زاول ابن العديم التدريس في سن مبكرة من عمره، بعد أن توفرت فيه الأهليَّةُ والمَقْدرةُ على إلقاء الدروس، وربما نال تزكية من بعض شيوخه في ذلك، فبعد وفاة والده بقى مدةً، وصاقَبَ أن توفي شيخه ابن الأبْيَض (^٢)؛ مدرس مدرسة شاذْبَخْت، وهي من أجلِّ مدارس حلب، كان أنشأها الأمير جمال الدين شاذْبَخْت الهندي الأتابكيّ، وكان نائبا عن نور الدين بحلب، فبقى مَنْصبُ مُتَولِّيها شاغرًا، فوَلِيَ ابن العديم التدريس بها في ذي الحجة سنة ٦١٦ هـ، وعمره يومئذ
_________________
(١) ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ٦: ١٢٥، القرشي: الجواهر المُضية ٤: ٤٥٢.
(٢) هو قاضي العسكر محمد بن يوسف بن الخضر الحنفي المعروف بابن الأبيض (ت ٦١٤ هـ)، انظر: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٢، ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ٦: ١٢٥.
[ ١ / ٢٤ ]
ثمان وعشرون سنة (^١)، وكانت حلب في ذلك الوقت من حواضر العلم والأدب، "وهي أعْمَرُ ما كانت بالعلماء والمشايخ والفضلاء الرَّوَاسخ، إلا أنه رؤي أهلا لذلك دون غيره، وتصدر وألقى الدرس بجنان قويّ، ولسان لوذعي، فأبهر العالم، وأعجب الناس" (^٢). ولم يزل ابن العديم مدرسا بهذه المدرسة سنوات عديدة، ثم ناب عنه ابنه مَجْدُ الدين عبد الرحمن، ثم استقل بها أخوه جمال الدين محمد ولد الصاحب كمال الدين حتى كائنة التتار سنة ٦٥٨ هـ (^٣).
وفي أوائل سنة ٦٣٤ هـ فُوِّض إليه تدريس المدرسة النورية المعروفة بمدرسة الحلاويِّين مضافا إلى مدرسة شاذْبَخْت (^٤)، وذلك بعد وفاة مُدَرِّسها الإمام تاج الدين أبي المعالي الفضل بن عبد المطلب بن الفضل الهاشمي (ت ٦٣٣ هـ)، وبقي مواظبا على التدريس بها إلى أن توجه إلى دمشق في خدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستقل بها بعده ابنه مجد الدين عبد الرحمن (^٥).
وأنشأ ابن العديم مدرسة في شرقي حلب، وهي المدرسة الكَماليَّةُ العديمية، وكان ابتداء عمارتها في سنة ٦٣٧ هـ، وكَمُلَتْ في سنة ٦٤٩ هـ، وبنى إلى جوارها تُرْبَةً وجَوْسَقًا (قصرا) وبستانا، ولم يدرس بها أحد لانقراض الدولة الناصرية (^٦). وأشار ابن العديم إلى هذه المدرسة - عرضا - في ترجمة أبي الفتح بن محمد بن عمر الأَبِيْوَرْدِيّ الصُّوْفيّ الحلبي (ت ٦٤٩ هـ)، قال (الجزء العاشر):
"ودفن بالتربة التي جددتها إلى جانب المدرسة التي أنشأتها ظاهر حلب، خارج باب العراق، ﵀".
_________________
(١) ابن الفوطي: مجمع الألقاب ٤: ٢١١.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦.
(٣) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٢، سبط ابن العجمي: كنوز الذهب ١: ٣٤٧.
(٤) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٤، الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٠.
(٥) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٦) ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٨٥، سبط ابن العجمي: كنوز الذهب ١: ٣٨٦.
[ ١ / ٢٥ ]
وبالرغم من تولي خمسة من آباء ابن العديم القضاء بحلب على التتابع (^١)، إضافة إلى من تولى القضاء من أبناء عمومته ومن المنتمين إلى أسرة بني الديم، على مثال أسرة بني أبي الشَّواربِ والذين بقى القضاء مترددا فيما بينهم في البصرة سنين طويلة، فلم يرد ذكر لتولي ابن العديم منصب القضاء أو قضاء القضاة (^٢) إلا ما ورد في ذيل مرآة الزمان لليُونِيْنيّ من "أن منشورا جاء من هولاكو في ٢٦ ربيع الأول ٦٥٨ هـ للقاضي كمال الدين عمر بن العديم بتفويض قضاء القضاة إليه بمدائن الشام والموصل ومَاردِين ومَيّافارِقِين والأكْراد وغير ذلك، وتفويض جميع الأوقاف إلى نظره، ووقف الجامع وغيره. وكان القاضي قبله صدر الدين أحمد بن سَنيّ الدولة من جمادى ٦٤٣ هـ، وكان كمال الدين ينوب عنه في الحكم بدمشق" (^٣).
وهذا وَهْمٌ وقع فيه ناسِخُ بعض أصول كتاب اليُونِيْنيّ وتسرب إلى المطبوعة؛ اشتبه عليه الاسم، وصوابه: كمال الدين عمر بن بُنْدَار التَّفْليسيّ (ت ٦٧٢ هـ)، كما هو في بقية المصادر التي أرَّختْ لغزو التتار أو تلك التي ترجمت للقاضي التَّفْليسيّ (^٤). وأشار ابن العديم نفسه إلى عدم توليه القضاء في ترجمة والده أحمد (الجزء الثالث)، يقول:
"وكان ﵀ "أي والده" يقول لي: يا بني، والله ما أُوْثرُ لك أن تتولى القضاء، فإن عُرِضَ عليك لا تتوله؛ فإنني ما استرحت منذ وُليتُه حتى تركتُه، ولكني أُوْثر
_________________
(١) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢، الذهبي: العبر ٣: ٣٠٠.
(٢) لقبه ابن الشعار في الأجزاء الأولى من كتابه قلائد الجمان بالقاضي ثم تجاوز عن ذلك في بقية الأجزاء، ولعل تنبّه إلى خطأ ذلك.
(٣) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٣٥٠.
(٤) بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٢٥٠، الصفدي: تحفة ذوي الألباب ٢: ١٦٤، الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٤٢ - ٤٤٣، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٤٢٤، اين تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٧٦.
[ ١ / ٢٦ ]
لك أن تكون مدرسا، وأن تتولى مدرسة الحَلاوِيِّين، فقدر الله تعالى أن وفقني لما كان يؤثره لي بعد وفاته".
لقد أوقع هذا التحريف في اسم القاضي بعض المحدثين أمثال برنارد لويس (^١) Lewis B.، وكارل بروكلمان (^٢) Carl Brockelmann، وفؤاد سزكين (^٣) وآخرين؛ منهم من تخصص في دراسة ابن العديم ونشر تراثه (^٤)، إلى اعتباره أحد من تولى القضاء!
وتولى ابن العديم الوزارة مرتين: الأولى للملك العزيز بن الملك الظاهر غازي، والثانية للناصر آخر ملوك بني أيوب (^٥)، وأقام بدمشق مدة في الدولة الناصرية المتأخرة أيام الملك الناصر يوسف بن أيوب (^٦).
وتشير المصادر إلى أن ابن العديم "كان محدثا حافظا، مؤرخا صادقا فقيها حنفيا، مفتيا، منشئا بليغا، كاتبا مجودا، درَّسَ وأفتى، وصَنَّفَ، وتَرَسَّلَ عن الملوك" (^٧)، "وكان جليل المقدار، كثير العلوم، ولم يكن في رؤساء حلب مثله" (^٨)،
_________________
(١) وذكر برنارد لويس دعوة هولاكو المزعومة ليوليه القضاء؛ B.Lewis، El ٢: Ebn Al - Adim، vol III، Pp ٦٩٥
(٢) بروکلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٣٩.
(٣) Fuat Sezgin، Geschichte des arabischen Schrifttums، Vol ١، p ٤٣٧.
(٤) سهيل زكار في مقدمة تحقيقه لزبدة الحلب ١: ١٩، وسليمي محجوب ودرية الخطيب في مقدمة تحقيقهما لكتاب الوصلة إلى الحبيب ١: ١١.
(٥) محمد كرد علي: تآليف ابن العديم، مجلة المجمع العلمي العربي، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٤٦.
(٦) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦.
(٧) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧، ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٦، ونقله الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، بدر الدين العيني: عقد الجمان قسم المماليك ١: ٣٣٩.
(٨) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠.
[ ١ / ٢٧ ]
ولُقِّبَ برَئيسِ الأصْحَابِ (^١)، أو رَئيسِ الشَّام (^٢). وكان جَيَّدَ المعرفةِ بالحَديث (^٣)، وأجْمَلَ ابنُ الشَّعَّار المَوصِليّ الفُنَونَ والمَعارفَ الَّتي تلقَّاها ابن العَدِيْم وأتْقَنَها بقَوْله: "فقد درَّسَ الفقْهَ فأحْسَنهُ، وعُنِيَ بفَنِّ الأدَبِ فأتْقَنهُ، ونَظَمَ القَريْضَ فجوَّدَهُ، وأنْشَأ النَّثْر فسَدَّدَه، وقَرأ حَدِيثَ الرَّسُولِ ﷺ وعَرفَ عِلَلَهُ ورِجَالَهُ وتأْويلَه وفُروعَهُ وأُصُولَهُ، والجَرْحَ والتَّعْديلَ، والعِلْمَ بالخِلَافِ والجَدَل وغيرَ ذلك من العُلُوم" (^٤). وهذا الَّذي ذَكَرهُ ابنُ الشَّعَّارِ يَتَبيَّنه القَارئ لكتابهِ هذا منذ الصَّفحاتِ الأُولَى.