يُعدُّ هذا الكتابُ من الأُصُول الكُبْرَى المُوَثِّقةِ للتَّاريخ الإسلاميّ، الحَامِلَة للثَّقافة والأدَب العَرَبيّ، وقد أثْنَى عليه كَثيرٌ من المُؤرِّخين، ونَوَّهُوا بقِيْمَتِه في التَّأرِيخ لبلاد الشَّام خلالَ القُرون السَّبْعةِ الأُولَى من عُمْر الدَّولَة الإسْلاميَّة، وأهَمَّيته في التَّأريخ لدَولة بنى أيُّوب الَّتي عَاصَر المُؤلِّف مُلُوكها وأُمَراءها، وما سَرَدهُ من سِيَرهم وأخْبارهم في الحَوادثِ لعَهْدِ كُلٍّ منهم، قال الحُسَيْنيّ في تَرْجَمَة ابن العَدِيْم (^١): "جَمعَ لحَلَب تاريخًا كَبيرًا أحْسَنَ فيه ما شَاء"، ونَقَلَ كَلامَهُ اليُوِنيْنيّ والذَّهَبي، وعَقَّبَ الذَّهَبي بعدَهُ بالقَوْل (^٢): "قُلْتُ: مَنْ نَظَرَ في تاريخه عِلمَ جلالةَ الرَّجُل، وسَعةَ اطِّلاعه". وذَكَرهُ الدِّمْياطِيّ (^٣): "تاريخ حَلَب الدَّالُ على [كَمَال] الفَضْل والمَطْلَب"، وقَوْل ابن حَبيب الحَلَبيّ: "وله تاريخٌ كَبيرٌ مُخْتَصٌّ بحَلَب، جَلَبَ إليه من الفَوائد والفَرائِد ما جَلَب" (^٤)، ووَصَفُه المُؤرِّخُ ابن كَثِير بأنَّهُ تاريخٌ مُفِيدٌ (^٥)، وزادَ ابنُ تَغْري بَرْدي بأنَّهُ تاريخٌ كبيرٌ في غايَة الحُسْن (^٦).
وفي مَعْرِضِ تقديم ابن الشِّحْنَة (ت ٨٩٠ هـ) لذَيْلِه على البُغْيَةِ، المُسَمَّى بالدرِّ المُنتَخَب، أشارَ إلى عَمَلِ ابن العَدِيْم، وأقَرَّ بفَضْلِه وقِيْمَته، غيرَ أنَّهُ الْتَمَسَ لنَفْسِه ما اسْتَوجَبَ التَّذْييل عليه: طُولُ الرِّوايات، وضَيَاعُ أجْزاءَ الكتاب، قال: "ولَم أَرَ لحَلَب تاريخًا مُخْتَصًّا بذِكْرها إلَّا ما جَمَعَهُ تاريخًا مُسْتَوعبًا لها الإمامُ كَمال الدّين أبو القاسِم عُمَر بن أحمد بن العَدِيْم الحَلَبيّ الحنفيّ، فأتْقَنَ وأجادَ وأطالَ، ولَم يُبَيّضْ منه إلَّا اليَسِيرَ، وأطالَ فيه من ذِكْرِ الرِّوايات والطُّرَف، فجاءَ مَعْنىً قليل في
_________________
(١) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، وانظر: اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٧٨.
(٣) معجم شيوخ الدمياطي ٣: ورقة ١١٧ أ.
(٤) ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب.
(٥) ابن كثير البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦.
(٦) بن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩.
[ ١ / ٧٠ ]
لفظٍ كَثير، ولم يَسْبِقْهُ أحدٌ بتارِيخ لها على الخُصُوص … وتَفرَّقَت أجْزاؤه قَبْل الفِتْنَة التَّيْمُوريَّة، فلا تَجِدُ الآن منها إلَّا نَزْرًا، لَم أقِفْ منها إلَّا على جُزءٍ واحدٍ بخَطِّه فيه بعض حَرْف الميم" (^١).
ووَصفهُ السَّخَاوِيُّ (ت ٩٠٢ هـ) بالتَّاريخ الحافِلِ (^٢)، لِمَا تَضَمَّنهُ من مادَّةٍ تاريخيَّةٍ وجُغْرافيَّةٍ عن بلادِ الشَّام عامَّةً والمنطقة الشَّماليَّةِ منه على وَجْهِ التَّحديد، وهي مادَّةٌ تفَرَّدَ المُؤلِّفُ عن أقْرَانه في كَثيرٍ من جَوانبها، ولِقيْمَةِ التَّراجم الَّتي ذَكَرَها، فكانتْ إفاداتُه - تَبعًا لذلك - مَصْدرًا للأَخْذِ والنَّقْلِ والاسْتِشْهادِ عندَ كَثيرٍ من اللَّاحِقيْن ممَّن أتَى بعدَهُ.
ويَصْعُبُ، في هذا الحَيِّز المُتاح اسْتِعراضُ كافَّةِ الجَوَانِبِ الَّتي تَميَّزَتْ بها نُصُوصُ ابنِ العَدِيْم، وهي جَوانبُ وَاسِعَةٌ ومُتَشعِّبَةٌ، غير أنَّ في ذِكْرِ البَعْض منها ما يَجْزِئُ عن الكُلِّ، ويُقدِّمُ صُوْرةً عن القيْمة الحَقِيقيَّةِ للكتاب.
فأُوْلَى هذه الجوانب: تتَّصِلُ بما قيَّدَهُ المُؤلِّفُ في الجُزءِ الأوَّل من كتابهِ، وهو الَّذي جَعَلهُ مُقَدِّمةً للعَمَل، وتضمَّنَ بَحْثًا في الجُغرافيَة الطَّبِيعيَّة والبَشَريَّةِ والتَّقْسِيماتِ الإداريَّةِ عن مَنْطِقَة شَمالِ سُوريا في القُرُون السَّبْعَة الأُوْلَى؛ مُنذ الفَتْح الإسْلاميّ وصُولًا إلى عَصْره، وشَكَّلَتْ مادَّتُه الأساسَ الَّذي ابْتَنى عليه بعضُ المُؤرِّخينَ اللَّاحِقينَ مُؤلَّفاتِهم، خاصَّةً ابنُ شَدَّاد في البابِ المتُعلِّقِ بحَلَب من كتابِه الأعْلَاق الخَطِيْرة؛ بمِصْرَاعَيهِ الأوَّل والثَّاني، وهو أيضًا القسْمُ - أعْنْي الكتابَ الأوَّل من البُغْيَة - الَّذي أثارَ اهْتِمامَ المُسْتَشرقين - خاصَّة الفَرَنسيِّيْن منهم - من أمْثالِ المُؤرِّخ م. كانار Marius Canard في دراسَتِه عن الحَمْدانيِّين، وجان
_________________
(١) الدر المنتخب ٧.
(٢) الإعلان بالتوبيخ ٢٦٠.
[ ١ / ٧١ ]
سُوفاجيه، Jean Sauvaget، وكلود كاهن Claude Cahen، وغيرهم (^١).
وفَضْلًا عن تأْرِيٍخ الكتابِ لشَمال بلاد الشَّام حتَّى مُنْتَصَفِ القَرن السَّابِع الهِجْريّ، وكَوْنِه سِجلَّا لأحْدَاث المَنْطِقَةِ في تلك الحِقْبةِ المُمتدَّةِ، فتَبْرُزُ قيْمتُهُ أيضًا في احْتِفاظِه بنُصُوصٍ طَويلةٍ من كُتُبٍ مَفْقُودَةٍ كَثيرةٍ لَم تَصِلْنا، حَفظَها ابنُ العَدِيْم - وَحْدَهُ - ونَقَلَها إلينا، تَتَوزَّعُ مَوضُوعاتُها بين التَّاريخ، والأدَبِ: المَنَثُور والمنَظُوم، والأنْسَابِ والتَّراجِم، وغير ذلك، فعلى سَبيل المثالِ، لَم تكُنْ مَعْرفتُنا بأحْوالِ الثُّغُورِ - الجَزْريَّة منها والشَّاميَّة - المُتَاخِمَةِ لبلادِ الرُّوم، على هذا الوَجْهِ من الوُضُوح لولا ما اسْتَقْصاهُ عنها ودَوَنَهُ في كتابِه، ولولا احْتِفاظُهُ بنُصُوصٍ طَويلةٍ من "كتابِ سِيَر الثُّغُور" لأبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ (ت نحو ٤٠١ هـ)، وهو كتابٌ عَزيْزٌ في غايَةِ النُّدْرَةِ والفَرادَة، وَضَعهُ للوَزِيرِ أبي الفَضْل جَعْفَر بن الفَضْل بن الفُرَات المعْرُوف بابن حنْزَابَة (ت ٣٩١ هـ). ومُؤلِّفهُ ممَّن سَكَنَ الثُّغُورَ، وعايَنَ أحْوالَها إبَّانَ حِقْبَةِ الاعْتَداءاتِ الرُّوميَّةِ المُتَلاحِقَة على الثُّغُورِ في مُنْتَصَفِ القَرْن الرَّابع الهِجْريّ، وقدّمَ وَصْفًا دَقِيقًا لحيَاةِ المُرَابطينَ والسُّكَّان في أجَلّ مُدنِ الثُّغُور
_________________
(١) بحسب فؤاد سزكين في مقدمة الجزء الأول من مصورة بغية الطلب دون رقم، وأيضًا: Geschichte des arabischen Schrifttums،Vol ١،p ٤٤٣ بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٠. ومن الغريب أن كتابًا بهذه الأهمية ينل الاعتناء في الأوساط العلمية الغربية، بينما أغفلت الاستفادة منه بعض الدراسات العلمية العربية التي تناولت حلب في مختلف العهود، فدراسة رعد البرهاوي بعنوان: أجناد الشَّام "دورهم السياسي والعسكري في العصر الأموي" لم تستفد منه، وهي رسالة ماجستير منشورة، أعدت بجامعة الموصل ونُشرت بعمان (دار الكتاب الحديث، ٢٠٠٦ م)، وكذلك دراسة نعمان جبران وعنوانها: مملكة حماة في العهدين الأيوبي والمملوكي، رسالة ماجستير غير منشورة (الجامعة الأردنية، ١٩٨١ م)، وحماة كانت في اعتبارات ابن العديم من إقليم حلب، وأيضًا دراسة جورج طريف وعنوانها: حلب في العصر المملوكي الأول، رسالة ماجستير منشورة (عمان: وزارة الثقافة، ٢٠٠٨ م)، واقتصر فيها على الاطلاع على الجزء الأول من بغية الطلب، إلى غير ذلك من البحوث والدراسات العلمية المتخصصة التي تجاوزت عنه.
[ ١ / ٧٢ ]
"طَرسُوسِ" والمُدنِ والحُصُون المجاوِرَة لها كأَذَنَة والمِصِّيْصَة؛ وهي المُدنُ الَّتي كانت مسْرَحًا لانْطِلَاقِ الحَمَلَات العَسْكريَّةِ تجاه الرُّوم، بل ورَسَم خِطَطَ المَدِينةِ وأَحْياءها وسِكَكها وجَامِعَها، وما قُرّرَ بها على سَبِيلِ الوَقْفِ، وتَرْجَمَ لعُلَمائها، إلى غير ذلك من الإفاداتِ الَّتي تضَمَّنها الكتابُ ممَّا نقَلَهُ ابنُ العَدِيْم. ونُدِيْنُ لابنِ العَدِيْم في مَعْرِفَتِنا بالكتابِ أصْلًا فضلًا عن مادَّته، فلم يَذكُرْه غيرُه، بل إنَّ الحَافِظَ ابنَ عَساكِر - وقد أفْرَدَ للطَّرَسُوسِيّ تَرْجَمَة في تاريخه (^١) - لم يَذْكُر له كتابًا!. وبَلَغَتْ نُقُولُ ابنِ العَدِيْم من هذا الكتابِ أكْثَرَ من ثلاثينَ نَصًّا، من بينها خُطْبَةُ الكِتابِ، وجاءَتْ أكْثَرُ نُصُوصِه في الجُزءَ الأوَّل، إضافة إلى ما أوْرَدَهُ مُفَرَّقًا في بعضِ التَّراجم، خاصَّةً ما وَرَدَ في الجُزء العاشرِ الخاصِّ بالكُنَى.
وثَمَّةَ مثالٌ آخرَ يُدَلِّلُ على قِيْمةِ الكتابِ، ويتَّصِلُ بالجُزْءَ الأوَّلِ من عَمَل ابن العَدِيْم (المُقَدِّمة)، يَتَمثَّلُ في البابِ الَّذي خَصَّصَهُ المُؤلِّفُ لإحْصَاءَ ورَصْدِ الوجُودِ السُّكَّاني في حَلَب وجِوَارِها، وعُنْوانُه "بابُ في ذِكْر مَنْ نَزل من قَبائِل العَرَب بأعْمالِ مَدِينة حَلَب، ومَن كان قَبْلَهُم في سَالِف الحِقَب"، وكان مُسْتَنده الرَّئيسيّ في هذه البَحْث كتابٌ اسْمُه: "دِيْوان العَرَب، وجَوْهَرة الأدَب، وإيْضاخ النَّسَب"، لمُؤلِّفٍ خَامِل الذِّكر لَم يُترجِمْ له أحدٌ، اسْمُهُ مُحمَّد بن أحمَد بن عَبْد الله الأَسَدِيّ، من أهْلِ القَرْن الرَّابع الهِجْريّ ظنًّا، وهو كتابٌ مَفْقُودٌ لم يَصِلْنا منهُ سِوى القِطَع والنُّقُول العَدِيْدة الَّتي أوْرَدَها ابنُ العَدِيْم، ولولا هذا المَصْدَر لتَعَذَّرَ علينا مَعْرفةَ القَبائِل الَّتي كانتْ تَقْطُن في جُنْدِ قِنَّسْرين خلال القُرُون الأرْبَعةِ الأُوْلَى، خُصُوصًا بعدَ ضَياعَ القِسْم الخاصِّ بقَبائِل هذا الجُنْد من كتابِ البُلْدان لليَعْقُوبيّ. وأصْبَحَ بإمْكانِنا - بمَعُونَةِ كتابِ الأَسَدِيِّ - تَلَمُّسُ الوجُودِ القَبَليِّ في إقْليم حَلَب "جُنْد قِنَّسْرين"، ومَعْرفَةُ أماكِنِ سُكْنى القبَائِل،
_________________
(١) تاريخ ابن عساكر ٣٨: ٤١٨ - ٤٢٠.
[ ١ / ٧٣ ]
وتَمْييزُ أهْل الوَبَرَ عمَّن خَرَجَ عن البادِيَةِ فالْتَحَقَ بأهْل المَدَر، وما طَرأَ عليهم من هِجْراتٍ وارْتِحال.
وبمُناسَبةِ ذِكْر كتابِ البُلْدان لليَعْقُوبيّ، فقد وَصَلَنا عَمَلهُ البُلْدانيّ باسْتِثناءَ القسْمِ الخاصِّ بجُنْد قِنَّسْرين، الَّذي وقَعَ اسْتِلَاله من مَخْطُوطَةِ الكتاب، ولَم يَتَبقَّ منه إلّا بضْعةُ أسْطُرٍ، وهذا القِسْمُ الضَّائِع من الأهَمِّيَةِ بمكان لاخْتِصَاصِه بذِكْرِ القَبَائِل الَّتي تتَوَزَّعُ في المُدنِ والنَّواحِي، ولحُسْنِ الحَظِّ فقد نَقَلَ ابنُ العَدِيْم بَعْضًا من مادَّة اليَعْقُوبيّ هذه، فجاءَت النُّصُوصُ الَّتي حَفِظها ابنُ العَدِيْم لتُطْلِعُنا على ما كَتَبَهُ اليَعْقُوبيُّ حِيالَها، وبَقِيَتْ من كتاب اليَعْقُوبيّ بعضُ الإشارَاتِ عن مَواضعَ نَسَبَها اليَعْقُوبيّ إلى جُنْدِ حِمْص، وهي في اعْتِباراتِ ابنِ العَدِيْم من جُنْدِ قِنَّسْرين؛ مثل: مَعَرَّة النُّعْمان وفَامِيَة وكَفَرْطَاب وحَمَاة.
أمَّا فيما يتعلَّقُ بالتَّراجِم، والَّتي تَشْغَلُها بقيَّةُ أجْزاءَ الكتاب، فقد صَنَعَ ابنُ العَدِيْم تَراجِمَ مُتَميِّزةً لأعْلَامٍ من العَرَبِ والعَجَمِ على السَّواء، من أهْل العِلْم والأدَبِ والسِّيَاسَةِ وحتَّى عُقَلاءَ المجانِينِ، تَجْمعُهم حَلَبُ إمَّا بالسُّكْنَى والإيْطانِ أو بالمُرُورِ والعُبُور، وهي تَراجِم تَسْتَمدُّ قيْمَتَها ممَّا ضَمَّنَهُ المُؤلِّفُ في التَّعْريف بهم، وما سَاقَه في التَّضَاعيفِ من أشْعَارِهم ورِوَاياتِهم وأخْبَارِهم.
إنَّ تَميُّزَ ترَاجِمِ ابنِ العَدِيْم وفَرَادَتها تَكْشِفه - على سَبِيل التَّدْلِيل لا التَّخْصِيص - السِّيْرةُ الَّتي صَنَعها لأبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، فهو وإِنْ لَم يكُن الوَحِيدَ الَّذي تَعرَّضَ بإسْهابٍ للتَّعْريف به، إلَّا أنَّه ذَكَرَ في تَرْجَمتِه بعض ما لا يُوجَدُ عندَ غيره، وانْفَرَدَ عن أقْرانِهِ بالمَعْلُوماتِ الطَّريفَةِ الَّتي أَوْرَدَها، إذْ ليس هناك من أدِيْب ولا مُؤرِّخٍ اسْتقصى - على سَبيل المثال - مكان سُكْنى المُتَنَبِّي من مَدينةِ حَلَب، بينما حدَّد ابنُ العَديم مَوْضعَه (الجزء الثَّاني):
[ ١ / ٧٤ ]
"وكان نُزُولُه بحَلَب في مَحلَّتِنا المَعْرُوفةِ بآدر بني كِسْرَى. قال لي وَالدِي: وكانت دارهُ دَارًا هي الآن خَانكَاه سَعْد الدِّين كُمُشْتكِيْن مُلَاصقَة لدَارِي".
ويَنْفردُ أيضًا بذِكْر قُدُوم المتُنبِّي إلى مِصْرَ مرَّتين، مرَّةً في سَنَة ٣٣٥ هـ، وأُخْرى سَنَة ٣٤٦ هـ، والمَشْهُورُ المَعْرُوفُ عند المُؤرِّخينَ أنَّه زَارها مرَّةً واحدةً (٣٤٦ هـ) وأقام فيها برفْقةِ كافُور. فكانت تَرْجَمتُهُ للمُتَنَبِّي من أكْمَل التَّراجمِ وأوْعَبها، وهي تَرْجَمَةٌ طَويلةٌ تَقَعُ في نحو ٦٠ ورقة من الأصْلِ المَخْطُوطِ، وقد نوَّه الأُسْتاذُ مَحْمُود شاكِر - يَرْحمه الله - بأهَمِّيةِ هذه التَّرْجَمةِ في دِراسَاتِه المُسْتَفيضَةِ عن المُتَنَبِّي، واسْتَعانَ بها كثيرًا، وأشارَ إلى تَفرُّدِ ابن العَدِيْم في كَثِيرٍ من اللُّمَع الَّتي أَماطَتِ اللِّثَام عمَّا لَاكَتْهُ الأَلْسُنُ حَوْلَ حَياةِ المُتَنَبِّي (^١).
ونَقِفُ في تَراجِمِ وابن العَدِيْم على أسْماءَ لأعْلَام مَغْمُورين، لَم يَرِدْ لهم ذِكْرٌ فيما عَدَاهُ، ولولا ما قيَّدَهُ عنهم لطَواهم النِّسْيانُ، وانْدَثَر ذِكْرُهم، وانْقَطَعَ خَبَرهم.
ويَشْتَملُ الكتابُ أيضًا على كَميَّة كَبيرةٍ من القَصائِدِ والأشْعارِ والمَقْطُوعات الشَّعْريَّةِ لكَثير من الشُّعَراءَ، وأَغْلَبُه ممَّا لم يَجْتَمعْ في دِيْوان، إضافَةً إلى حِكايات أدَبيَّةٍ ورِوَايات تاريخيَّة، اسْتَمدَّ ابنُ العَدِيْم بعضَها من مَصادرَ لم تَصِلْنا ولَمِ ترَدْ عندَ غيره. وعلى ما حَفِظَهُ ابنُ العَديم من قَصائدَ ومَنْظُوماتٍ، أُقِيْمت بعضُ دواوينِ الشِّعر أو اسْتُدْرِكَ عليها، وأُعِيْدَ - بفَضْله - الاعْتِبارُ لعَدَد كَبير من الشُّعَراءَ.