(^٣) فقرأت بخط يحيى بن جرير التكريتي في كتابه الذي ضمنه أوقات بناء المدن، وقد قدمنا ذكره قال: بعد دولة الاسكندر وموته باثنتي عشرة سنة بنى سلوقس اللاذقية، وسلوقية وأفامية، وباروا وهي حلب وإذا سا وهي الرها، (^٤) وكمل بناء أنطاكية، وكان بناها قبله، أعني أنطاكية، أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر.
_________________
(١) -امتدحكم suidualC من سنة ٤١ م حتى سنة ٥٤ م، ويذكر داوني في المصدر المشار اليه في الحاشية السابقة ص ٢٧٥، بأنه منذ حوالي سنة ٤٠ م، بدأ أتباع المسيح يحملون اسم النصارى.
(٢) -امتدحكم الامبراطور البيزنطي جستنيان nainituJ من سنة ٥٢٧ م حتى سنة ٥٦٥. وفي سنة ٥٣١ م أصيبت أنطاكية بهزة أرضية، وهناك اشارات الى أن القديس سمعان العمودي هو صاحب الرؤيا، انظر ص ٥٢٩ - ٥٣٠ من مصدر الحاشيتين السابقتين.
(٣) -كتب ابن العديم في الحاشية: بلغ قراءة.
(٤) -أي. seareB،assedE
[ ١ / ٨٣ ]
قال يحيى بن جرير: بني أنطيغنوس الملك على نهر أورنطس (^١) مدينة سماها أنطوغنيا وهي التي كمل سلوقوس بناءها، وزخرفها وسماها على اسم ولده أنطيوخوس، وهي أنطاكية.
وذكر أحمد بن محمد بن اسحاق الهمذاني المعروف بابن الفقيه، فيما قرأته في كتاب البلدان وأخبارها من تأليفه قال: وقال الهيثم بن عدي: (٢٢ - و) أنطاكية بناها أنطيخس الملك الثالث بعد الاسكندر (^٢) وقد ذكرنا عن أبي العلاء أن الذي بناها يقال له أنطيخنوس الملك.
وقرأت في تاريخ قديم وقع الي وعدد فيه ملوك سورية قال: وهي بالشام فذكر سلوقس، وهو الذي بنى حلب وقنسرين، ثم ملك بعده أنطياخوس بن سوطر تسعا وعشرين سنة، وبنى أنطاكية، وسمي الاله خمسة عشر سنة.
وقرأت في تاريخ سعيد بن بطريق النصراني قال: وملك بطلميوس محب أمه عشرين سنة، وفي أيامه غلب على الشام وأرض يهوذا أنطياخوس ملك الروم، فأخرج اليهود من الشام، ونالهم منه كل شدة وعذاب. وملك بعده أخوه بطلميوس ويلقب أيضا الصائغ ثلاثا وعشرين سنة، وفي أيامه بنى أنطياخوس ملك الروم أنطاكية، وسماها باسمه فسميت مدينة أنطياخوس وهي أنطاكية (^٣).
وقرأت في بعض ما علقته من الفوائد قيل ان أول من سكن أنطاكية وعمرها أنطاكية بنت الروم بن اليفن بن سام بن نوح، وهي أخت أنطاكية باللام.
_________________
(١) -أي. setnorO
(٢) - هناك نسخة مخطوطة واحدة من كتاب ابن الفقيه موجودة في مكتبة مشهد في ايران لم أستطع الحصول على مصورتها، ومعظم ما ينقله ابن العديم عن ابن الفقيه غير موجود في المطبوع من مختصر كتاب البلدان.
(٣) -كتاب التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق تأليف البطريق أفتيشيوس المكنى بسعيد بن البطريق ط. بيروت ١/ ٨٦،١٩٠٥.
[ ١ / ٨٤ ]
وقرأت في بعض تواريخ القدماء قال أونيناوس (^١): في السنة الثالثة عشر من تاريخ الاسكندر بنى سولوقس أنطاكية (^٢).
قرأت بخط غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن في كتاب الربيع، وأنبأنا به جماعة عن ابن البطي عن محمد بن فتوح الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أنه نقل من خط ابن بطلان الطبيب رسالة، كتبها الى والده هلال بن المحسن، بعد خروجه من بغداد يخبره فيها بأحوال البلاد التي مر بها في سفره، وذلك في سنة أربعين وأربعمائة قال فيها: وخرجنا من حلب طالبين أنطاكية، وبين حلب وبينها يوم وليلة، فوجدنا المسافة التي بين حلب وأنطاكية أرضا عامرة لا خراب فيها أصلا، لكنها أرض زرع للحنطة والشعير تحت شجر الزيتون، قراها متصلة ورياضها مزهرة، ومياهها متفجرة، يقطعها السفر في بال رخي وأمن، وسكون.
وأنطاكية بلد عظيم ذو سور وفصيل، ولسوره ثلاثمائة وستون برجا (٢٢ - ظ) يطوف عليها بالنوبة أربعة آلاف حارس، ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك يضمنون حراسة البلد سنة، ويستبدل بهم في السنة الثانية.
وسكك البلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل، والسور يصعد مع الجبل الى قلته، فيتم دائرة، وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها عن البلد صغيرة وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية، وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب، وفي وسطها بيعه القسيّان، وكانت دار قسيّان الملك الذي أحيا ولده فطرس رئيس الحواريّين ﵇، وهو هيكل طوله مائة خطوة، وعرضه ثمانون، وعليه كنيسة على أساطين، وكان بدور
_________________
(١) -لعلة المؤرخ الاغريقي للقرن السادس salalaMsennaoI انظر. ٣٨ - ٣٧. PP،hcoitnAfo.yrotsi،HyenwoD:
(٢) - بحث أمر اقامة انطاكية من قبل داوني في كتابه المذكور في الحاشية السابقة انظر ص ٥٤ - ٨٢.
[ ١ / ٨٥ ]
الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة للحكومة، ومعلموا النحو واللغة، وعلى أبواب هذه الكنيسة بنجام للساعات يعمل ليلا ونهارا دائما، اثنتي عشر ساعة، وهو من عجائب الدنيا، وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات وبساتين، ومعاصر حسنة نخرقها المياه، وعلة ذلك أن الماء ينزل إليهم من الجبل المطل عليهم، وهناك من الكنائس مالا تحد كثرة، كلها معمولة بالفص المذهب، والزجاج الملون والبلاط المجزّع.
قال: وظاهر البلد نهر يعرف بالمقلوب، أخذ من الجنوب إلى الشمال، وهو مثل نهر عيسى، وعليه رحىّ، يسقي البساتين والأراضي (^١) (٢٣ - و).
وقال أبو العباس أحمد بن ابراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم:
أنطاكية، وهي بعد دمشق أنزه بلد بالشام، عليها سور صخر يحيط بها، وبجبل مشرف عليها، فيه مزارع ومياه وأشجار، ومراعي وأرحبة، وما يشتغل به أهلها من مرافقها، يقال إن دور السور للراكب يومين، وتجري مياههم في دورهم، وسككهم، وبها مسجد جامع، وبها ضياع وقرى ونواحي خصبة جدا (^٢).
وقرأت في كتاب ابن حوقل النصيبي قال: والعواصم اسم الناحية، وليس بمدينة تسمى بذلك، وقصبتها أنطاكية، وهي بعد دمشق أنزه بلد بالشام، وعليها إلى هذه الغاية سور من صخر يحيط بها، وجبل مشرف عليها، فيه لهم مزارع ومراعي وأشجار وأرحية، وما يستغل بها أهلها من مرافقها.
ويقال إن دور السور للراكب يوم واحد، وتجري مياههم في أسواقهم
_________________
(١) -لم يصلنا-فيما أعلمه-نسخة كاملة منفردة لرحلة ابن بطلان، انما يمكن جمع نص هذه الرحلة، مما نقله ابن العديم في هذا المجلد من بغية الطلب، ومن مواد حلب وانطاكية واللاذقية في معجم البلدان لياقوت. ومن ترجمة ابن بطلان في تاريخ الحكماء للقفطي. ط. لايبزغ ١٩٠٣، ص ٢٩٤ - ٢٩٨.
(٢) - المسالك والممالك ٤٦.
[ ١ / ٨٦ ]
ودورهم وسككهم ومسجد جامعهم، وكان لها ضياع وقرى ونواحي خصبة حسنة، استولى عليها الروم، وكانت قد اختلت قبل افتتاحها، في أيدي المسلمين، وهي أيضا في أيدي الروم أشد اختلالا، وفتحها الروم في سنة نسبع وخمسين وثلاثمائة (^١).
قلت: وبعد استيلاء الروم عليها في هذه السنة فتحها المسلمون، وذلك أن سليمان قطلمش بن قاؤر بن سلجوق، وجده قاؤر أخو ألب أرسلان، أسرى من نيقيه، وكتم خبره وجد في السير (٢٣ - ظ) فوصل إلى أنطاكية في مائتي فارس وثمانية فوارس ليلا، فتسوروا الأسوار، وفتحوها ليلا، وذلك في أول شعبان سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ثم قتل سليمان بن قطلمش واستولى يغي سيان على أنطاكية، وأخذها الفرنج خذلهم الله منه في سنة تسعين وأربعمائة، وبقيت في أيديهم إلى الآن.
والمسجد الجامع الذي كان بأنطاكية للمسلمين، هو إلى جانب القسيّان، ودخلت أنطاكية في سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة وستمائة، ودخلت بيعة القسيان فوجدت بجانبها محراب المسلمين على حاله، وفي سقوفه آيات القرآن مكتوبة في النقش، وهي على ما ذكره ابن بطلان من الصورة، وبيعة القسيان مزخرفة بالرخام والفسيفساء.
وقرأت في كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها، تأليف أبي الحسين ابن المنادي، يقال: ما من بناء بالحجارة أبهأ من كنيسة الرها، ولا بناء بالخشب أبهأ من كنيسة منبج ولا بناء بالرخام أبهأ من قسيّان أنطاكية.
قال لي الشيخ علي بن أبي بكر الهروي في ذكر أنطاكية: وهي من المدن التي كانت يتسلى بها الغريب عن وطنه، وأما اليوم فلا يعنى لكربها صائم (^٢).
_________________
(١) - صورة الارض،١٦٥.
(٢) كتاب الاشارات الى معرفة الزيارات، للهروي، ط. دمشق ١٩٥٣، ص ٦، ويحوي نص ابن العديم زيادات لم ترد في المطبوع.
[ ١ / ٨٧ ]
ونقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب:
ولجند قنسّرين والعواصم من الكور، كورة أنطاكية، وهي مدينة قديمة، يقال إنه ليس في أرض الإسلام، ولا أرض الروم مثلها، أجلّ ولا أعجب سورا، عليها سور حجارة في داخل السور منازل تسير فيها الركبان. وبلغني أن مساحة دور السور، وهو يحيط بالمدينة وبالجبل الذي المدينة في سفحه اثنا عشر ميلا، وافتتحت مدينة أنطاكية صلحا، صالحهم أبو عبيدة بن الجراح، وعندهم كتاب الصلح إلى هذه الغاية، وبها الكف التي يقال أنها كف يحيى بن زكريا ﵇ في كنيسة يقال لها كنيسة القسيان (^١). ولها نهر يقال له الأرنط، عليه العمارات والأجنة، ولها عيون كثيرة تأتي من الجبل، ثم تجري في منازل المدينة، ويصرف الماء فيها كيف أحب أهلها، وأهلها الغالبون عليها قوم من العجم، وبها قوم من ولد صالح بن علي الهاشمي وقوم من العرب من يمن.
قرأت في كتاب أبي إسحاق إبراهيم بن الحسن بن أبي الحسن الزيّات الفيلسوف، المسمى نزهة النفوس وأنس الجليس في ذكر المدن والأقاليم، فقال:
ذكر مدينة أنطاكية، وهي في الإقليم الرابع، وبعدها من خط الاستواء ستة وثلاثون درجة، وهي مدينة قديمة، وليس في أرض الإسلام ولا في أرض الروم مثلها، ولها سور من حجارة، ودورها اثنا عشر ميلا وبعدها (٢٤ - و) عن خط المغرب اثنتان وستون درجة افتتحها أبو عبيدة بن الجراح صلحا، وعندهم الآن كتاب الصلح، وبها قبر يحيى بن زكريا ﵇، وكنيسة يقال لها القسيّان، وبها نهر الأرنط، عليه العمارات والضياع والبساتين، وبها عيون كثيرة تأتي من قنوات من الجبال، فتدخل منازلهم، فيضرب الماء لكل جهة، وأهلها قوم من العجم، وبها قوم من العرب.
وقرأت في كتاب المسالك والممالك للحسن بن أحمد المهلبي العزيزي، وضعه
_________________
(١) -هو محفوظ الان في متحف طوب قبر سراي في استانبول، شاهدته هناك.
[ ١ / ٨٨ ]
للعزيز الفاطمي المستولي على مصر، قال: فأما مدينة أنطاكية فهي مدينة العواصم، وهي مدينة جليلة فتحها أبو عبيدة بن الجراح، وأسكنها المسلمين، وهي من الإقليم الرابع، وعرضها خمس وثلاثون درجة، وهي مدينة عظيمة ليس في الإسلام، ولا في بلد الروم مثلها، لأنها في لحف جبل، هو من شرقها مطل عليها، لا تقع عليها الشمس إلاّ بعد ساعتين من النهار، وعليها سور من حجارة يدور بسهلها، ثم يطلع إلى نصف الجبل، ثم إلى أعلاه، ثم ينزل حتى يستدير عليها من السهل أيضا، وفي داخل السور عراص «كثيرة في الجبل ومزارع وأجنّة» وبساتين، ويتخرق الماء من عيون له في الجبل مقنّاة إلى المدينة والأسواق والمنازل، كما يتخرق مدينة دمشق، وأبنيتها كلها بالحجر، والفواكه والزهر بها كالمجان، ومساحة دور السور اثنا عشر ميلا، وبها كنيسة القسيّان، وهي كنيسة جليلة (٢٤ - ظ) عظيمة البناء والقدر عند النصارى، ويقال أن بها كفّ يحيى بن زكريا ﵇، وبرسمها بطريق، وتجل النصارى قدّره، لها أعمال واسعة من المشرق إلى المغرب، وأهلها الغالبون عليها قوم من الفرس، وقوم من ولد صالح بن علي ومواليه، وأهلها أحسن خلق الله تعالى وجوها، وأكرمهم أخلاقا، وأرقهم طباعا، وأسمحهم نفوسا، والأغلب على خلقهم البياض والحمرة، ومذاهبهم على ما كان عليه أهل الشام إلاّ من تخصّص ولها من الكور، كورة تيزين، وهي ضياع جليلة القدر، وكورة الجومة وبها العيون الكبريتية التي تجري إلى الحمّة، وكورة جندارس (^١) مدينة عجيبة البناء، مبنية بالحجارة والعمد، وكورة أرتاح، وهي مدينة جليلة القدر، وكورة الدقس، وهي كورة جليلة، وكورة قرصيلي، وهي ضياع جليلة، وكورة السويديّة وهي مدينة على ضفة البحر المالح، وكورة الفارسية والعربية، وهي جليلة القدر، وكورة يدابيا والقرشيّة.
_________________
(١) -تعرف الآن بالاسم نفسه مع خلاف بسيط في الرسم، فهي جنديرس. مركز ناحية تابعة لمنطقة عفرين التابعة لمحافظة حلب في سورية، ويصلها بحلب طريق مزفت طوله ٨٠ كم. انظر التقسيمات الادارية،٣٤٧.
[ ١ / ٨٩ ]
قلت وأهلها الآن هم من أبناء الروم والأفرنج، وخلقهم في الحسن والجمال على ما ذكر. وكورة تيزين وكورة الجومة، وكورة جندارس، وكورة أرتاح في يد المسلمين الآن مضافة إلى ولاة حلب.
وحارم (^١) من هذه الناحية لها قلعة عظيمة حصينة، وهي عامرة، ولها ربض وأسواق ومسجد جامع، وهي كثيرة البساتين والفواكه نزهة، كانت من أعمال أنطاكية، وهي الآن مستقلة (٢٥ - و) بنفسها، مستتبعة لغيرها من أعمال حلب حرسها الله.
نقلت من خط بنوسة في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري مما حكاه عمن حدثه من أهل الشام، قالوا: ونقل معاوية بن أبي سفيان إلى أنطاكية في سنة اثنتين وأربعين جماعة من الفرس من أهل بعلبك وحمص، ومن المصرين، فكان فيهم مسلم بن عبد الله، جد عبد الله بن حبيب بن النعمان بن مسلم الأنطاكي، وكان مسلم قتل على باب من أبواب أنطاكية يعرف اليوم بباب مسلمة، وذلك أن الروم خرجت من الساحل، فأناخت على أنطاكية، وكان مسلم على السور، فرماه علج بحجر فقتله.
وقال البلاذري: وحدثني جماعة من مشايخ أهل أنطاكية منهم ابن برد الفقيه أن الوليد بن عبد الملك أقطع جند أنطاكية أرض سلوقية عند الساحل، وصير الفلثر، وهو الجريب، عليهم بدينار ومدي قمح، فعمروها، وجرى ذلك لهم، وبنى حصن سلوقية.
قال: وحدثني أبو حفص الشامي عن محمد بن راشد عن مكحول قال: نقل
_________________
(١) -حارم الان هي مركز منطقة من مناطق محافظة ادلب، ويصلها بادلب طريق مزفت طوله ٥٣ كم. انظر التقسيمات الادارية،٢٦٤.
[ ١ / ٩٠ ]
معاوية في سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين إلى السواحل قوما من زط البصرة والسيابجه، وأنزل بعضهم أنطاكية.
قال أبو حفص: بأنطاكية محلة تعرف بالزط، وببوقا من عمل أنطاكية قوم من أولادهم يعرفون بالزط، وقد كان الوليد بن عبد الملك نقل إلى أنطاكية قوما من زط السند ممن حمله محمد بن القاسم إلى الحجاج، فبعث بهم الحجاج إلى الشام (^١).
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي مشافهة عن أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني قال: أنطاكية هي من احسن البلاد في تلك الناحية وأكثرها خيرا، استولى عليها الفرنج، وهي في أيديهم الساعة، وهي دار مملكتهم، والدواء المستقل الذي يقال له الأنطاكي منسوب إلى هذه البلدة، المعروف بالسقمونيا، ولا يكون ببلد إلا بهذه البلدة، وقيل إن هذه الآية في أنطاكية:
«واضرب لهم مثلا أصحاب القرية، إذ جاءها المرسلون» (^٢). وبها قبر حبيب النجار في السوق كان بها، ومنها جماعة من العلماء المشهورين قديما (^٣) وحديثا.
قرأت في كتاب أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني الفقيه في البلدان وأخبارها:
لما أن افتتح أنوشروان قنسّرين ومنبج وحلب وحمص ودمشق وإيليا وأنطاكية استحسن أنطاكية، فلما انصرف إلى العراق، بنى بها مدينة على مثال أنطاكية بأسواقها وشوارعها ودورها، وسماها رندخسره، وهي التي يسميها العرب الرومية، وأمر أن يدخل إليها سبي أنطاكية، فلما دخلوها لم ينكروا من منازلهم شيئا، فانطلق كل رجل منهم إلى منزله، إلاّ رجل أسكاف، كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصاد فلم يرها على بابه ذلك، فتحير ساعة، ثم دخل الدار فوجدها مثل داره (^٤).
_________________
(١) انظر فتوح البلدان،١٦٦،١٥٣.
(٢) القرآن الكريم، سورة ياسين:١٣.
(٣) -انظر مادة الانطاكي في الانساب السمعانى، ط. لندن ٥١،١٩١٢ - ظ.
(٤) -مختصر كتاب البلدان،١١٥ - ١١٦.
[ ١ / ٩١ ]
وقرأت في بعض ما علقته (٢٥ - ظ) من الفوائد أن كسرى بنى الرومية بالمدائن وهي باذبجان خسره، وتفسيرها خير من أنطاكية.
وهذا الذي ذكره ابن الفقيه أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني من أنهم لم ينكروا من منازلهم، وأن الرجل الإسكاف لم ير شجرة الفرصاد على بابه فتحير ساعة ثم دخل، بعيد جدا، بل هو من المستحيلات، لأن أبنية أنطاكية بالحجر، وبناء هذه المدينة بالآجر، بل يحتمل أنه شبهها بها في المنازل والشوارع، فدخل كل واحد إلى ما يشبه منزله، لا أن الإسكاف أنكر الموضع لأنه لم ير شجرة الفرصاد (^١).
وذكر أبو عبد الله حمزه بن الحسن الأصبهاني في كتاب تواريخ الأمم: كسرى أنوشروان بن قباذ، قال: وبنى عدة مدن، منها مدينة دخلت في عداد مدن المدائن السبع، وسماها به أربذيو خسره ومعنى به أربذيو خسره، أي خير من أنطاكية وقال: أربذيو اسم (^٢) لمدينة أنطاكية، وبه اسم للخير.
وقع إلي قصيدة من نظم أبي عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي مزدوجة وسمها بقصيدة الأعلام يذكر فيها خروجه من طرسوس سنة ثمان وثلاثمائة، ويصف فيها المنازل التي نزلها فذكر أنطاكية وفضلها، وفسر الأبيات، والنسخة نسخة عتيقة جدا. قال فيها:
ثم وردنا غدوة أنطاكية … وأهلها في خيرها مواسيه
أهل عفاف وأمور عالية … أخلاقهم قدما عليها جارية
مدينة ميمونة مذ لم تزل … النصف في السهل ونصف في الجبل
والبق لا يدخلها ويتّصل … لكن بها فأر عظيم كالورل
_________________
(١) كتب ابن العديم في الحاشية: بلغ قراءة على عبد الرحمن.
(٢) -في الاصل اسم لمدينة، وهو تكرار-ربما حدث سهوا، انظر ص ٥١ من تاريخ سني ملوك الارض والانبياء، لحمزة بن الحسن الاصبهاني. ط. دار الحياة بيروت.
[ ١ / ٩٢ ]
كثيرة الخيرات والثمار … وتينها القلار في الأشجار
مثل النجوم في دجى الأسحار … حصينة كثيرة الآثار
صاحب ياسين حبيب فيها … وكان عند ربّه وجيها
في الخلد والثمار يجتنيها … أكرم به مفتخرا نبيها
وقال في تفسير الأبيات: أما أنطاكية فإن لها حصنا نصف في السهل، ونصف في الجبل ولا يدخلها البق، ومن خرج منها آذاه البق، وهي كثيرة الفأر، والتين القلاّري لا يكون إلا بها، ويعرف بالعراق بالشامي، وصاحب ياسين حبيب النجار قبره بها، وهو الذي قال: «يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين» (^١).
***
_________________
(١) - القرآن الكريم سورة ياسين:٢٧، وقد وقع هذا النص في الاصل في ٣٢ - و، وقد كتب ابن العديم الى جنبه في الحاشية: ينقل الى آخر الباب الذي في أول الجزء. فنقلته.
[ ١ / ٩٣ ]