يعود الفضل في التعريف بابن العديم، وأسرته، وأولية قدومهم إلى حلب في مطلع القرن الثالث الهجري، إلى الكتاب الذي ألفه ابن العديم نفسه بطلب من صديقه ياقوت الحموي، وهو كتاب "الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة"، وحفظ لنا ياقوت عدة نصوص منه في ثنايا ترجمته لكمال الدين بن العديم، وعنه نقلت أغلب المصادر اللاحقة له (^١)، وعليه المعول في هذه الدراسة، إضافة إلى بعض الإشارات العارضة التي أوردها ابن العديم عن حياته أو أسفاره في ثنايا كتابه بغية الطلب (^٢)، أُثْبتُها بنَصِّها لتَشْريك القارئ في الاستنتاج منها.
_________________
(١) ترجمة ابن العديم عند: ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٨ - ٢٠٩١، ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٢ - ٢٣٨، أبو شامة: الذيل على الروضتين ٣٣١، ابن سعيد الأندلسي: المقتطف من أزاهر الطرف ٩٨، ١٩٩ - ٢٠٠، المغرب في حلى المغرب (قسم مصر) ١: ١٤٧، ٢٨٢ - ٢٨٤، ٢٨٩ - ٢٩٧، ٣٤٦ - ٣٤٨، الحسيني: صلة التكملة لوفيات النقلة ١: ٤٦٨ - ٤٧٠، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٣٥٠، ٥١٠ - ٥١٢، ٢: ١٧٧ - ١٧٩، الدمياطي: معجم شيوخه (مخطوط محفوظ بدار الكتب الوطنية، تونس) ٢: ١١٦ - ١١٨، ابن الفوطي: مجمع الآداب ٤: ٢١٠ - ٢١١، أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥ - ٢١٦ ووهم في اسم أبيه فقيده: "عمر بن عبد العزيز"، الذهبي: العبر في خبر من غبر ٣: ٣٠٠، تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧ - ٩٣٩، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣: ١٢٦ - ١٢٩، النويري: نهاية الأرب ٣٠: ٧٧، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢١ - ٤٢٦، ابن حبيب: درة الأسلاك في دولة الأتراك (مخطوط آيا صوفيا)، ورقة ١٥ ب - ١٦ أ، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦، القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٤ - ٦٣٦، الزركشي: عقود الجمان (مخطوط) ورقة ٢٣٧ ب - ٢٣٨ ب، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٣٩، تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٤ - ٧٢٦، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٢٧٢، ٢٧٩ - ٢٩٨، ٤٧٦، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٨ - ١٠، ابن قطلوبغا: تاج التراجم ١٦٦، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦، ابن العماد: شذرات الذهب ٧: ٥٢٥ - ٥٢٦، حاجي: خليفة: كشف الظنون ١: ٢٤٩، البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧، الطباخ: إعلام النبلاء ٢: ٢٥٤ - ٢٥٦، ٤: ٤٣٠ - ٤٦١، کحالة معجم المؤلفين ٧: ٢٧٥ - ٢٧٦، الزركلي: الأعلام ٥:٤٠، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٣٩ - ٤٤٣، وله ترجمة طويلة في كتاب: أبو العلاء المعري "دفاع المؤرخ ابن العديم عنه" ٦٥ - ١٥٤. وانظر أيضًا: دراسة سامي الدهان بعنوان: حياة ابن العديم وآثاره (دمشق، ١٩٥٠ م). Fuat Sezgin، Geschichte des arabischen Schrifttums، Vol ١، Pp ٥٦، ٤٣٧ - ٤٤٤ B. Lewis، Er: Ibn Al - Adim، vol III، Pp ٦٩٥ - ٦٩٦:
(٢) يجدر التنبيه هنا أن ابن العديم قليلًا ما يتحدث عن نفسه أو يشير إلى مساهمته في بعض الأحداث في تراجم من جمعته بهم الصلة والعلاقة، من الملوك والأمراء والعلماء وغيرهم.
[ ١ / ١٦ ]
وسِيَاقةُ نَسَبه من كتاب الأخبار المستفادة، ومن غيره، على النحو الآتي:
عمر بن أحمد بن أبي الفضل هبة الله بن أبي غانم محمد بن هبة الله بن أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل بن كعب بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضَر بن نِزار بن معدّ بن عدنان، الصاحب كمال الدين أبو القاسم العقيلي الحلبي، المعروف بابن العديم.
كان أجداده؛ عَقِبُ بني أبي جرادة، يسكنون البصرة في محلة بني عقيل حتى مطلع القرن الثالث الهجري، عندما ارتحل عن البصرة من بينهم موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة، وقدم إلى حلب بعد المائتين للهجرة، وكان ارتحاله لأحد سببين: أنه قدم في تجارة إلى الشام فاستوطن حلب، أو بسبب طاعون وقع في البصرة ارتحل على إثره جماعة من بني عقيل فيهم جده موسي فسكن حلب، وكان لموسى ثلاثة أولاد: محمد، وهارون، وعبد الله، فأما محمد فأعقب عبد الله، ولا يعرف إن كان لعبد الله عقب أم لا، وأما ما تناسل من الأسرة فكان من عقب هارون جد كمال الدين بن العديم، وعبد الله، وهم أعمامه (^١).
وترجم ابن العديم في كتابه الأخبار المستفادة لمن تناسل من عقب هارون وعبد الله، وجميعهم من الأعيان والعلماء الذين حفلت بذكرهم كتب التراجم، ونوهت بفضلهم في العلم والأدب والجاه، يجمعهم قول ابن الشعار: "وبيت أبي جرادة كله أدباء، فضلاء، شعراء، رؤساء، فقهاء، نُبَهاء، مُحَدِّثون، مُقَدَّمون، عُبَّاد، زُهَّاد، قضاة، يتوارثون الفضل كابرا عن كابر، وتاليا عن غابر" (^٢).
_________________
(١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٩ - ٢٠٧٠.
(٢) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.
[ ١ / ١٧ ]
وهذا مُشَجَّرُ نسبهم منذ أولهم حتى أولاد كمال الدين بن العديم وبعض أحفاده مجمعًا من المصادر:
أبو جرادة (عامر بن ربيعة)
|
[ ١ / ١٨ ]
وابن العديم من بيت جاه وثروة ومال (^١)، يلتمس هذا من كلام ابن العديم في بعض المواضع من كتابه؛ ففي كلامه على مَعَرَّة مَصْريْن يقول (الجزء الأول):
"ويقال إنها هي التي تُعْرفُ بذات القصور، وكان أكابر حلب وأعيانها يرغبون في اقتناء الأملاك بها، واتخاذ الدور والمنازل فيها، وكان فيها لسلفنا أملاك وافرة، خرج عنا بعضها، وبقي البعض".
وكانت لهم قُرَىً وضِياعٌ أخرى في العديد من مناطق حلب، يقول (الجزء الأول):
"وبناحية الجَزْر من أعمال حلب، بالقرب من مَعَرَّة مَصْرِيْن، قرية يقال لها يَحْمُول، ولنا فيها ملكٌ نتوارثه عن أجدادنا من حدود الثلاثمائة للهجرة".
وذكر في الجزء الأول أيضا:
"ومن بني بُحْتُر فرقةٌ بأُوْرِم الكبرى من قرى حلب، وكان بأُوْرِمَ مزرعة يقال لها البُحْتُرِيَّة منسوبة إليهم، وقد دَثَرتْ وانضافت إلى أُوْرِم. رأيت كتابا من كتب أجدادنا وقد اشتري حصة في هذه البُحْتُرِيَّة من بعضهم".
ويذكر ابن العديم في موضع آخر أن سند الملكية الذي وجده في أوراق أسرته، والمتضمن حصة في قرية أُوْرِم، يعود إلى جده زهير بن هارون، وأنه أوقف حصته من القرية المذكورة على الجهاد في سبيل الله، يقول (الجزء الأول):
"ووقفت على كتاب وقف، كتبه جدُّ جدّ جَدِّي زهير بن هارون بن أبي جرادة، بحصة من ملكه بأُوْرِم الكبرى من ضياع حلب، على أن تستغل ويشترى من مَغُلّها فَرَسٌ تكون مقيمة بثغر طرسوس بدار السبيل المعروفة بزهير بن الحارث، وتقام لها
_________________
(١) معجم الأدباء ٥: ٢٠٩٠.
[ ١ / ١٩ ]
العُلُوْفَة وأجرة من يخدمها، ويقام عليها فارس يكون مقيما بالدار المذكورة، يجاهد عليها عن زهير بن هارون، وما فَضُلَ من المَغُلّ يعد لنائبة إن لحقت هذه الفرس".
فمصدر تَوفُّرِ بني العديم على هذه الأملاك يعود إلى زمن جده الأول الذي تنحدر الأسرة منه، وهو زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة العقيلي الحلبي (ت نحو: ٣٤٠ هـ)، قال ابن العديم (الجزء التاسع):
"وأكثر الأملاك التي كانت لسلفنا بحلب: أُوْرَم الكبرى، ويَحْمُول، وأقْذَار، ولُؤْلُؤة، والسِّبْن، هو الذي اشتراها".
وانتقلت هذه الضياع والقرى بالتوارث حتى وصلت إلى يد والد الكمال، ثم إلى ابنه كمال الدين، ومن هذه القرى قرية تعرف بأقْذَار، كانت في ملك والده أبي الحسن أحمد، حسبما ذكر ابن العديم في كتابه (الجزء الثامن)، وحدد موضعها، وعرَّفَ بها بقوله (الجزء الرابع):
وهي قرية أيضا من قرى حلب، من ناحيتها القبلية، من أعمال السهول والنهريات والقبلية، وأكثر هذه القرية جارٍ في ملكي، والآن تسمى أقْذَار، وتسمى التي في وادي بُطْنَان أقذَارَان".
وقد نزل بهذه القرية وبات بها الأديب الكاتب يحيى بن خالد بن محمد القَيْسَرانيّ، فكتب منها إلى ابن العديم قصيدة يتشوَّقَهُ ويثني عليه (^١).
وإضافة لما انتقل إلى ابن العديم بالمُوارثة من الأملاك، فقد تحصل، لاتصاله وقربه من الملوك والأمراء، على إقطاعات، وهو يشير في الجزء الأول من كتابه إلى قرية الهوتة، وأنها أقطعت له، وبقيت في يده حتى وقع استيلاء التتار
_________________
(١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٧: ٢٣٣ - ٢٣٤.
[ ١ / ٢٠ ]
على حلب (^١)، وهي قرية لا تزال إلى الآن تحمل الاسم نفسه بمنطقة جبل سِمْعان.
وأورد ياقوت أبياتا غزلية لابن العديم يذكر فيها الفقر والعوز، والحاجة إلى طلب الرزق، وعَقَّبَ عليها ياقوت بالقول (^٢): "لا يظن الناظر في هذه الأبيات أن قائلها فقير وَقِيرٌ، فإن الأمر بعكس ذلك، لأنه - والله يَحُوطُه - رب ضياع واسعة، وأملاك جَمَّةٍ، ونِعْمةٍ كثيرة، وعبيد كثيرة، وإماء، وخيل ودواب، وملابس فاخرة وثياب، ومن ذلك أنه بعد موت أبيه، اشتري دارا كانت لأجداده قديما بثلاثين ألف درهم، ولكن نفسه واسعة، وهمته عالية، والرغبات في الدنيا بالنسبة إلى الراغبين، والشهوة لها على قدر الطالبين".