منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابا، زعم أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خبير، وفيه شهادة جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب ﵁، فحمل الكتاب الى رئيس الرؤساء، ووقع الناس في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر خطيب بغداد، فتأمله ثم ألقاه، وقال: هذا مزوّر، فقيل له: من أين لك كل ذلك؟ فقال: فيه
[ ١ / ٢٠ ]
شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر قبل ذلك سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو مات يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين، ففرج ذلك عن المسلمين غما.
وروي عن اسماعيل بن عياش أنه قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ها هنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ثلاث عشرة-يعني ومائة-فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين لأن خالدا مات سنة ست ومائة.
وروي عن الحاكم أبي عبد الله أنه قال: لما قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي-بالشين والسين معا-وحدّث عن عبد بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا هذا يزعم أنه سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
وذكر قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان، قال: وجدت في كتاب الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين، وذكر طائفة من الثقات الأثبات: إن هؤلاء الثلاثة تواصوا على قلب الدول، والتعرض لإفساد المملكة، واستعطاف القلوب واستمالتها، وارتاد كل واحد منهم قطرا. أما الجنابي فأكناف الأحساء، وابن المقفع توغل في أطراف بلاد الترك، وارتاد الحلاج بغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن درك الأمنية لبعد أهل العراق عن الانخداع، هذا آخر كلام إمام الحرمين.
ثم قال شمس الدين بن خلكان: وهذا لا يستقيم عند أرباب التواريخ، لعدم اجتماع الثلاثة المذكورين في وقت واحد. أما الحلاج والجنّابي فيمكن اجتماعهما، ولكن لا أعلم هل اجتمعا أم لا، وذكر وفاة الحلاج في سنة تسع وثلاثمائة، وذكر
[ ١ / ٢١ ]
وفاة الجنابي في سنة احدى وثلاثمائة، وذكر ابن المقفع فقال: كان مجوسيا، وأسلم على يد عيسى بن علي عم السفّاح والمنصور، وكتب له، واختص به، وذكر أنه قتل في سنة خمس وأربعين ومائة.
ثم ان ابن خلكان قال: لعل إمام الحرمين أراد المقنع الخراساني، وانما الناسخ حرّف عليه، ثم فكرت في أن ذلك أيضا لا يصح، لأن المقنع الخراساني قتل نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة، ثم قال: واذا أردنا تصحيح ما ذهب اليه إمام الحرمين فلا يكون الا ابن الشلمغاني لأنه أحدث مذهبا عاليا في التشيع والتناسخ، وأحرق بالنار سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.