فحصر من فيها، والجزيرة يومئذ مفتونه، وعاملها من قبل بني العباس موسى بن كعب بحران، فوجهوا رسولا لهم، فلم يمكنه إعانتهم وبلغ ذلك قسطنطين الطاغية، فقال لهم:
يا أهل ملطيّة إني لم آتكم إلا على علم من أمركم وشاغل من سلطانكم، انزلوا على الأمان، وأخلوا المدينة أهدمها وأمضي عنكم، فأبوا عليه، فوضع عليها المجانيق فلما جهدهم البلاء واشتد عليهم الحصار، سألوه أن يوثق لهم، ففعل، ثم استعدوا للرحلة وحملوا ما استدف (^١) لهم، وألقوا كثيرا مما ثقل عليهم في الآبار والمخابئ، ثم خرجوا، وقام لهم (٨٩ - ظ) الروم صفين من باب المدينة الى منقطع آخرهم مخترطي السيوف، طرف سيف كل امرئ منهم مع طرف سيف الذي يقابله حتى
_________________
(١) -في القاموس: خذ ما استدف لك أي ما أمكن وتسهل.
[ ١ / ٢٥٤ ]
كأنها عقد قنطرة، ثم شيعوهم حتى بلغوا مأمنهم، وتوجهوا نحو الجزيرة، فتفرقوا فيها، وهدم الروم ملطيّة، فلم يبقوا منها إلا هريها، فإنهم شعثوا منه شيئا يسيرا وهدموا حصن قلوذية.
فلما كانت سنة تسع وثلاثين ومائه كتب المنصور الى صالح بن علي يأمره ببناء ملطيّة وتحصينها، ثم رأى أن يوجه عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام واليا على الجزيرة وثغورها، فتوجه في سنة أربعين ومائه ومعه الحسن بن قحطبه في جنود أهل خراسان، وقطع البعوث على أهل الشام والجزيرة، فتوافى معه سبعون ألفا، فعسكر على ملطيّة، وقد جمع الفعلة من كل بلدة، فأخذ في بنائها، فكان الحسن بن قحطبة ربما حمل الحجر حتى يناوله البناء، وجعل يغذي الناس ويعشيهم من ماله مبرزا مطابخه، فغاظ ذلك عبد الوهاب، فبعث الى أبي جعفر يعلمه أنه يطعم الناس، وأن الحسن يطعم أضعاف ذلك التماسا لأن يطوله ويفسد ما يصنع ويهجنه بالإسراف والرياء، وأن له منادين ينادون الناس الى طعامه، فكتب إليه أبو جعفر رحمة الله عليه: يا صبي يطعم الحسن من ماله، وتطعم من مالي فيفضلك، ما أتيت (٩٠ - و) إلا من صغر خطرك وقصر همتك وسفه رأيك، وكتب الى الحسن أن أطعم ولا تتخذ مناديا، وكان الحسن يقول: من سبق الى شرفة فله كذا، فجد الناس في العمل حتى فرغوا من بناء ملطيّة ومسجدها في ستة أشهر وبنى للجند الذين أسكنوها لكل عرافة بيتان سفليان وعليان فوقهما واصطبل، والعرافة عشره نفر الى الخمسة عشر، وبنى لها مسلحة على ثلاثين ميلا منها، ومسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات، وأسكن المنصور ملطيّة أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، لأنها من ثغورهم، على زياده عشرة دنانير في عطاء كل رجل، ومعونة مائة دينار سوى الجعل الذي تتجاعله القبائل، ووضع فيها شحنتها
[ ١ / ٢٥٥ ]
من السلاح، وأقطع الجند المزارع، وبنى حصن قلوذيه، وأقبل قسطنطين الطاغية في أكثر من مائة ألف، فنزل جيحان، فبلغه كثرة العرب، فأحجم عنها.
قال: وفي سنة إحدى وأربعين ومائة غزا محمد بن إبراهيم ملطيّة في جند من أهل خراسان وعلى شرطته المسيّب بن زهير، فرابط بها لئلا يطمع فيها العدو فيراجع إليها من كان باقيا من أهلها، وكانت الروم عرضت لملطيّة في خلافة الرشيد فلم تقدر عليها، وغزاهم الرشيد فأشجاهم وقمعهم، وقد سمعت من يذكر أنه كان مع عبد الوهاب بن إبراهيم نصر بن مالك، وكان نصر بن سعد الكاتب مولى الأنصار معه أيضا، وقال:
تكنفك النصران نصر بن مالك … ونصر بن سعد عزّ نصرك من نصر (^١)
***
_________________
(١) - فتوح البلدان-١٨٩ - ١٩٢.
[ ١ / ٢٥٦ ]