لَم أشَأ أنْ أُضَمِّنَ هذه المُقَدِّمة ذكْر شيءٍ عن مَذْهب الأُسْرةِ، لشُيُوع ذلك في المَصَادر، وغَلَبَةِ الحَنَفيَّةِ عليهم، لولا ما وَجَدتُه في كتابِ أعْيَان الشِّيْعَةِ من إصْرَارٍ على نِسْبَتهِم إلى الشَّيْعةِ، وكتاب أعْيان الشّيْعة كتابٌ مَعْروفٌ في فَنّ التَّراجم، صنَّفه السَّيِّدُ مُحْسن الأمين، غيرَ أنَّهُ أدْخَلَ فيه الكثيرَ من أعْلَام أهْلِ السُّنَّة؛ حَشَرَهُم ونَسَبَهم إلى الشِّيْعةِ على خلَافِ شَرْط الكتاب، من هؤلاءِ أُسْرَةُ بَني العَدِيْم الَّذين تَرْجَم لهم ونَبَّه في كُلِّ موضِعٍ على أنَّهم شِيْعة (^١)، وإذا ما غَفَلَ عن أحَدِهم ونَسَبهُ إلى أهْلِ السُّنَّة نَبَّه عليه مُحَقِّقُ الكتاب (حَسَن الأمين) في الهامش (^٢).
اتَّكَأَ الأمينُ في تَعْميم التَّشَيُّعِ على أُسْرةِ بني العَدِيْم للرِّوَاية الَّتي أَوْردَها السَّمْعاني في تَرْجَمتِه لشَيْخِه الَّذي سَمِعَ عليه كتاب المُوطَّأ وغيره: عليّ بن عَبْد الله
_________________
(١) أعيان الشيعة ٢: ٢١٧، ٣: ١٤٤، ٢٠٠، ٢٠٦، ٤٣٨.
(٢) مثاله ما وقع في ترجمة كمال الدِّين بن العديم، فإن صاحب أعيان الشّيعة ذكَر أنَّ والد الكمال عُزِلَ عن منصب قاضي القضاة لا لشيء إلا لأنه "حنفيّ المذهب"، فعلق المحقق في الهامش: "هو شيعيّ لا حنفيّ، وبنو العديم بيت من الشِّيعة معروفُ، لذلك لنا أنْ نقول أنَّ عزله كان لتشيّعه (ح) ". انظر: أعيان الشيعة ٨: ٣٧٧. وما قاله ابن العديم عن هذه الحادثة، في ترجمته لوالده في الجزء الثالث من كتاب البغية، وأيضًا ممَّا أثبته ياقوت في معجمه: أنَّ عمه - أخو والده الأصغر أبو المعالي عبد الصمد - كان قد صرف عن الخطابة، فعَلِمَ والده أنَّ الأمرَ يؤول إلى عزله هو أيضًا عن القضاء لأنَّ الدَّولة شافعيَّة، فاستبق هو بطلب التخلية من المنصب، "فاستأذن في الحج والإعفاء عن القضاء فصرف عن ذلك بعد مراجعات". انظر: ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢.
[ ١ / ٤٩ ]
ابن مُحمَّد بن عَبْد الباقِي بن أبي جَرادَة، المُلقَّب بالأنْطاكِيّ لسُكْناه بمَحَلَّة باب أنْطاكِيَة من حَلَب (ت ٥٥١ هـ)، قال السَّمْعانيّ (^١): "وخَرَجْتُ يومًا من عنده، فرآني بعضُ الصَّالحين، فقال لي: أين كُنتَ؟ قلت: عندَ أبي الحَسَن بن أبي جَرادَة، وقرأتُ عليه شَيئًا من الحَديثِ، فأنْكَرَ عليَّ، وقال: ذاكَ يُقْرَأ عليه الحَدِيث!؟ قُلْتُ: لِمَ، وهل هو إلَّا مُتَشَيِّعٌ يَرَى رأيَ الحَلبيِّينَ؟ فقال: ليْتَ اقتصَرَ على هذا، بل يَقُولُ بالنُّجُومِ، ويَرَى رأيَ الأوَائِل منَ المُتَفَلسفين. وسَمعتُ بعض أهْلِ حلَب أيضًا بدمَشْقَ يَتَّهمهُ بمثل هذا".
وإنَّ صَحَّ ما رُمِيَ به عليّ بن عَبْد الله من التَّشيُّع، فهو ممَّن أخْرَجَه من التَّعميمِ الخصُوصُ؛ إذ لَم أَقفْ على مَن ذَكَرَ أو أشارَ إلى تَشيُّع أحدٍ من أُسْرِة بَني العَدِيْم، إلَّا ما وَرَدَ عن جَدِّهم الأعْلَى عامر بن رَبِيعَة المُكنَّى بأبي جَرادَة، وأنَّه كان صَاحبًا للإمام عليّ بن أبي طالب (^٢).
وتَتَبَّعتُ تَراجمَ أجْدَادِ الكَمَال ابن العَدِيْم فلم أجِدْ مَن خَرَج منهم عن المَذْهَب أو انْتَقَلَ إلى غيره، فعَبْدُ الصَّمَد بن زُهَيْر بن هارُون (ت ٤٠٢ هـ) "كان قيِّمًا بمَذْهب أبي حَنِيْفة" (^٣)، وجَدُّ جَدِّ والدِ كَمال الدِّين، واسْمُه: أحمد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن هارُون (ت نحو ٥٢٩ هـ) كان حَنَفيًا، وصَنَّف كتابًا ذَكَرَ فيه الخِلَافَ بين أبي حنِيْفة وأصْحابِه وما تفرَّدَ به عنهم (^٤).
ونَجِدُ ياقُوت بعد أنْ ساقَ تَسْميَة خَمْسةٍ من آباءِ ابن العَدِيْم يقُولُ: "كُلُّ هؤلاءِ من آبائه وَلِيَ قَضاءَ حَلَب وأعْماَلها؛ وهم حَنَفيُّون" (^٥)، ومِثْله قَوْل ابن الشَّعَّار المَوصِليّ: "وبَيْتُ أبي جَرادَة كُلُّه أُدَباء فُضَلاء … وهم على مَذْهَبِ أبي حَنِيْفَة ﵁" (^٦).
_________________
(١) المنتخب من معجم شيوخ السمعاني ٢: ١٢٣٩ ونقله عنه، ياقوت في معجم الأدباء ٤: ١٧٩٢.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٨، القرشي: الجواهر المضية ٢: ٦٣٤.
(٣) القرشي: الجواهر المضية ٢: ٤٢٦ نقلًا عن ابن العديم من آجزاء بغية الطلب الضائعة.
(٤) القرشي: الجواهر المضية ١: ٣٥٠ - ٣٥١ ونقله ابن قطلوبغا: تاج التراجم ٥٨، وأعيان الشيعة ٣: ٢٠٦.
(٥) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢.
(٦) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.
[ ١ / ٥٠ ]
وكذا القُرَشيّ الَّذي سَلَكهم جَميعًا في طَبَقات الحَنَفِيَّة، وقال في تَرْجَمته: "وأجْدَادُه وأوْلادُه وأهْلُ بَيْتهِم عُلَماءُ حَنَفِيَّة" (^١)، ومثْلُه فعل تِلْوه الغَزّيّ (ت ١٠٠٥ هـ) في كتابه الطَّبَقات السَّنِيَّة في تَرَاجم الحَنَفِيَّة، وعادةً ما يُشارُ إلى ابن العَدِيْم بالفَقيه الحَنَفيّ كما هو عند ابن الشَّعَّار (^٢)، وأبي شَامَة (^٣)، وشَرَف الدّين الدِّمياطيّ (^٤)، والقُرَشيّ (^٥)، وابن حَبيب الحَلَبيّ (^٦)، والمَقْريزيّ (^٧)، وابن الشِّحْنَة (^٨)، و"انْتَهَتْ إليه رئاسَة أصْحاب أبي حَنِيْفة" (^٩)، وأخيرًا ما قَيَّدَهُ ابنُ سَعِيدٍ بخَطّه على نُسْخة كتابِ المُغْرِب المُهْدَاةِ لخِزَانَة ابن العَدِيْم: "صَدْرُ الصُّدورِ الشَّاميَّةِ، رَئيسُ الأئمَّةِ الحَنَفِيَّة" (^١٠).
وليس أدلَّ ولا أوْضَح من كلام ابن العَدِيْم نَفْسه، في التَّرْجَمَة التي صَنَعها لياقُوت الحَمَويِّ، عن أحَد أفراد أُسْرته، وهو وَالدُ جَدِّه القَاضِي أبو غَانم مُحمَّد بن أبي الفَضْل هبة الله بن أحمد (ت ٥٣٤ هـ)، وأنَّه "كان حَنَفيَّ المَذْهب، وكان يَؤمُّ بالنَّاس ثلاثينَ سَنَةً وهو مُتَكتِّفُ تحت ثيابه ويُسْبلُ أكْمامَه فارغةً خَوفًا من الوُلاةِ في أيامه لأنَّهم كانوا إسْماعِيْليَّة يَرَونَ رأيَ المصريين" (^١١).
بل يَظْهر أنَّ لدَي ابن العديم مَيْلًا وتَعَصُّبًا لحَنَفيّته، يُسْتَحْلَبُ ذلك من إقْناعِهِ لأحد المالكيَّة في التَّحوُّلِ إلى مَذْهَب أبي حَنِيْفَة، حَسْبما ذَكَرَ ذلك اليُونِيْنيّ ونَقَلَهُ عنه الذَّهَبيّ وابن شاكر الكُتبيّ والصَّفَديّ في تَرْجَمَة مُحمَّد بن سَعِيْد بن مُحمَّد بن الجنَّان الشَّاطِبيّ (ت ٦٧٥ هـ)، والَّذي تقدَّمَ ذِكْرُهُ في أصْحابِ ابن العَدِيْم
_________________
(١) القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥.
(٢) قلائد الجمان ٤: ٤١، ٧: ٢٣٣، ٢٣٥، ٢٤٦، ٢٧٢.
(٣) الذيل على الروضتين ٣٣١.
(٤) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ١١٧ ب.
(٥) الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥.
(٦) درة الأسلاك ورقة ١٥ ب.
(٧) المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، والسلوك، ١/ ٢: ٤٧٦.
(٨) الدر المنتخب ٧.
(٩) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥ تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨.
(١٠) المغرب لابن سعيد قسم مصر ١: ١٤٧.
(١١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٧٩.
[ ١ / ٥١ ]
ومُدَّاحه، قال اليُونِيْنيِّ ومَنْ نَقَل عنه: "صَحِبَ. أي ابن الجَنَّان - كَمالَ الدِّين بن العَدِيْم ووَلدَهُ، فاجْتَذَباهُ بإحْسانِهما، ونَقَلاهُ من مَذْهب مَالِكٍ إلى مَذْهب أبي حَنِيْفَة" (^١).
وتُوجَد إشارةٌ إلى مَذْهبِه في أبْيات كَتَبها له الحَسَنُ بن زَمَّام الحَدِيْثيّ المعَرِّيّ، أوْرَدَها ابنُ العَديم في ترجمته (الجزء الخامس)، يقُولُ ابنُ زمَّام: [من الخفيف]
أيُّها السَّيِّدُ الإمّام فُلَان الـ … ـدِّيْن يا ذَا الإنْعَاِم والإحْسَانِ
والّذي أيَّد الإلَهُ بهِ مَذْ … هَبَ فَخْرِ الأئَّمة النُّعْمانِ
وأخيرًا فيَردُ أنَّ ابن كَمال الدِّين وهو القاضي أبو المَجْد مَجْد الدِّين عَبْد الرَّحمن (ت ٦٧٧ هـ) تولَّى الخطابة بجامِع القَاهرةِ الكبير (جامعِ الحاكم أو الجامع الأنْوَر)، وكان أوَّل حَنَفيٍّ وَلِي ذلك (^٢)، وانْتَهَتْ إليه رئاسةُ الحَنَفِيَّةِ في وَقْته (^٣).
وإذا تقرَّرَ هذا؛ فإنَّ ابنَ العَدِيْم وأُسْرَتَهُ حَنَفِيَّةُ، ولا يُعْتدُّ بما أَوْرَدهُ صاحبُ كتابِ أعيانِ الشِّيْعةِ من نسْبَته إلى مَذْهبِ الشِّيعَة.