تُوفِّيَ ابنُ العَدِيْم وكتابُهُ لِم يَكْمُلْ على الصُّوْرةِ الَّتي أَمَّلَها مُؤلِّفُه، وضَاعَتْ أجْزاءٌ عَدِيْدةٌ من الكتابِ، وأصابَتِ الرُّطُوبةُ بعضَ المُتَبَقِّي منه؛ فأفْسَدَتْ مَواضِعَ غايةً في الأهَميَّةِ.
وتُنُوزِعَ فيه ما بينَ قائِلٍ إنَّ المُؤلِّفَ أنْجَزَهُ مُسَوَّدَةً، وقائِلٍ مُبيَّضَةً، وما بينَ عَدَمِ اكتِمالِ تأْلِيفِه أصْلًا، ووقَعَ كذلك الاخْتِلافُ في تَقْدِيِرِ أجْزاءِ الكتاب ما بين قَائِلٍ ثَلاثينَ مجلد، وقائلٍ: أرْبعين!
يَذْكُرُ الزَّرْكَشِيُّ أنَّ كتابَ ابن العَدِيْم لم يَكْتَملْ (^١)، غيرَ أنَّ ما يُفْهمُ من الإشاراتِ المبُكِّرةِ عن الكتاب اكْتمالُ تأليفه باتّفاق جَميعها، وأنَّ المُؤلِّفَ شَرَعَ في تَبْييضِهِ، فبيَّض بَعْضَهُ وادْركتْهُ المَنِيَّةُ قبلَ أنْ يَفْرغَ منه (^٢)، ويَذْكُر ابنُ الشِّحْنَةِ أنَّ هذا "البَعْضَ" المُشَار إلى تَبْييضِه لا يُمَثِّلُ إلَّا اليَسِير من الكتاب (^٣).
أمَّا عَدَدُ أجْزاءِ الكتاب، فقدَّرَها الذَّهَبيُّ في كتابِه العِبَر بنحو ثلاثينَ مُجلَّدًا (^٤)، وقدَّرَها ابنُ كَثِير وبَدْرُ الدِّين العَيْني والمَقْريزيّ في نحو أرْبَعينَ مُجلَّدًا (^٥)، وزادَ ابنُ الشِّحْنَةِ نَقْلًا عن بَعْضِهِم "أنَّ مُسَوَّدتَهُ كانتْ تَبْلغُ نحو أرْبعينَ جُزءًا كِبَارًا والمُبَيَّضَة تجيءُ كذلك" (^٦).
_________________
(١) الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب.
(٢) أبو شامة: الذيل على الروضتين ٣٣١، الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠، ٣: ١٧٨، معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٧ أ، الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩.
(٣) الدر المنتخب ٧.
(٤) الذهبي: العبر ٣: ٣٠٠، وتابعه على ذلك ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٧: ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٥) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٣٣٦، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠، المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٢٦.
(٦) الدر المنتخب ٧.
[ ١ / ١٠١ ]
وعندَ المُفاضِلةِ بين التَّقْديرين، يَجْدرُ التَّوقُّفُ عندَ نصِّ كَلام الشَّريفِ عِزّ الدِّين الحُسَيْنيّ، وهو قَرِيب عَهْدٍ بالمُؤلِّفِ، وكان على صِلَةٍ به، يقُولُ: "جَمعَ لحَلَبَ تاريخًا كَبيرًا وماتَ وبَعْضُه مُسَوَّدَةٌ لم يُبيِّضْهُ، ولو يَكمُلُ كانَ أكْثَرَ من أرْبَعينَ مُجلَّدًا" (^١)، ونَقَلَ كَلامَهُ هذا كُلٌّ من اليُونِيْنيّ والذَّهَبيّ (في تاريخ الإسْلام) (^٢)، فمُؤدَّى كَلام الحُسَيْنيّ أنَّ الكتابَ لو اكْتَملَ تَبْييضُه لجاءَ في مِثْلِ هذا التَّقْدير لا أنَّهُ كذلك في مُسَوَّدتهِ، ورُبَّما كان هذا مَنْبَعَ الخِلَافِ بنِ التَّقْدِيرَيْن.
وآخرُ الأقْوالِ في تَحْديِدِ عَدَدِ أجْزاءَ الكتاب، ما أوْرَدَهُ حاجي خَليفة في مَعْرَضِ تَعْريفِه بالكتاب، فبَعْدَ أنْ نَقَلَ كَلامَ الذَّهَبيّ (في العِبَر) وأنَّه مُكَوَّنٌ من ثلاثينَ مُجلَّدًا، قال (^٣): "والبُغْيَةُ كتابٌ كَبيرٌ في عَشْرِ مُجلَّدات"!، ولعلَّه قدَّرَ المُتَبقِّي من أجْزاءَ الكتابِ ممَّا وَصَلَ لعَصْرِه تَمامًا كما فَعَلَ السُّيوطِيُّ (^٤).
ويَصْعُبُ في ظلّ غيابِ التَّفْصيلاتِ تتبُّع رحلَةِ الكتاب، وما حلَّ به مُنذُ أنْ غادَرَ مُؤلِّفهُ حَلَبَ مُرْتحلًا إلى القَاهِرةِ، خاصَّةً مِع وجُودِ أوْلادِهِ على قيْد الحيَاةِ بعدَهُ، وهُم من أهْلِ العِلْم وممَّن ساروا على سَنَن وِالدِهِم في المناصِبِ الدَّيْنيَّة والتَّعليْميَّةِ، بما يَنْفي فِكْرةَ ضَياعِ قِسْمٍ من الكتابِ بعدَ وفاةِ مُؤلِّفه بقَرْنٍ من الزَّمان على أَقَلّ تَقْدير، ونَجِدُ أنَّ نُسْخَةَ الكتابِ كانتْ بين يَدي ابْنِهِ مُحَمَّد، وقَيَّد بخَطِّهِ في تَرْجَمَةِ أحمدَ بن عَبْد الدَّائم المَقْدسيّ (الجزء الثَّاني):
"تُوفِّي أحْمَدُ بن عَبْد الدَّائم بن أحْمَد بن نِعْمَة المَذْكُور في يَوْم الاثنين تاسع رَجَب سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وسِتّمائة، بمَنْزِلةِ في سَفْح جَبَلِ قَاسِيُون، ودُفِنَ هناك عندَ
_________________
(١) الحسيني: صة التكملة ١: ٤٦٩.
(٢) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٧٨، تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨.
(٣) كشف الظنون ١: ٢٤٩.
(٤) بُغْيَة الوعاة ١: ٣، ذكره ضمن الكتب التي استعان بها في تأليف كتابه، قال: "تاريخ حلب للكمال بن العديم، عشر مجلدات".
[ ١ / ١٠٢ ]
مَشَايخهم، وكان قد كُفَّ بصَرُهُ، وذلك بعدَ وَفَاةِ والدي مُؤلِّف هذا التَّاريخ، ﵀".
وعلَّقَ في الهامشِ بمُوازاتِه:
"هذا المكانُ أخْلَاهُ وَالدي ﵀ لكتابةِ وَفاةِ المَذْكُور، وتُوفِّي بعد والدىِ فألْحَقتُه هُنا، وكَتَبَ مُحَمَّد بن عُمَر بن أحمد بن أبي جَرادَة".
وفي الحاشيةِ المُقابِلَة كَتَبَ:
"وكَتَبَ هذين السَّطْرين الدَّقِيقَيْن مُحَمَّد بن عُمَر بن أحْمد بن أبي جَرادَة".
وكانتْ وَفاةُ مُحَمَّد هذا بحَمَاة في سَنَة ٦٩٥ هـ.
وأوَّلُ الأمْرِ أنَّنا أمَامَ افْتراضَيْن: بقاءُ أجْزاءَ الكتابِ في خِزَانَةِ المُؤلِّف "الخِزَانَة الصَّاحِبيَّة" بحَلَب، أو أنَّ المُؤلِّفَ اصْطَحبَ معه مُسَوَّداتِه وأجْزاءَهُ في رِحْلتِه الأخيرةِ الَّتي حلَّ بها القَاهِرة في ذي القَعْدَة ٦٥٨ هـ، فانْتَقَلتْ بعد وَفاتِه إلى بعضِ أوْلادِه ممَّن كانَ بالقَاهِرة أمْثَال مُحَمَّد وعَبْد الرَّحمن.
كانتْ لابن العَدِيْم خِزَانَةُ كُتُبٍ عامِرةٌ بنَفائِسِ الكُتُبِ والمجامِيعِ الأدَبيَّةِ والتَّاريخيَّةِ، وهي الخِزَانَةُ الَّتي خَدَمَتْ كتابَهُ "البُغْيَة"، ومَدَّتهُ بمَصادِر غايةً في الوَثاقَةِ؛ أغْلَبُها بخُطُوطِ أصْحابِها، واسْتَفادَ منها أيضًا ابنُ سَعِيد المَغْربيّ في تَتْميمِ كتابِ "المُغْرب" أثْناء إقامَتهِ بحَلَب، وتَحْديدًا بين سَنتي ٦٤٥ - ٦٤٧ هـ، وأشارَ إلى هذه الخِزَانَةِ في عدَّةِ مَواضِعَ من كتاب المُغْرب (^١)، ولا نتَوفَّرُ أيَّةُ مَعْلُوماتٍ عن مَصِير الخِزَانَةِ ومحتَوياتِها بعد غَزْو التَّتَارِ لحَلَب وما وَقَعَ فيها من تَخْريبٍ وتَدْمِيْرِ وإحْرَاق، ويبدو أنَّ كُتُبَ هذه الخِزَانَةِ لم نَتعَرَّضْ للأذَى في تلكَ الهَجْمَةِ، بدَلِيلِ وصُولِ بعص مُقْتَنياتها إلينا، لكنها تَبَعْثَرتْ وتَناوشَتها الأيْدي فيما بعد وتَقْديرًا في
_________________
(١) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) ١: ٢٩٧، ٣٤٨.
[ ١ / ١٠٣ ]
مَطْلعِ القَرْن الثَّامن الهِجْريِّ، فإنَّ النُّسْخَةَ النَّفِيْسةَ من كتابِ المغرب والَّتي كَتَبها ابنُ سعِيد بخَطِّهِ وجَعَلَها برَسْمِ هذه الخِزَانَة، قد انْتَقلَتْ إلى ملكِ صَلَاح الدِّين خَليل بن أيْبَك الصَّفَديّ (^١)، ثم أصْبَحَتْ ذاتُ النُّسْخَةِ في ملكِ أعْلَامٍ من مِصْرَ منذُ مَطْلعِ القَرْنِ التَّاسع الهِجْريّ كابنِ دُقْماق (ت ٨٠٩ هـ) وأحْمَدَ بن عَبْد الله الأوْحَديّ (ت ٨١١ هـ) والمقريزيّ (ت ٨٤٥ هـ) (^٢)!.
إنَّ رِحْلَةَ ابن العَدِيْم الأخِيرة إلى مِصْر - وهي الَّتي قرَّرَ فيها مُغادَرةَ حَلَب بعد أنْ هَالَهُ ما فَعَلَهُ فيها التَّتَارُ من عَيْثٍ وتَخْريبٍ، ووثَّقتْهُ قَصِيدتُهُ الطَّويلة الَّتي تقدَّمَ الإلْمَاع لها - كانتْ رِحْلة بنِيَّةِ الإقامَةِ والاسْتِقرَارِ في مِصْر، ولعلَّ من الطَّبِيْعيّ أنْ يَصْطَحِبَ معه كتابَهُ الَّذي وَالى تَبْييضَهُ وتَنْقيحَهُ والاسْتِدراكَ عليه كُلَّما وَقَعتْ بين يَديهِ مَصادرُ جَدِيْدةٌ، وكُلَّما أفْسَحَتْ له الشَّواغِلُ.
وثَمَّةَ ما يَجْعلُني أَمِيلُ إلى الافْتِراضِ الثَّاني منهما، بدَالّةِ ما ألْحقهُ المُؤلِّفُ من زيَاداتٍ على الكتابِ بعدَ غَزْو التَّتَار لحَلَب، وما قيَّدَهُ بعد ارْتِحاله الأَخِير إلى مِصْرَ. ومع ذلك، فإنَّ كلا الافْتِراضَيْن يُؤشِّران إلى انْتقالِ أجْزاء الكتاب إلى مِصْر، إمَّا صُحْبَة المُؤلِّفِ أو فيما بعد؛ وتَحْديدًا بعدَ القَرْنِ الثَّامن الهِجْريّ، ونَجِدُ في تقييدِ ابن السَّابق الحَمَويّ (ت ٨٧٧ هـ)، وهو الَّذي تَملَّكَ الأجْزاءَ الَّتي وَصَلتْنا من الكتابِ، إشارةً إلى سَنَدِه في رِوَايةِ الكتاب، كَتَبَهُ على طُرَّةِ الجُزءِ الأوَّل، ونَصُّه:
"يقُولُ كاتِبُ هذهِ الأحْرُفِ، فَقِيرُ عَفْو الله تعالَى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحَمَويّ الحَنَفيّ، عامَلَهُ اللهُ بلُطْفِه الخَفِيّ: إنَّهُ يَرْوي تاريخَ حَلَب للصَّاحِبِ كَمال الدِّين عُمَر بن أحْمد المعَرُوف بابن أبي جَرادَة وبابن العَدِيْم، عن الشَّيخ تَقي الدِّين أحمد بن عليّ بن عَبْد القَادِر
_________________
(١) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) مقدمة التحقيق ١: م ٥٩. وكان الصفديّ قد تولّى كتابة السر في صفد ومِصْر وحَلَب سنة ٧٢٣ هـ وأخيرًا في دِمَشْق فتوفي بها سنة ٧٦٤ هـ.
(٢) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) مقدمة التحقيق ١: م ٥٩.
[ ١ / ١٠٤ ]
المَقريزيّ (ت ٨٤٥ هـ)، مُؤرِّخ الدِّيَار المِصْريَّة، عن ناصِر الدِّين مُحَمَّد الحراويّ الطَّبردار (ت ٧٨١ هـ)، عن الحافِظِ شَرف الدِّين عَبْد المُؤمن بن خَلَف الدِّمْياطِيّ (ت ٧٠٥ هـ) عن مُصَنِّفِه الصَّاحِبِ كَمال الدِّين بن العَدِيْم تَغمَّدَهُم اللهُ تعالَى برَحْمته ورضْوانه".
وكانت مُسَوَّدَهُ المؤلِّفِ تحتَ نَظَرِ شَمْس الدِّين بن خِّكان، ونَقَلَ عنها بعض النُّصُوص ممَّا لم يَصِلْنا (^١).
كما اطَّلَعَ على أجْزَاءَ الكتاب، خاصَّةً الأجْزَاءَ الَّتي لَم تَصِلْنا، عَدَدٌ من عُلَماءِ الشَّام ومِصْر، واسْتَفادُوا منها بالنَّقْلِ والاقْتِباس، وبَعْضُهم أخَذَهُ بالتَّلْخيصِ دُونَ الإشارهَ إليه، وجَمِيعُهم ممَّن عاشَ بالقَاهِرة، فقد اسْتفادَ ابنُ فَضْل الله العُمَريِّ (ت ٧٤٩ هـ) من بَعْضِ أجْزاء البُغْيَة الَّتي لم تَصلْنا، ونُقُوله عن ابن العَدِيْم تَدُلُّ على تَوفُّرِه على الأجْزاءِ الضَّامَّة لتَرَاجِم المحمَّدين ولمَن اسْمه عليّ ومَن اسْمه عَبْد الغَفُور (^٢).
وكانتْ جميعُ أجْزاء البُغْيَة تحتَ نَظَر مُحْيي الدِّين عَبْد القادِر بن مُحَمَّد القُرَشيّ (ت ٧٧٥ هـ)، ونَقَلَ عن جَمِيعِها في كتابِه الجَوَاهِر المُضِيَّة في طَبَقاتِ الحنفيَّة، وحَفظَ لنا العَديدَ من التَّراجمِ الَّتي ضاعَت، ممَّا أدْرَجناهُ ضمنَ المُلْتَقَطِ من الضَّائِع في آخرِ الكتاب.
_________________
(١) وفيات الأعيان ٦: ٤١، ٣٠١.
(٢) انظر مسالك الأبصار ٦: ١١٠ - ١١٣، ١١٧، ١٢٥.
[ ١ / ١٠٥ ]
ومثْلُه أيضًا ابن حَبيب الحَلَبيّ (ت ٧٧٩ هـ)، فاسْتَفادَ منه، وجَمَّع منه كتابًا صَغِيرًا سمَّاهُ "حَضْرةُ النَّدِيم من تاريخ ابن العَدِيم"، وإفادَاتُ ابن حَبِيْب تُشِيرُ إلى اطّلاعهِ على أجْزاءَ الكتاب كَامِلًا، الَّذي وَصَفهُ بأنَّهُ كتابٌ كَبير، فنَقَلَ عنه من الأجْزاءَ الَّتي لم تَصِلْنا في تَرْجَمَةِ تاج المُلُوكِ بُوري بن أيّوب، وتَرْجَمَةِ أبي فِرَاس الحارِث بن حَمْدَان الحَمْدانيّ، ونَقَلَ عنه أيضًا ممَّا وَصَلنا في تَرْجَمَة أبي العَتاهِيَة (^١).
واطَّلعَ المَقْريزيُّ (ت ٨٤٥ هـ) على الكتابِ، ونَقَلَ منه كثيرًا في مُؤلَّفاتِه، خاصَّةً في كتابِه المُقَفَّى الكَبِير، ولم يُشِرْ لمُؤلِّفِه إلَّا في القليل، ونَقَلَ عنه بعض التَّراجم الَّتي لم تَرِدْ سِوَى عندَ ابن العَدِيْم دونَ أنْ يَذْكرَ مَصْدَره، ويُمكنُ القولُ بمزِيْد الاطْمئنانِ أنّ التَّراجمَ الَّتي أورَدها المَقْريزيّ ولم يَذْكرها سِوى ابن العَديم مَصْدرُها كتابُ بُغْيَة الطَّلَب.
وعَدَّهُ السُّيوطِيُّ ضمنَ الكُتُب الَّتي اسْتَوعَبها بَحْثًا عن النُّحَاةِ وهو يُصَنِّفُ كتابَهُ بُغْيَةَ الوُعَاة في طَبَقاتِ النُّحاة، وكان الفَرَاغُ من تأْلِيفِه لهذا الكتاب سَنَة ٨٧١ هـ (^٢)، والظَّاهِرُ أنَّهُ لَم يَطَّلعْ إلَّا على ذاتِ الأجْزاءَ العَشرة الَّتي وَصَلتْنا، بدَلِيْل أنَّهُ لَم يأخُذْ عنه في الجُزء الثَّاني من طَبَقاتِ النُّحَاةِ الضَّام لترَاجِم حَرْفِ الشِّين حتَّى اليَاء، ولَم يَسْتَفِدْ منهُ في ترَاجِمِ المحمَّدين الَّذين قَدَّم السُّيوطِيُّ ذِكْرهم في أوَّلِ كتابِه، وكان السُّيوطِيِّ قد كَتَبَ بخَطِّهِ على طُرَّةِ الجزءِ الثَّاني والجُزء التَّاسِع من نُسْخَةِ الأصْل الَّتي بين أيْدينا، قيدُ مُطالَعَتهِ للكتَاب، ونَصُّ ما كَتَبَهُ على الجُزء التَّاسِع: "الحَمْدُ لله، طَالَعْتُه على طَبَقاتِ النُّحَاةِ بمَكَّة المُكَرَّمة سَنَة ٨٦٩ هـ. كَتَبَهُ عَبْدُ الرَّحمن بن أبي بَكْر السُّيوطِيّ دَاعِيًا لمُعِيْره … ". ومُعِيرُه هو نَجْم الدِّين عُمَر بن مُحمَّد بن مُحَمَّد بن فَهْد الهَاشِميّ المَكِّيّ (ت ٨٨٥ هـ) (^٣).
_________________
(١) ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب.
(٢) السيوطي: بُغْيَةِ الوعاة ٢: ٤٣٩.
(٣) يذكر السيوطيّ أنه كان في مكّة المشرّفة سنة ٨٦٩ هـ، وأنه أطْلعَ الحافظ نجم الدين بن فهد على مسودَّة كتابه فاقترح عليه الاختصار. بُغْيَةِ الوعاة ١: ٥ - ٦.
[ ١ / ١٠٦ ]
وأخيرًا قَولُ ابن الشِّحْنَة (ت ٨٩٠ هـ)، وهو أيضًا ممَّن أقامَ بالقَاهِرةِ مُتَولِّيًا لِكتابةِ السِّرّ في نوْبتَيْن: "أخْبَرِني الأميرُ النَّقيبُ بَدْر الدِّين الحُسَيْنيّ نَقيبُ السَّادَةِ الأشْرَافِ بالمَمْلكةِ الحلَبيَّة، ﵀، أنَّ مُسَوَّدَتهُ كانت تَبْلُغُ نحو أربَعين جُزءًا كبارًا، والمبُيَّضَةُ تَجيءُ كذلك، لكن اخْتَرمتهُ المَنِيَّةُ قَبْل إكمال الأُمْنيَّةِ، وتَفرَّقَتْ أجْزاؤه قَبْلَ الفِتْنَة التَّيْمُوريَّة، [أي قَبْل سَنة ٨٠٥ هـ] فلا تَجِدُ الآن منها إلَّا نَزْرًا لَم أَقِفْ منها إلَّا على جُزءٍ واحدٍ بخَطِّه فيه بَعْضُ حَرْفِ الميم، وفيه تَرْجَمَهُ المَلِكِ العادِلِ نُور الدِّين مَحْمُود، وتَرْجَمَةُ جَدِّي الأمير حُسَام الدِّين مَحْمُود شِحْنَة حَلَب، وبعضُ تَرَاجِم غيرها، وهو عندي" (^١).
وأجْزاءُ الكتابِ كانتْ مُبَعْثَرةً في أوَاخِرِ القَرْن التَّاسع الهِجْريّ، ورُبَّما قبلَ ذلك، ففي الفِهْرستِ الَّتي وَضَعهُ السَّخَاوِيُّ (ت ٩٠٢ هـ) للأجْزَاءِ الَّتي كانت بحَوْزَةِ صاحِبه مُحمَّد بن مُحمَّد بن السَّابق الحمويّ (ت ٨٧٧ هـ)، وهي مَجْمُوعةٌ ليْسَت بالهَيِّنَةِ من أجْزَاء الكتاب، وأعْقَبَهُ بالقَوْل إنَّهُ رَأى مُجَلدًا آخرَ فيه بَعْضُ البُلْدان (يَقْصِدُ المُجَلَّد الأوَّل)، ولم يُعيِّنْ مَكانَ وجُودِه، ثُمَّ قال: "وكان عندَ مُحبِّ الدِّين بن الشِّحْنَة منه بخَطِّ المُؤلِّفِ بعضُ الأجْزاءِ ممَّا لَم أُطَالع" (^٢). والسَّخَاوِيّ يُشِيرُ في مَوْضعٍ آخر من كتابهِ أنَّه اطَّلَعَ على كَثيرٍ من أجْزاءِ الكتاب (^٣).
ولأهميَّةِ كَلام السَّخَاوِيّ فأوْرده بنصِّهِ، قال:
_________________
(١) الدر المنتخب ٧.
(٢) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٩.
(٣) الإعلان بالتوبيخ ٢٦٠.
[ ١ / ١٠٧ ]
"وعِدَّةُ مُجَلَّداتٍ من تاريخ حَلَبَ للكَمال أبي حَفْص عُمَر بن أحْمَد بن العَدِيْم، وسمَّاهُ: "بُغْيَة الطَّلَب"، كان عندَ صَاحِبِنا الجَمال ابن السَّابق الحَمَويّ بخَطِّ مُؤلِّفِه، ونَقَلَها منهُ صَاحِبُنا ابنُ فَهْد:
- أَوَّلُها: من أحمدَ بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبَيْد اللّه بن المُنَادِي إلى آخِر أحْمد بن عَبْد الوَارِث.
- وثانيهما، وليسَ تِلْوهُ، مع الَّذي يَلِيه: وأَوَّلُهما أحْمَد بن مُحمَّد بن مَتّويه، وآخِرها في أثْنَاء تَرْجَمَة أُمَيَّة بن عبْد الله بن عَمْرو بن عُثمان.
- ورَابِعُها: من الحَّجاج في هِشَام إلى آخر الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن بن شَوَّاش.
- وخامِسُها والَّذي يليه: وهمُا من الحُسَيْن بن عَبْد اللّه الخادِم إلى أثْنَاء دَعْلَج بن أحْمَد بن دَعْلَج.
- وسَابعُها [و] الَّذي يَلِيه: وهُما من أثْنَاء رَاجِح بن إسْماعِيل الأسَدِيّ إلى سَعِيد بن سَلَّام.
- وتَاسِعها: من مُشْرِق بن عَبْد اللّه الحَلَبِيّ (^١) إلى أثْنَاء الوَليد بن عَبْد العَزِيز بن أَبَان، ولكن ليسَ فيه حَرْف الهاء جَرْيًا على عادَة كَثِيرين في تَأْخِيره عن الوَاو. ووَقَفْت على المُسَوَّدَة الَّتي بخَطِّ المُؤلِّف من هذا الجُزء بخصُوصِه عند ابن فَهد، وعليها بخَطِّ المُؤلِّف تَلقِيبه بالرَّابعِ عَشر.
- وعاشِرُها: الكُنَى إلى آخر الأَنْسَاب.
ورَأيتُ مُجَلَّدًا آخرَ منهُ، فيه بعض البُلْدان.
وكان عندَ المحبِّ بن الشِّحْنَة منه بخَطِّ المُؤلِّفِ بعض الأجْزاءَ ممَّا لَم أُطَالِعهُ" (^٢).
_________________
(١) حفظ لنا القرشي جزءًا من ترجمة ابن العديم له في كتابه الجواهر المضية ٣: ٤٨٣ - ٤٨٣، وانظره أيضًا في الملتقط من الضائع (الجزء الحادي عشر).
(٢) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٣٣٧ - ٣٣٩.
[ ١ / ١٠٨ ]
إنَّ الوَصْفَ الَّذي قَدَّمَهُ السَّخَاوِيُّ لنُسْخةِ ابن السَّابق الحَمَويّ مُطَابِقٌ بِيْبلُوغرَافيًّا لوَصْفِ الأجْزَاءِ الَّتي وصَلَتْنا من الكِتَابِ، لكنَّه قَيَّد الجُزئين الثَّالثَ والرَّابعَ (بحَسَب نَشْرَتنا هذه) في مُجلَّدٍ واحدٍ، وكَذا الجُزئين السَّادِس والسَّابِع، والجُزئين الثَّامن والتَّاسع، وزادَ على مُجْمُوعَتِه - ممَّا لَم يَصلْنا - جُزءًا يَتَضَمَّنُ تَرَاجِمَ أواخِرِ حَرْفِ الميم إلى أواخِر حَرْفِ الوَاو: "من مُشْرِق بن عَبْد الله إلى أثْناء الوَليْد بن عَبْد العَزِيز بن أبان" (^١).
ويَذْكرُ السَّخَاوِيُّ أنَّ المجمُوعَةَ الَّتي كانتْ في ملْكِ ابن السَّابق، قامَ بنَقْلِها ابنُ فَهْد (ت ٨٨٥)، فهل مَدْلُولَه أنَّهُ نَقَلَها إلى مَكَّة، أم أنَّهُ انْتَسَخها؟! مِع وجُودِ تَقْييدِ ابن فَهْد على الجُزءِ الأوَّلِ بما يُفِيدُ انْتساخَهُ عن نُسْخَةِ ابن السَّابق سَنَة ٨٦٩، وَأيضًا اطِّلَاع السُّيوطِيّ عِلى الجُزئين الثَّانِي والتَّاسِع من ذاتِ النُّسْخَةِ في مَكَّة المُكرَّمة سَنة ٨٦٩ هـ، واسْتعارَته من ابن فَهْد.
ويُشيرُ السَّخَاوِيُّ أيضًا في نَصِّهِ المُتَقدِّم إلى تَوَفُّرِ أجْزاءٍ من المُسَوَّدَةِ والمبُيَّضَة معًا: رَأى الجُزءَ التَّاسِعَ (حَسَب فَهْرَسَته للأجْزاء) عندَ ابن السَّابق الحَمَويّ ويُقابِلُه من مُسَوَّدَةِ المُؤلِّفِ الَّتي كانتْ عندَ ابن فَهْد وعليها بخَطِّ المُؤلِّف: "الجُزء الرَّابِع عَشر" (^٢).
وتاريخُ تَملُّكِ ابن السابق للكتَاب، والذي قيَّدَهُ على طُرَّة الأجْزاءِ هو: "يَوْم الأرْبِعاء تاسِع عَشر رَبيع الآخر سَنَة ستّ وخَمْسين وثَمانمائة" وأنَّهُ كانَ في القَاهِرةِ، ونَجِدُ نصَّ تَملُّكٍ آخرَ له، كَتَبَهُ على وَرَقةٍ فَارغةٍ من أوْرَاقِ الجُزءِ الثَّانِي [الورقة ١٤٠ أ]، فيه ما يُفِيدُ تَملُّكَهُ الكتَابُ بمَعرَّةِ النُّعْمان في سَنَة ٨٣٦ هـ: "نَوْبَة فَقِير
_________________
(١) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٩.
(٢) مثل هذا الاختلاف في ترقيم الأجزاء ما يذكره اليونيني في ذيل الزمان ١: ١٩٩ من أنه اطلع على المجلد الثالث من تاريخ صلب لابن العديم ونقل منه أبياتًا أخذها ابنُ العديم في كتاب نُزهة الناظر لعبد القاهر بن علوي المعريّ، وورد هذا النقل وهذه الأبيات في الجزء الخامس بحسب ترتيب الأجزاء التي وصلتنا.
[ ١ / ١٠٩ ]
عَفْو اللّه تعالَى مُحمَّد بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن السَّابق الحنفيّ عَفا اللّهُ عَنهم أجْمَعِين، بالمعَرَّة المَعْمُورة، في سَنَة ستٍّ وثلاثين وثَمانمائة، أحْسَن اللّهُ عاقِبَتها في خَيْر، آمين".
وإضافةً لمَا تقدَّمَ، فقد كانتْ هذه الأجْزاءُ الّتي وَصَلتْنا - باسْتثناءَ الجُزءَ السّادسِ - في ملْكِ مُحمَّد بن أحمد بن إيْنَال العَلَائيّ الحَنَفِيّ (ت ٩١٨ هـ)، وقَيَّدَ تَملُّكُهُ لها على طُرَّةِ أغْلِفَتها، وهو رَجُلٌ لَهُ اشْتِغالٌ بالعِلْمِ وصنَّفَ كتابًا اسْمه العِقْدُ المَخْصُوصُ بتَرصِيعِ الفُصُوص (^١).
إنَّ هذه الدَّلائِلَ تُؤشِّرُ إلى كَوْنِ أغْلَبِ أجْزاءَ الكتَاب كانتْ بمِصْرَ في مُنْتَصَفِ القَرْنِ التَّاسِع الهِجْريِّ، ثُمَّ في مكَّةَ في التَّاريخ الَّذي قَيَّدَهُ ابن فَهْد وذَكَره السُّيوطِيّ وهو سنة ٨٦٩ هـ، ثُمَّ انتَقَلتِ المَجْمُوعَةُ في عَهْد الدَّولةِ العُثْمانيَّة إلى اسْطنبُول، وأُوْقِفَ الجُزءُ الخامِسُ منها، بحَسَبِ خَتْم الوَقْفِ المُثبَت على طُرَّتِه، على مَدْرَسةِ شَيْخ الإسْلام فَيْض اللّه أفَنْدِي الّتي أنْشَأها سَنَة ١١١٣ هـ، أمَّا بقِيَّةُ الأجْزاءَ فأَوْقَفَها السُّلْطان مَحْمُود الأوَّل بن مُصْطَفى الثَّاني (ت ١١٦٨ هـ).
* * *
وبالعَوْدةِ إلى الضَّائِعِ من الكتَابِ، ولمَعْرفةِ الأجْزاءَ والأبْوَابِ الضَّائِعة منه، وتَقْديرِ كَمِيَّة هذا الضَّائِع، وحَصْرِ عَدَدِ التَّراجم الضَّائِعة منه، فقد سَعَيْنا إلى رَصْدِ إحَالَاتهِ العَدِيْدةِ والمُتكرِّرة، سَواءً ما يتَعلَّقُ منها بالإحالة على إفادَاتٍ تتَّصِلُ بالجُزءَ الأوَّلِ من الكتاب أو الإحالاتِ المُتَعلِّقة بمَن تَرْجَمَ لهم من الرِّجَالِ والنِّسَاء، وأكْثَرُ إحالاتهِ ممّا جاءَ في الجُزءَ العاشِر الَّذي أفْرَدَهُ للكُنَى والألْقَابِ، ذَكَرَ فيه مَن غَلَبَتِ الكُنْيَةُ أو اللَّقَبُ على اسْمهِ، وأصالَ على ترْجَمتِه في الأسْمَاء، وبَدَا أنَّ أكْثَرَ التَّراجمِ الضَّائِعةِ في تَرَاجِم العَبَادِلة والمُحمَّدين بحُكمْ كَثْرَة مَن تَسَمَّى
_________________
(١) الضوء اللامع ٦: ٢٩٥، البغدادي: هدية العارفين ٢: ٢٢٦، كحالة مُعْجَمُ المؤلفين ٨: ٢٩٣.
[ ١ / ١١٠ ]
بهذه الأسْمَاء أَصْلًا، وقد حَرِصتُ على الإشَارةِ في الهامِشِ إلى مَكَانِ التَّرْجَمَة المُحالِ عليها أو ضَياعها.
أمَّا الجُزءُ الأوَّلُ من الكتابِ، فقد تعرَّضَ إلى بَعْضِ الإفْسَادِ بفِعْلِ الرُّطُوبَةِ وربَّما دَاخَلَهُ الماءُ؛ ففَسَدَ أوَّلهُ وآخرُهُ، ونُزِعَتْ منهُ أوْرَاقٌ عَديدةٌ، تتَضَمَّنَ بعضَ الأبْوابِ: فمن أبْوَابهِ الضَّائِعةِ: مُقَدِّمَةُ المُؤلِّفِ، الَّتي نَفْتَرضُ أنَّه ضَمَّنَها دَواعِي التَّأليف، ورُبَّما خِطَّة العَمَل الَّتي سَلَكَها في نَسْقِ أجْزَاء الكتاب، وتَعْدَاد إبْرَز مَصادِره الَّتي اعْتَمَدَ عليها.
وضَاعَ من أوَّلِ هذا الجُزْءَ بابٌ يَتَنَاولُ "أوَّلِيَّة بنِاء حَلَب في التَّاريخ القَديم"، أحالَ عليه المُؤلِّفُ في أثْناءَ كلامِهِ على ما وَرَدَ من الكِتابَةِ القَدِيمةِ على الأحْجَار بحَلَب:
"قد ذَكَرْنا في أوَّلِ كتابِنا هذا، ما حَكَاهُ أبو أُسامَةَ الخَطِيب بحَلَب، أنَّ أباهُ حدَّثَهُ أنَّهُ حَضَرَ مع أبي الصَّقْر القَبِيْصِيّ ومعهما رَجُلٌ يقرأُ باليُونانِيَّة، فنَسَخُوا كتابةً كانتْ على القَنْطَرَة الّتي على بابِ أَنْطَاكِيَة، قال: ونُسْخَتُها: بُنِيَتْ هذه المَدِينَة، بناها صَاحبُ المَوْصِل … ".
وضاعَ بابٌ عُنْوانُه: "بابُ تَسْمِيَة حَلَب"، أحَالَ عليه في مَطْلع "باب في ذِكْرِ ما بحَلَب وأعْمَالها من المَزَارَاتِ، وقُبُور الأنْبِياء والأوْلِيَاء، والمَواطِن الشَّرِيْفَة، الَّتي بها مَظَّان إجَابة الدُّعَاء"، قال:
"وكان (إِبْرَاهِيم ﵇) يُقِيمُ به ويَبُثُّ رِعَاءَهُ إلى نَهْرِ الفُرَاتِ والجَبَل الأَسْوَد، ويَحْبسُ بعضَ الرِّعَاءَ بما معَهُم عندَهُ، ويَأْمُرُ بحَلْب ما معَهُ، واتِّخاذِ الأطْعمةِ وتَفْرِقتِها على الضُّعَفَاءَ والمَسَاكِين، وقد ذكَرْنا ذلكَ مُسْتَقصىً في بابِ تَسْمِيَةِ حَلَب".
[ ١ / ١١١ ]
وأحَالَ عليه أيضًا في مَوْضِعٍ آخرَ من نَفْسِ البَاب:
"وخَارجُ المَدِينَة مِمَّا يَلي القِبْلَة مَقامُ إبْرَاهِيْم ﷺ في الجَبَّانَةِ، وفي مِحْرَابِ المَسْجِد، حَجَرٌ قيل إنَّهُ كان يجلسُ عليه، وفي الرِّوَاقِ القِبْليّ الّذي يلي الصَّحْنَ صَخْرةٌ نابِتةٌ فيها نُقْرَةٌ قيل إنَّه كانَ يَحْلبُ فيها غَنَمُه، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما تقدَّم".
وأحَالَ على هذا البابِ أيضًا - وهو بابُ تَسْمِيَةِ حَلَب - غِبَّ كَلامِهِ على القَبائِل القَاطِنَة بحَلَب ونَوَاحِيها، قال:
"ونَزَلَ بأعْمَالِ حَلَب بعضُ العَمَالِقَةِ، وقد ذكَرْنا فيما تقدَّمَ أنَّ حَلَبَ إنَّما سُمِّيتْ بحَلَب بن المهْرِ من ولدِ جَاب بن مكنَّف من العَمَالِقَة، وقيل فيهِ: حَلَب بن مهْر بن حيص بن عِمْلِيْق".
ومن الفُصُولِ الضَّائعة: بابٌ ذَكَرَ فيه بَعْضَ مُدُنِ الجَزِيرةِ كالرُّها وحَرَّان، ورُبَّما كانَ هذا البابُ الضَّائِعِ الَّذي أحَالَ عليه ابن العَدِيم هو ذاتُه "باب تَسْمِيَةِ حَلَب"، وأدْرَجَ ضِمْنَهُ فَصْلًا من كتابِ بَابَا الصَّابِئ الحَرَّانِيّ، وهو كتابٌ أرْسَلَهُ إليهِ ابنُ تَيميّة خَطِيبُ حَرَّان، ونَقَلَ منه بعضَ الفُصُولِ المُتَعلِّقةِ بالمَلَاحِمِ وأَمَارَاتِ السَّاعَة، يقول:
"وقد ذَكَرْنَا هذا الفَصْلَ فيما تقدَّم، وأنَّهُ انْهَدَمَ مَوضِعٌ في سُورِ حَرَّان في سَنَةِ اثْنتين وخَمسين وستّمِائة، فاحْتيجَ إلى أنْ نُقِلَ إليهِ من سُور الرُّهَا حِجَارَةٌ بُنِيَ بها ما انْهَدَمَ من سُورِ حَرَّان، أخْبَرَني بذلكَ خَطِيبُ حَرَّان، ونَقَلْتُ ما نَقَلْتُهُ من هذا الكتابِ على ما فيه من اللَّحنِ ورِكَّةِ الألْفاظ".
والدَّاعِي لافْتِرَاضِ أنْ تَكُونَ الإحالةُ على "باب تَسْمِيَةِ حَلَب" كَون الصَّابئ سَمَّى حَلَب في كتابه باسْمِها القَدِيم "مَابُوْغ"، فاقْتَضَى الاسْتِشْهَادُ بكَلَامِه في ذلك الباب.
[ ١ / ١١٢ ]
وضاعَ من آخِر الجُزءَ الأوَّل الفَصْلُ الَّذي أفْرَدَهُ المُؤلِّفُ لرَصْدِ الأشْعَارِ الَّتي قِيْلَتْ في حَلَب، سمَّاه: "بابٌ في مَدْحِ حَلَب"، قال:
"ويدُلُّ على ذلك وَصْفُ الصَّنَوبَرْيَ حَلَبَ بكَثْرةِ السَّرْو كما في قَولِهِ في القَصِيدَة الهائِيَّة الَّتي يأتي ذِكْرُها في بابِ مَدْح حَلَب إنْ شَاءَ اللّهُ".
أمَّا بَقِيَّةُ الأجْزاءَ، وهي الضَّامَّةُ للتَّرَاجِم، فقد ضَاعَتْ منْها الأجْزاءُ الأُوْلَى المُشْتَملةُ على تَرَاجِمِ أوَّلِ الكتَاب ممَّن يَبْتَدئُ اسْمهُ بالأَلف باء: أَبان، إبْراهِيم ..، وبعضُ أجْزاءَ تَرَاجِمِ الأحْمَدين، ثُمّ تَرَاجِمِ حرْفِ البَاء والتَّاء والثَّاء والجيم وأوَّلِ الحاءَ حتَّى تَرْجَمَةِ الحَجَّاجِ، ثمَّ ضاعَ الجُزءُ الّذي فيه تَتَمَّةُ تَرَاجِمِ الحَسَن بن عليّ حتَّى آخر الحَسَنيِّيْن، وضَاعَ الجُزءُ الَّذي يَلِيه وفيه تَرَاجِمِ أَواِئِلِ الحُسَيْنيِّيْن حتَّى أوَاخر الحُسَيْن بن عَبْد اللّه، وضاعَ من أوَّل الجُزءَ الثَّامن بقِيَّةُ تَرْجَمَةِ دَعلَج بن أحْمَد، الَّتي وَقَفَ الجُزءُ السَّابِعُ قَبْله في ثَنَاياها، إضافةً إلى ضَياعَ تَرَاجِمِ حرْفِ الذَّال، وفيها تَرْجَمَةُ ذي الكَلاع الَّتي أحَالَ عليها المُؤلِّفُ في كتَابِه، وأوَّلُ تَرَاجِمِ الرَّاءَ حتَّى بدايةِ تَرْجَمَةُ رَاجِح بن إسْماعِيْل، ثمّ تِلُوه ضَياع بَقِيَّة أجْزَاءَ الكتابِ سِوى الجُزْء الخاصِّ بالكُنَى، وأكْثَرُ الضَّائع في تَرَاجِمِ حَرْفِ العَيْن وفيه العَبَادِلةُ والعَبَابِيْدُ (عَبْد اللّه، عبد الرَّحمن … إلخ)، وحَرْف المِيْم وفيه المُحمَّدِين.
ومن أجْزاءَ الكتابِ الضَّائِعةِ، جُزءٌ يتَضَمَّنُ تَرَاجِمَ "مَن لا يُعْرَفُ اسْمُه"، أو "مَن جُهِلَت أسْمَاؤهم"، أو "جُزءُ المَجْهُولين الأسْمَاء والأَنْسَاب والألْقَاب"، وأحَالَ عليه في الجُزء الأوَّل في آخر "باب فَضْل أَنْطَاكِيَة"، وأيضًا في الجُزء الثَّامن في تَرْجَمَةِ رَافِع بن عُمَير بقَوْله: "وذَكَرَ تَمَامَ الحِكايَةِ وقد ذَكَرْناها في آخرِ الكتابِ في المَجْهُولةِ أسْمَاؤهم"، وأحَالَ عليه أيضًا في ثَلَاثةِ مَواضِعَ أُخْرَى من الجُزءَ العَاشِر (الكُنَى) بما يُؤَكِّد أنَّه تِلُوه في التَّرْتِيب.
[ ١ / ١١٣ ]
ومن الضَّائعِ جُزءٌ في تَرَاجِمِ النِّسَاء، ففي تَرْجَمَة الحُسَيْن بن عليّ بن أبي طَالِب (الجُزء السَّادِس) أحَالَ على تَرْجَمَة زَوجَتِه الرَّباب بنت امْرئ القَيْس ابن عَدِيِّ الكَلْبِيّ: "وقد ذَكَرْنا في تَرْجَمَة الرَّبَاب، في آخر الكتاب، أنَّها كانتْ مع الحُسَين ﵁ يَوْم الطَّفّ … ".
وذكَرَ في الجُزءَ العَاشِر (الكُنَى) الفَقيْهَةَ العالِمَةَ فَاطِمَة السَّمَرْقنْديَّة، زَوْجة الإمام عَلاءَ الدِّين الكاسَانيّ، وأحَالَ على تَرْجَمتِها الَّتي سَتأتي في جُزء بعد الجُزءَ الخاصِّ بالكُنَى: "وَسَنَذْكُرها في حَرْف الفاء فيمن اسْمه فاطِمَة من النِّسَاءَ إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى" (^١).
وكذلك في الجزءَ العاشِرِ (الكُنَى) عند ذِكْر وَالدةِ الفَقِيْه أبي عليّ الخُرَاسَانيّ الوَزِير، واسْمُها فاطِمَة بنت مُحمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد الشَّبيْه: " … فذَكَرَ حَدِيثَ فَتْح الرُّوم حَلَب في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة، وأسْرها وخَلَاصها من الأسْرِ على ما نَذْكُره في تَرْجَمَتِها مع النِّسَاء".
وأفْرَدَ في آخِر الجُزءَ الخاصِّ بتَراجِم النِّسَاء بابًا في تَرَاجِم "مَنِ لا يُعْرف اسْمها من النِّسَاء"، أو "المَجْهُولات منْهنَّ"، ولا نَظُنه جُزءًا مُسْتقِلًّا لقِلّةِ عَدِدهنَّ، وأحَالَ عليه في تَرْجَمَة زَوْجة قُنْزَعِ الشَّاعِر (الجُزء العاشِر): "كانتْ له امْرَأةٌ شَاعرةٌ وقد ذَكَرْناها فيمَن لا يُعْرفُ اسْمُها من النِّسَاءَ". وأحَالَ عليه أيضًا في تَرْجَمَة أبي مَعْشَر (الجُزء العَاشِر): "خَرَجَ من حِمْص غَازِيًا إلى الثَّغْر، وحَكَى عن امْرَأةٍ خَرَجَتْ إلى الغَزَاة … وقد سُقْنا الحِكَايةَ عنه في المَجْهُولاتِ من النِّسَاءِ، فيما يأتي في آخرِ الكتابِ إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى".
* * *
ولم يُعْطِ المُؤلِّفُ أرْقامًا للأجْزَاء، بما يُمَكِّنُ من مَعْرفَة عَدَدِها، ورَصْد مِقْدَار المُتَوفِّرِ مخها، ولَدَينَا الجُزءُ الأوَّل، وثَمانيةُ أجْزَاءٍ من النِّصْفِ الأوَّلِ من الكتاب،
_________________
(١) حفظ لنا القرشي جزءًا من تَرْجَمة ابن العديم للسمرقندية في كتابه الجواهر المضية ٤: ١٢٢ - ١٢٤.
[ ١ / ١١٤ ]
ثُمَّ لدَينا الجُزء الخاصّ بالكُنَى ويَعْقِبُه بحَسَب إحَالَاتِ المُؤلِّف جُزْءان؛ أَحَدُهما خاصٌ بالمجاهِيل من الرِّجال، والآخرُ يَشْتَمل على تَرَاجِمِ النِّسَاءِ والمجاهِيْل منهنَّ، ووَرَد في زَاوِيةِ وَرَقةٍ فارغةٍ من الجُزءِ التَّاسع (بحَسَب هذه النَّشْرة) نَصُّ تَرْقِيم بخَطِّ مُغايرٍ لخَطِّ النُّسْخَةِ وهو "المُجلَّد السَّادِس عَشر من التَّاريخ"، إضافةً إلى إشَارَةِ السَّخَاوِيِّ للجُزءِ الضّامّ لترْجَمَةِ مُشْرِق بن عَبْد اللّه حتَّى تَرْجَمَة الوَلِيد بن عَبْد العَزِيز وتأخِير المُؤلِّف لحَرْف الهاء، وبناءً على هذه المُعْطَيات، وما تَرَجَّحَ أوَّلًا من أنّ عَدَدَ الأجْزَاءِ هو ثلاثينَ جُزءًا، فيُمكنُ بناءُ الافْتِراضِ التَّالي لمَضامِينِ وأرْقامِ أجْزاءِ الكتاب؛ المَوجُود منها والضَّائِع:
رقم الجزء … المحتوى/ التَّراجم … (م) موجود/ ترقيم … رقم الجزء في هذه النشرة
(ض) ضائع السَّخاويّ …
١ … الكتاب الأوَّل (المُقَدِّمة) … م … ١
٣ … أبان - إبْراهيم … ض
٣ … أحمد بن … - أحمد بن جَابِر … ض
٤ … أحمد بن جَعْفَر - أحمد بنَ عْبد الوَارِث … م … ١ … ٣
٥ … أحمد بن عبد … - أحمد بن مُحمَّد بن … ض
٦ … أحمد بن مُحَمَّد بن متّويه - إسْحاق بن مُحَمَّد … م … ٣ … ٣
٧ … أسَد بن إبْرَاهِيم - أُمَيَّة بن عَبْد اللّه … م … ٣ … ٤
٨ … تتَمَّة حَرْف الألف وتَرَاجِم الباء والتَّاء والثَّاء … ض
٩ … تَرَاجِم الجيم وأوَّل الحاء … ض
١٠ … الحَجَّاج بن هِشَام - الحَسَن بن عليّ … م … ٤ … ٥
١١ … تتَمَّة الحَسَن بن عليّ - الحَسَن بن يعْقُوب … ض
١٣ … الحُسَيْن بن إبْراهيم - الحُسَيْن بن عَبْد اللّه … ض
١٣ … الحُسَيْن بن عَبْد اللّه - خالد بن بَرْمَك … م … ٥ … ٦
١٤ … خالد بن الحارث - دَعْلَج … م … ٦ … ٧
١٥ … رَاجِح بن إسْمَاعِيْل - زَنْكِي بن مَوْدُود … م … ٧ … ٨
[ ١ / ١١٥ ]
رقم الجزء … المحتوى/ التَّراجم … (م) موجود/ ترقيم … رقم الجزء في هذه النشرة
(ض) ضائع السَّخاويّ …
١٦ … زَهْدَم بن الحارث - سَعيد بن سَلَّام
١٧ … بَقيَّة حَرْف السِّين، الشِّين، الصَّاد، الضَّاد، الطَّاء، الظَّاء … ض
١٨ … تَرَاجِمِ حَرْف العَين … ض
١٩ … تَرَاجِمِ حَرْف العَيْن … ض
٢٠ … تَرَاجِمِ حَرف العَين … ض
٢١ … تَرَاجِمِ حَرف الغَين، والفاء … ض
٢٢ … تَرَاجِمِ حَرْف القاف والكاف واللَّام … ض
٢٣ … تَرَاجِمِ حَرْف الميم … ض
٢٤ … تَرَاجِمِ حَرْف الميم … ض
٢٥ … تَرَاجِم حَرْف الميم … ض
٢٦ … مُشْرِق بن عَبْد اللّه - الوَلِيْد بن عَبْد العَزِيز … ض … ٩
٢٧ … تَتِمَّة مَن اسْمُه وَليد، حَرف الهاء، والياء … ض
٢٨ … الكُنى والألقاب … م … ١٠ … ١٠
٢٩ … تَرَاجِمِ المَجْهُولين الأسْماء والأنْساب والألْقَاب … ض
٣٠ … تَرَاجِمِ النِسَاء، وتَراجِم المَجْهُولات من النِّسَاء … ض
لقد أفْقَدنا ضَياعُ ثُلُثي كتاب ابن العَدِيْم تقريبًا، حَسَب الافْتِراض السَّابق لعَدَد الأجْزاء، فُرْصَةَ الاطِّلاع على تَرَاجِمِ أَعْلام لَم تَرِدْ إلَّا عندَه، أشارَ إلى تَرْجَمةِ بَعْضُهُم وأحَالَ عليها، فضَياعُ تَرْجَمةِ الشَّاعِرِ المَعْرُوفِ بدَوْقَلَة بن العَبْد، أَحَدُ مَن تُنْسَبُ إليهم القَصِيْدَة المَعْرُوفة باليَتِيْمة، والَّذي ذَكَرهُ في الأَسْمَاء: "أحْمَد بن الحُسَين المَنْبِجِيّ"، وأحَالَ على تَرْجَمتِه في حَرْف الدَّال لغَلَبَةِ شُهرته بدَوْقَلَة، فضاعَتْ بضَياعِ
[ ١ / ١١٦ ]
تَرَاجِمِ بَقِيَّة حَرْف الدَّال، بما فَوَّتَ علينا فُرصَةَ مَعْرفَتِه، مع انْعِدَام ذِكْره تَرْجَمَتِه عند غيره. وكذا ضَيَاعُ تَرْجَمَةُ نَصْر بن شَبث العُقَيْليّ، الثَّائِرِ علىِ الدَّوْلَة العبَّاسِيَّة، والَّذي أشْغَلَ الخِلَافَةَ وأَهَمَّها مُدَّةً طَويلةً اسْتْمَرَّتْ ثلاث عَشرة سنة ونصف بالتَّمام (رَجَب سَنَة ١٩٦ هـ حتَّى وَقْت القَبْض عليه في شَهْر ذي القَعْدَة سنة ٢٠٩ هـ)، إلى تَرَاجِمَ آخرين الله أعْلَم بهم وبأهَمِّية ما كَتَبه عنهم.
أخيرًا: فإنَّ بَقاءَ ما نَجَزَ من الكتابِ حَبِيْسًا في يَدِ المُؤلِّفِ أو في خِزَانتِه، وعَدَمَ إطْلَاقِه للانْتِساخَ والتَّداولِ، فَوَّتْ علينا فُرْصَةَ تَوفُّر نُسَخٍ منه، ولا يُمكِنُ اعْتِبارُ كتابِ "زُبْدَة الحَلْب" صُورَة مُصَغَّرة لكتاب البُغْيَة، بالرَّغْم ممَّا قاله المُؤلِّفُ في مُقَدِّمةِ الأخير "أنَّه مُنْتَزعٌ من تاريخيِ الكَبِير للشَّهْباء"، لاخْتِلَافِ مَنْهجِ التَّألِيفِ بين الكتابيَن، أرادَ بكتابِه الزُبْدَة أنْ يَضعَ صُورةً عامَّةً عن أوْضَاعَ حَلَب وتاريخِها السِّياسيّ على مَدَى القُرونِ السَّبْعةِ الَّتي سَبَقته، بينما كانَ عَمَله في البُغْيَة مُنْصَرفًا للتَّعْريفِ بالرِّجال الَّذين اتَّصَلَتْ أيَّامهم وأعْمالُهم بحَلَب، فصَنَعَ تَرَاجِمِ مُرَكَّزة، تحْمِلُ في ثناياها مَعارِفَ وأخْبارًا مُتَنوِّعة، وأشْعارًا وأراجيزَ، ونَقَلَ لنا - من خِلَالِها - بَقايا كُتُبٍ ضَاعَتْ أُصُولُها، فالزُبْدَةُ مَسْحٌ أُفقيٌّ، والبُغْيَة عَوْضٌ وتَركيزٌ عموديُّ.