بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
عرفت ابن العديم للمرة الاولى عام ١٩٦١، وكنت آنذاك طالبا في قسم التاريخ في جامعة دمشق، وقد عرفته آنئذ من خلال كتابه «زبدة الحلب من تاريخ حلب» ثم مرت الايام فأوفدت لتحضير الدكتوراه في جامعة لندن، وهناك جعلت موضوع أطروحتي البحث في تاريخ إمارة حلب خلال القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد، ولدى شروعي بالعمل وجدت أن أهم مصادري المتوفرة هو كتاب «زبدة الحلب»، وعدت الى هذا الكتاب فتعرفت من جديد على محتوياته، وبدأت معرفتي بابن العديم تتأكد وتتأصل، ومن خلال البحث عرفت من مقدمة محققه المرحوم الدكتور سامي الدهان له، ان لابن العديم عددا من المؤلفات أهمها كتاب اسمه «بغية الطلب في تاريخ حلب»، وقد تحدث الدكتور الدهان عن هذا الكتاب ونسخه الخطية وجاء في ثنايا هذا الحديث قوله: «ولن نفيض في وصف هذه النسخ هنا، ولن نبسط طريقتنا في التعرف اليها وترتيبها، وإنما نحيل القارئ الى الجزء الأول من «بغية الطلب»، فنحن نطبعه في القاهرة المعزية، ونصدره بدراسة مطولة يدرك معها القارئ سبب سرورنا، ومبلغ سعادتنا في تسلمها جميعا في القرن الرابع عشر كما ذكرها السخاوي في القرن العاشر (ص:٥٥).
وبحثت عن كتاب بغية الطلب في مكتبة المعهد فلم أجده، وعجبت للأمر،
[ ١ / ٥ ]
خاصة أن هذا حدث معي عام ١٩٦٧، أي بعد مرور ما يزيد على ست عشرة سنة على نشر المجلدة الأولى من كتاب زبدة الحلب.
وبعد بحث طويل تأكد لدي أن الكتاب لم ينشر، ولم يدفع قط لمطبعة، وهنا أخذت أبحث عنه فوجدت المرحوم الأستاذ الطباخ يذكره في كتابه «أعلام النبلاء» انما يبين بأمانة أنه لم يره انما سمع بوجوده في استانبول.
وتبعا لهذا يممت وجهي شطر استانبول، وأخذت أبحث عن الكتاب وعن مصادر اضافية أعود اليها أثناء البحث في موضوع اطروحتي، وفي استانبول عرفت بوجود عشر مجلدات من هذا الكتاب جميعها بخط المؤلف، وهي موزعة على ثلاث مكتبات، وتمكنت من الحصول على مصورة لهذه المجلدات.
وبعد عودتي الى لندن عرفت أن بين محتويات مكتبة المتحف البريطاني مجلدا من كتاب بغية الطلب، وان المكتبة الوطنية في باريس تحوي أيضا واحدا من أجزاء الكتاب كما أن مكتبة المرحوم داود جلبي في الموصل فيها أحد أجزاء الكتاب، ولدى البحث والمقارنة تبين لي بأن هذه الاجزاء ليست بخط المؤلف وان محتوياتها موجودة بين الاجزاء العشرة التي صورتها من مكتبات استانبول.
وفي لندن قرأت أجزاء كتاب بغية الطلب وتعرفت الى محتوياتها، فأدركت مدى أهمية هذا الكتاب وأهمية محتوياته ليس كمصدر لتاريخ شمال بلاد الشام بل كمصدر أساسي لتاريخ بلاد الشام جنوبا وشمالا ثم تاريخ الاسلام بشكل عام، وانه تبعا لهذا ينبغي نشره.
وبعد عودتي الى دمشق أخذت أخطط لنشر المجلدات العشرة الموجودة من كتاب البغية، وتأكد لدي أنه لا يوجد في العالم غيرها، ومعروف ان ابن العديم كان قد وضع خطة لكتابة مصنفه هذه في أربعين مجلدة، انما لا ندري هل تمكن
[ ١ / ٦ ]
من كتابة مسودة هذه المجلدات جميعا، أم أن المنية حالت بينه وبين ذلك، ثم نحن لا ندري الآن ماذا تحتل المجلدات الموجودة من حجم الكتاب الاصلي، لانها في وضعها الحالي هي على غير الحال التي كانت عليه حين صنفها ابن العديم:
«أوراقها مدشوته» وقد أخذ كل جزء من أجزائها مكانا غير مكانه، ويعني هذا انها كانت قبل تسفيرها الاخير عبارة عن مجموعة من الاجزاء والاوراق، وأن الذي تولى تسفيرها لم يكن من ذوي العلم والدراية
ليس في نيتي القيام بوصف هذه المجلدات العشر بشكل مسهب في هذا البحث بل أنني سأدع ذلك كله الى بحث متكامل أصنعه عن ابن العديم وعن كتابه بغية الطلب، وسأقوم-بعونه تعالى-بالحاق هذا البحث بفهارس الكتاب العامة وذلك بعد ما أفرغ من نشره.
ومن حسن الحظ أن الموجود من كتاب بغية الطلب فيه المجلدة الاولى مع المجلدة الاخيرة منه، وهذا سيمكننا من التعرف على الخطة العامة للكتاب، وهي خطة اقتبسها ابن العديم من كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر، فقد أوقف ابن العديم المجلدة الاولى من الكتاب على الحديث عن فضائل شمالي بلاد الشام مع وصفها الجغرافي وأخيرا أخبار فتوحها على أيدي المسلمين، وبعد ذلك أخذ يترجم لاعلام شمال بلاد الشام ممن ولد هناك أو مر أو سكن أو …، على حروف المعجم ولم يقتصر على أعلام حقب تاريخ الاسلام بل تناول أعلام ما قبل الاسلام مثل الفيلسوف أرسطو وسواه.
ويختلف عمل ابن العديم عن عمل «أستاذه» ابن عساكر، كاختلاف مهنتيهما مع سيرة حياتهما، فابن عساكر كان محدثا أولا وآخرا، وابن العديم كان سياسيا وريث أسرة عريقة جمعت بين العلم والقضاء والحكم والسياسة والتجارة والنشاط الزراعي.
[ ١ / ٧ ]