ويتَّصِلُ بمَنْهجِه في التَّألِيفِ: أمانَةُ النَّقْل ودِقَّةُ التَّوْثيق، وهي تفُوقُ في دِقَّتها مناهِجَ التَّوْثيق الصَّارِمَةَ في زَماننِا، ولعلَّهُ مأخوذٌ بقُوَّة ما تَعاطاهُ من الفَتْوى والحَدِيث والفِقْه، إذ اتَّبعَ طَريقَ عَزْوٍ وتَوْثيقٍ لكُلِّ مَصادرِه، ولم يُغْفِلْ إسْنادَه (مَصْدره) حتَّى في رِواياتِه عن أخَصِّ أهْلِه: والدِه وعَمِّه أبي غَانِم، فلم يُوْردْ نقلًا دُونَ ذِكْر المَصْدَر، وكيفَ وَصَل إليه؛ حتَّى لو كانَ أخْذُه من على ظَهْر كتابٍ، ويَعْزو الأقْوالَ إلى أصْحابِها، ويُعَدِّد الأسَانيدَ وإنْ طالَتْ، ويَصِفُ النُّسَخَ الَّتي بين يَديه، ويَضَعُ الفُروقَ بينها إذا ما تعدَّدتْ عندَه النُّسَخ، وفي النَّماذجِ التَّاليةِ ما يُدلِّل على تَحَرِّيهِ وطَرْيقَةِ تَوْثِيقه، فيَقُول عن نُسْخةِ كتاب الحاَفِظِ للمُنَادِي المَقْرُوءة على مُؤلِّفها (الجُزء الأوَّل):
"وقَع إليّ كتابٌ ألَّفهُ أبو الحُسَيْن أحمدُ بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبيد الله المُنَادِي، سَمَّاهُ: الحَافِظَ لمَعارفِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ والقَمر والنُّجُوم في آفاقِها، والأقالِيْم وأسْمَاءَ بُلْدانها في سِياقها، وهو مَسْموعٌ عليه، وأحْسَبُه بخطِّهِ، فقَرَأتُ فيه … ".
وأيضًا اعْتِناؤه بوَصف النُّسَخ الَّتي يَعْتَمدُ عليها كُودُكولجيًّا وبَيَان حالتها وخَطِّ كاتبها، وما عليها من سَماعات وخُطُوط لمُؤلِّفيها أو خُطوط عُلَماء مُعْتَبرين، مثل (الجزء الأوَّل):
"وَقَعَ إليَّ مَجمُوعٌ بخَطِّ بعضِ الفُضَلَاء، يتضمَّن فِقَرًا وقَواعِدَ وأخْبارًا وفوائِدَ، في نُسْخةٍ عَتِيقة؛ يَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّ كاتِبَ النُّسْخَةِ جَمعَ المَجمُوع، فقَرأتُ فيه … ".
وفي تَرْجَمَةِ المُتَنَبِّي (الجزء الثَّالث):
[ ١ / ٨٥ ]
"وقَرأتُ في جُذَاذَة طِرْس مَطْرُوح، في النُّسْخَة الّتي وَقَعَتْ إليَّ بسَمَاعَ جَدِّ جَدِّ أبي القَاضِي أبي الحَسَن أحْمَد بن يَحْيَى بن زُهَير بن أبي جَرَادَة، من شِعْر المُتَنَبِّي على مُحَمَّد بن عَبْد الله بن سَعْد النَّحْوِيّ الحَلَبِيّ، وفيها مَكتُوبٌ بغير خَطِّ النُّسْخَة … ".
وفي تَرْجَمَة إسْحاقَ بن صَالِح بن عليّ الهاشِمي (الجُزء الثَّالث):
"وَقَعَ إليَّ مُدْرَجٌ بخَطِّ الشَّريف هَادِي بن إسْمَاعِيْل بن الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن الحُسَيْنيّ، كَتَبَهُ ووضَعَهُ وذهَّبَهُ للسُّلْطَان مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه، في النَّسَب .. ".
وأيضًا في الجزء الأوَّل:
"وقَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن كَثِيْر بن عُفَيْر في سَنةِ سَبْعَ عشرةَ، في نسْخَةٍ قَدِيْمَةٍ صَحِيْحة، قال: … ".
وفي تَرْجَمَة الحَسَن بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع التِّنِّيْسِيّ (الجزء الخامس):
"ووَقَعَ إليَّ نُسْخَة من شِعْره صَحيْحة؛ ابْتَدأ في أوَّلِ الدِّيْوَان وقال: قال أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع، وخَتَمَهُ بقَوْله: آخر شِعْر أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن وَكِيع، ثُمَ إنَّهُ كَتَبَ بعدَهُ: نَقَلْتُهُ من نُسْخَةٍ كان في آخرِها مَكْتُوبًا: نَقَلْتُهُ من نُسْخَةٍ كان في آخرها بخَطِّ ابن وَكِيع يقُول: … ".
وفي تَرْجَمَةِ الحَسَن بن أحْمَد بن عليّ بن المُعلِّم الحَلَبِيّ (الجزء الخامس):
"وقَرأتُ بخَطِّ أبي البَيَان نَبَأ بن مَحْفُوظ الأدِيْب الدِّمَشقيّ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من نُسْخَةٍ نُقِلَت من خَطِّ عَبْدِ الوَدُود بن عِيسَى النَّحْوِيِّ من شِعْر أبي مُحَمَّد الخفاجِيّ، وعليها بخَطِّ عَبْد الوَدُود النَّحْوِيّ عند ذِكْر أبْياتِ أبي مُحَمَّد عند قَوْله … ".
[ ١ / ٨٦ ]
وكَرَّرَهُ في الكُنَى في تَرْجَمَةِ أبي طَاهِر بن المُحَسِّن ابنِ الجَدي الكَاتِب الحَلَبِيِّ (الجزء العاشر):
"قَرأتُ بخَطِّ أبي البَيَانِ نَبَأ بن مَحْفُوظ الأدِيْب الدِّمَشقي، فيما نَقَلَهُ من شِعْرِ أبي محَمَّد الخفاجِيّ، من نُسْخَةٍ مَنْقُولةٍ من خَطِّ عَبْد الوَدُود بن عِيسَى النَّحْوِيّ، وعلى المَنْقُولِ منها خَطُّ عَبْد الوَدُود بالتَّصْحِيح … ".
وفي تَرْجَمَةِ القاضي الحُسَين بن عَبْد الرَّحْمن بن مَرْوَان الأسْدِيِّ الصَّابُونِيّ الأنْطَاكِيّ (الجزء السَّادِس):
"قَرَأتُ في دِيْوانِ شِعْرِ العبَّاس بن الوَلِيد الخَيَّاط أبي الفَضْل المِصِّيْصيّ، من نُسْخَةٍ رَثَّةٍ، سَيَّرَها إليَّ القَاضِي أبو مُحَمَّد بن الخشَّاب، قال فيه: .. ".
وفي تَرْجَمَةِ عمادِ الدِّين زَنْكِي في مَوْدُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر (الجزء الثَّامن):
"وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن الحُصَيْن، فيما كَتَبَهُ بخَطِّه، عن القَاضِي الفَاضِل عبد الرَّحيم بن عليّ، في دُسْتُورِهِ الّذي جَعَلَهُ تَاريْخًا للمَاجَرَايَاتِ في كُلِّ يَوْمٍ، بعضُه بخَطِّ الفَاضِل، وبعضُه بخَطِّ [ابن] الحُصَيْن، قال: … ".
وفي تَرْجَمَةِ أبي العَلَاء سَعِيْد بن حَمْدَان بن حَمْدُون بن الحاَرِث التَّغْلبِيّ الحَمْدَانِيّ (الجزء التَّاسِع):
"وَقَعَ إليَّ نُسْخَةٌ من شِعْرِ أبي فِرَاس، بخَطِّ أبي المَجْد عَبْدِ الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، شرْح أبي عَبْد الله بن خَالَوَيْه، وعليها بخَطِّ ابنه أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله: هذه النُّسْخَةُ قَابَلَ عليها وَالدِي، ﵀، من أرْبَع نُسخٍ، وصَحَّتْ بنِهايَةِ المُمْكن، وهي بخَطِّهِ، وقابلتُ أنا عليها من نُسْخَةٍ خَامِسةٍ كَثِيْرة الشَّرْح، وقد خَرَّجْتُ ما وَجَدْتُ
[ ١ / ٨٧ ]
من الزِّيادَةِ بخَطِّي في حَوَاشِيها، وها أنا أذْكُرُ من الأبْيَاتِ والشَّرْحَ في هذه القَصِيدَة ما - تَضَمَّن ذِكْرَ أبي العَلَاء سَعيدٍ على صُوْرتِه، قال بعد هذين البَيْتَيْن، أعْني ابن خَالَوَيْه .. ".
وفي تَرْجَمَةِ زَيْد بن عَدِيّ بن حَاتِم الطَّائيّ (الجزء التَّاسِع):
"ويُرْوَى لزيدٍ شِعْرٌ قَرَأتُه في كِتاب صِفِّين، من نُسْخَةٍ قَدِيْمَةٍ لَم أظْفَرْ باسْم جَامِعها، قال في اليَوْم السَّادِس من صِفِّيْن: … ".
ويَظْهرُ من خِلَالِ إفادَاتِ ابن العَدِيْم، ومنها الشَّواهِدُ المُباشِرَةُ المُتقدِّمة، مَعْرفتُهُ الوَاسِعةُ بالخَطِّ العَرَبيّ ومَدارسِه القَديمة، وتقدَّمَ - عند تَعْدادِ مُؤلَّفاته - ذِكْرُ كتابِه الَذي صَنَّفَهُ في الخَطِّ وعُلُومِهِ، ويأتي كذلكَ الكَلامُ على حُسْنِ خَطِّهِ وجَوْدَتِه، وقد وَظَّفَ هذه المَعْرفةَ في بَيانِ المَصادِر الَّتي اعْتَمدَ عليها، فهو يشُيرُ إلى مَصادِره الَّتي نَقَلَ عنها بخُطُوطِ أصْحابِها، ككتابِ الرَّبيعِ بِخَطِّ مُؤلِّفِهِ غَرْس النِّعْمَة مُحمَّد بن هِلَال بن المُحَسِّن، ورِحْلَة ابن جُبَيْر بخَطِّ الرَّحَّالةِ نفسِه، وكتاب القاضِي أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيِّ، وخَطِّ صَدِيْقِه ياقُوت الحَمَويّ في كتابِهِ مُعْجَم البُلْدان، وكتابِ "المُؤَصَّلِ على الأصْل المُوَصَّل" ومُخْتَصَره: تاريْخ حَلَب الصَّغير؛ كلاهُما لأبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ، وبَخطِّه، وتاريخ أبي الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، بخَطِّ مُؤلِّفِه، وذَكَرَ ابنُ العَدِيْم كيف تَحصَّلَ على النُّسْخَةِ "حَمَلَهُ إليَّ بعضُ عَقِبه"، وكتابُ الجوهَرِ المَكْنون لمحمَّد بن أَسْعَد الجوَانِيّ النَّسَّابَة بخَطِّه، وكتابُ البِدَايَةِ والنِّهاية لأبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلِّد بن نَصْر بن مُنْقِذ بخَطِّه، وهو كتابٌ في التَّاريخ نَقَلَ عنه ابن العَدِيْم تسعَ عَشرة مرَّة، ولم أقِفْ على ذِكْرٍ لهذا الكتابِ عند سِوَاه.
ويُشِيرُ إلى مَصادرَ أُخْرَى نَقَلَ عنها وكُتِبَتْ بخُطُوطِ نسَّاخ (ورَّاقين) مُعْتَبَرين، على دَرَجَةٍ من الوَثاقَة، فنُسْخَةُ كتاب فُتُوح البُلْدان للبَلاذِريّ الَّتي كانتْ بين يَدَيه،
[ ١ / ٨٨ ]
وعليها كان مُعْتَمدُهُ في النَّقْل والاقْتِباسِ، كانت بخَطِّ بَنُوْسَة، وهو نَسَّاخٌ لم نَتأدَّ لمَعْرفَتهِ، سِوى من إشَارتَيْن لابن العَدِيْمِ يَذكرُه فيها بأنَّهُ ورَّاق بني مُقْلَة (^١)، وكتابُ رِحْلَةِ أحْمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسيّ الَّتي ورَدَتْ في سِيرَةِ المعتَضِدِ باللهِ تأليف سِنَان بن ثابت بن قُرَّة، كانتْ بِخَطِّ الحُسَيْن بن كَوْجَك العَبْسِيّ الحَلَبِي، وأوْرَدَ سِيْرةَ الكتابِ وكَيفيَّةِ نَسْخِهِ واسْتِخراجِه من خِزَانَةِ المعتَضدِ. ونُسْخَةُ كتابِ فُتُوح الشَّام للوَاقِديّ كانتْ بِخَطِّ أبي عَبْد الله بن مُقْلَة (ت ٣٣٨ هـ)، وهو أخو الوَزيِر الخطَّاطِ المشهُور أبي عليّ مُحمَّد بن مُقْلَة، واسْمُه اِلحَسَن، وهذه النُّسْخةُ كانت من رِوَايةِ أحمدَ بن عَبْد العَزِيْز الجوهَرِيّ، عن أبي زيْدٍ عُمَر بن شَبَّة، عن هارُون بن عُمَر. وكتابُ التاريخ لحَمْدَان بن عَبْد الرَّحِيْم الأثارِبيّ؛ كان بخَطِّ الرَّئيس يَحْيَى بن المِرَاويّ الحَلَبيّ.
ومَدْلُولُ هذه الإشاراتِ أنَّهُ يمُيَّزُ بين نُسَخ الكُتُبِ المُعْتَبَرةِ والأُخْرَى المَلِيْئةِ بالتَّحْريفِ والتَّصْحيف، تمَامًا كما نُمَيِّزُ في وَقْتِنا بينَ نَشَراتِ الكُتُبِ بحَسَب المَطابِع ودُورِ النَّشْر الَّتي أخْرَجَتْها ومَدَى وَثاقتِها. وهو يُكَرِّرُ ذِكْرَ البَياناتِ البيْبلُوغرافيَّة في كُلِّ المَواضِع الَّتي يَرِد فيها النَّقْل.
وهو أيضًا لا يَكْتَفي بذِكْرِ خُطُوطِ النُّسَخ الَّتي اعْتَمدَ عليها، بل تَعدَّاها ليَذكُرَ المصادِرَ الَّتي اعْتَمدَ عليها وعن أي خَطٍّ نُقِلَت، ومن أيِّ فُسْخَةٍ تناسَلَتْ، يقولُ:
"نَقَلْتُ من خَطِّ عَبْدِ السَّلام البَصْرِيّ المعَرُوف بالوَاجْكَا: نَسَخْتُ من آخرِ كتابِ نَوَادر اليَزِيْدِيّ، كتابَ الشَّيْخِ أبي سَعِيد - يعني السِّيْرَافيّ - من خَطِّ أبي بَكْر بن السَّرَّاج: قال … ".
_________________
(١) ذكره في الجزء الأول ضمن الفصل الخامس من الكلام على صفين، وفي الجزء العاشر (الكنى والألقاب) في ترجمة أبي قتادة بن ربعي.
[ ١ / ٨٩ ]
و"نَقَلْتُ من كتابِ الفِهْرِسْت لمُحَمَّد بن إسْحاق النَّدِيْم، من خَطِّ مُظَفَّر الفَارِقِيّ، وذكرَ أنَّهُ نَقَلهُ من خَطِّ مُحَمَّد بن إسْحاق النَّدِيْم … " (^١).
و"أهْدَى إليَّ الخَطِيب سَيْف الدِّين أبو مُحَمَّد عبد الغنِيّ بن مُحَمَّد الحَرَّانيّ، المَعْرُوف بابنِ تَيْمِية، جُزْءًا بخَطِّهِ فيه تاريخ لأبي المَحَاسِن بن سَلامَة بن خَلِيفَة الحرَانيّ، جعَلَهُ تَكْملةً لتاريخ حَرَّان الّذي ألَّفهُ حَمَّاد الحَرَّانيّ، وذَكَرَ لي أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ أبي المَحَاسِن المَذْكُور، فقَرَأتُ فيه … ".
و"نَقَلْتُ من أخْبَارِ أبي العَتَاهِيَة للآمِدِيّ - وذَكَرَ كاتبُها أنَّهُ نَقَلَها من خَطِّ الآمِدِيّ - قال … ".
و"قَرأتُ في كتابِ القُضَاةِ، تأليف الحافِظ أبي مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد المِصْرِيّ، من نُسْخَةٍ مَنْقُولَةٍ من خَطِّه، قال … ".
و"سَيَّرَ إليَّ قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، أبو المَعَالِي أحْمَدُ بن مُدْرِك بن سُلَيمان، جُزْءًا بخَطِّه، يضَمَّنُ أخْبَارَ بني سُليْمان، نقلَهُ من نُسْخةٍ عندَهُ، فقال في ذِكْرِ أبي العَلَاء … ".
وآخرُ النَّماذِج لتَثبُّت المُؤلِّفِ وتَحَرِّيه، ما قَيَّدَهُ عندَ تَحْقيقهِ ومُعالَجتَهِ لمَسْألةِ ضَبْطِ تَسْميَّة أنْطاكية بين التَّشْديدِ والتَّخْفيف، قال بعدَ أنْ أَوْرَد مَقَالَةَ البَكْريّ فيها، واسْتِشهاده ببَيْتِ شِعْر لزُهَيْر شَدَّدَ فيه المُثنَّاة التَّحْتِيَّة (الجزء الأوَّل):
"وقد وجَدْتُ بخطِّ عليّ بن حُمْرَان في ديوانِ شِعْرِ زُهَيْر هذا البيتَ، وكتبَ بخطِّه: نَسَبَها إلى أَنْطاكِيَة، وكَتَبَ فَوْقَها: خف، وذَكَر أنَّه نقلَه من أصْلِ أبي الحُسَيْن عليّ بن
_________________
(١) رجّح الدكتور أيمن فؤاد سيّد أنَّ هذه النسخة هي ذاتها المذكررة في كتاب "المنتخب مما في خزائن الكتب بحلب"، والذي وقع الفرغ من كتابته سنة ٦٩٤ هـ. انظر الفهرست للنديم، مقدمة المحقق ١/ ١: ٧٤.
[ ١ / ٩٠ ]
مُحَمَّد بن دِيْنار، وهي مُقَابلَةٌ بنُسخةِ أبي الفَتْح جُنْجُخ (^١)، وذكرَ أنَّه قابَل بها كتابَ أبي عُمَر القُطْرُبُّلِيّ، وكتابًا بخطِّ أبي مُوسَى الحامِض، ونُسخةً بخطِّ أبي الحَسَن مُحمَّد بن مُحَمَّد التِّرْمِذيّ، مَنْقُولة من أصْلِ أبي بَكْر بن مُجَاهِد، وذَكرَ أبو الفَتْح أنَّه قابَلَ نُسْختَهُ بأصْل ابن الخيَّاطِ، وقابَلَ أيضًا بأصْل أبي سَعيدٍ بخَطِّهِ، قال ابنُ حُمْرَان: وقرأتُهُ على أبي أحمد عَبْد السَّلام البَصْرِي، وسَمِعْتُهُ يقْرأُ على أبي الحَسَن عليّ بن عِيسَى صاحب أبي عليٍّ".
والشَّواهِدُ في ذلك كَثيرةٌ؛ تَسْعصِي على العَدِّ، وتَخْرُجُ بنا عن الغايةِ والقَصْد.
إنَّ مَنْهَجَ ابنِ العَدِيْم التَّوثيِقيّ الصَّارِمِ هذا، هو نَمَطٌ فَريدٌ في التَّثبُّتِ والتَّحَرِّي، يَكشِفُ عن مَدى عِلْم الرَّجُل وموْثُوقيَّتِه، وهي مَدْرسةٌ في التَّأريخ تَسْتأهِلُ أنْ يُفْرَدَ لها بَحْثٌ مُسْتَقصىً.
ويَلْحَقُ بأمانَةِ النَّقلِ أيضًا حِرْصهُ على إيْرَادِ النُّصُوصِ على الهَيْئةِ الّتي وَجَدَها فيها، حتَّى وإنْ وقَع فيها التَّصْحيفُ والتَّحْريفُ، ويُنبِّهُ على ذلك بكَتْبِ عَلامَةٍ فَوقَ مَوْضِع الخَطأ، يرْسمها صادًا ممدُودةً "صـ"، أو بكَتْبِ كَلِمَة "كذا" عندما يَتَشكَّك في وقُوعِ الخَطأ، ويُنِّبِه أحْيانًا على وَجْهِ الصَّوابِ بعد انْتهاءَ النَّقْل أو بمُوازاتِه في الهَامِشِ. وقد الْتَزَمتُ في هذه النَّشْرةِ بالإشارَهِ إلى عَلَامتِه هذه في الهامِشِ حيثما وَردتْ، لأنَّها جزءٌ من مَنْهجِ الرَّجُل وثَقَافَته وفِكْره وتَنَبُّهاته.
ومن الأمْثِلةِ على إثْباتِ النُّصُوصِ كما وَجَدَها في أصُولها: نقلُهُ عن أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ، الَّذىِ سَمَّى "باب الصَّفْصَاف"، وهو أحَدُ أبْواب مَديْنة طَرسُوس، في مَوْضِعين من كاَبهِ سِيَر الثُّغُور باسْم: "باب الصَّاف"، فنَقَلَهُ ابنُ العَدِيْم على هذا الرَّسْم، ثُمَّ علَّقَ فَوْقَهُ بكَلِمَة "كذا"، أي هكذا وَجَدَهُ. وأيضًا نقله عنه في مَوْضِعين
_________________
(١) هو عبيد الله بن أحمد بن محمد (ت ٣٥٨ هـ)، من الوراقين المشهورين بجودة الخط، وصحة الكتابة.
[ ١ / ٩١ ]
آخرين قَوْله: "إذا أقْلَبْنا حَوافر خُيولنا"، وفي مَوضعٍ آخر "أقْلبوا حَوافر خُيولهم"، فكَتَبَهُ كما وَجَدَه في المَوْضِعين، وعلَّق في الهامِشَيْن بما رآهُ وَجْهًا للصَّوَاب: "قَلَبنا" و"قَلَبُوا".
ومِثْلُه أيضًا في تَسْميَةِ مَعَرَّةِ مَصْريْن الَّتي وَرَدتْ في أُصُول كتابِ فُتُوح البُلْدان للبلَاذُريّ بإضافةِ ألف في وَسَطِها: معارَّة مَصْرين، فأثْبَتَها على الوَجْهِ الَّذي وَجَدَها فيه في كافَّةِ النُّقُولِ الَّتي أخَذَها عنه، وفي تَسْميَةِ عَزَاز وأعْزَاز، الَّتي ارْتَضاها هو بدُون أَلِف في أوَّلها حيثما يكُونُ القَولُ قَوْله، ويَكْتُبها بالألف إذا وَجَدَها في مَصْدره الَّذي يَنْقلُ عنه كتاريخ الأثاربيّ مثلًا، وتقييدِه لدَيْر طَيَايَا الَّذي يُقالُ فيه: دَيْر طَبَاثا؛ قال: "ونَقَلْتُه من خَطِّ بَنُوْسَة فيما نَقَلْتُهُ من كتابِ البَلاذُرِيّ كذلك بياءَيْن".
واقْتَرحَ ابنُ العَديم أحيانًا في هَامِش كتابِه تَصْويبات أو فُروقًا في الرِّواياتِ، وكَتَبَ فَوْقَها حَرْفَ (ح)، ولعلَّه: (خ) مُعْجمة، مَدْلُوله (نُسْخَة)، مثالُهُ فيما نَقَله عن ابنِ حَوْقَل في كَلامهِ على قِنَّسْرين وما فيها الرُّخْصِ والسَّعَةِ في الأسْعَارِ والخَيْراتِ، فكَتَبَ فَوْقَ كَلمةِ "الخَيْرات" رَمْزَ (ح)، وقيَّدَ بمُوازتِه في الهامِش: "والحيَوان، نُسْخة"، وأيضًا تَقْييده الحَرْفَ ذاته فَوقَ بعض الكَلماتِ من قَصِيدةٍ للصَّنَوْبَريّ في نَهْر قُوَيْق، وإذا لَم يكُنْ مَدْلُولها الفُروقُ بين النسَخ والرِّوايات فربَّما كانتْ عَلامَةً تَدُلُّ على أنَّهُ اسْتَصوبَ بَدِيلًا للَّفْظَةٍ وَجَدَة أجْوَد ممَّا في الأُصُول؛ أي أنَّ حَرْف (ح) عَلامةٌ على التَّحوبلِ لقارئٍ مُتَذوِّق!.
كما الْتَزَمَ ابن العَدِيْم بإثْباتِ حَرْفِ الحاء (ح) للدَّلَالةِ على التَّحْويلِ أو الانْتِقالِ إذا ما كان لذاتِ الحَديث أو الخَبَرِ المَرْويِّ سَنَدٌ آخرُ أو أكْثر، ممَّا هو مَعْرُوفٌ وشَائعٌ في الكُتُب الحَدِيثيَّة.
[ ١ / ٩٢ ]
ولا تَقِفُ أمانةُ ابنِ العَديم في النَّقل عندَ هذا؛ بل إنَّهُ التزَمَ بضَبْط الأسْماءَ كما وَجَدَها في المَصَادرِ، فإذا ما وَجَدَ ضَبْطًا يُخالِفُ مَنْحاهُ أثْبَته، أو لفَظًا لاسْمٍ غير ما هو دَارجٌ ومُعْتَمدٌ كَتَبه على حَالهِ الَّتي وَجَدَهُ فيها في مَظانِّه، مثال ذلك إبقاؤه على ضَبْطِ: أنْطاكِية بتَشْدِيدِ المُثَنَّاةِ التَّحْتيَّةِ أو تَخْفِيفِها حَسْبما وَرَدتْ في المصَادِرِ الَّتي ينْقلُ عنها، خاصَّةً ما وَجَدَهُ في نُسْخَةِ فُتُوحَ البُلْدانِ من خَطِّ بَنُوسَة الكاتِب بالتَّشْديد فقيَّدَها على ذلك حيثما كان النَّقْلُ عنه، وبالتَّخْفيف فيما عَداه.