اعْلَم أنَّ دَابِق كانت مَجْمعًا لعساكر الإسْلام في كُلِّ صَائِفَة من زمن مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان، فكانوا يَجْتَمعُونَ بها، فإذا تكامَل العَسْكَر، وقَبَضُوا عطاءَهم، دخلُوا حينئذٍ من الثُّغُور إلى جِهاد العَدُوِّ، واسْتمرَّ ذلك في أيَّام بني أُمَيَّة، لا سِيَّما في أيَّام سُلَيمان بن عَبْد المَلِك، فإنَّه أقامَ بدَابِق سنين، وسيَّرَ أخاهُ مَسْلَمَة لغَزْو القُسْطَنْطِينِيَّة، وكان يُمدُّه بالعَساكِر إلى أنْ مات سُلَيمان بدَابِق.
وبعد زوال مُلْك بني أُمَيَّة، تتبَّعَ بنو العبَّاس مُدن الثُّغُور وحُصُونها، فعَمَرُوها وحَصَّنُوها، وغَزَوا غَزوات مَذْكُورَة من نواحي حَلَب من بَغْرَاس ودَابِق وغيرهما، لا سِيَّما أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد رَحْمة الله عليه؛ فإنَّه اجْتَهَد في إقامة الجهاد، وأنْفَقَ الأمْوال الوافرة في الثُّغُور وأهْلها، وكان يَقْدَمُ حَلَب ويُرَتِّب أمر الغَزْو منها، وكذلك فعل المأْمُون بعده، وماتَ غَازِيًا بطَرَسُوس، وجاء المُعْتَصِمُ كذلك وفَتَحَ عَمُّورِيَّة.
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن مُحمَّد بن الحَسَن الشَّافِعِيّ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (^١)، قال: قرأتُ على أبي القَاسِم الخَضِر بن الحُسَيْن (a) بن عَبْدَان، عن عَبْد العَزِيْز بن أحْمَدُ الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن على بن الحَسَن بن أبي زَرْوَان الحافظ، قال: حَدَّثَنا عَبْد الوهَّاب بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عُمَيْر بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنا أبو عَامِر مُوسَى بن عَامِر، قال: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بن مُسْلِم، قال: وحَدَّثَني عَبْد الرَّحْمن بن يَزِيد بن جَابِر وغيره: أنَّ جُنْد حِمْص الجُنْد المُقَدَّم، وأنَّ
_________________
(١) (a) ابن عساكر: الحصين.
(٢) تاريخ ابن عساکر ٢: ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
قنَّسْريْن (a) كانت يومئذ ثَغْرًا، وأنَّ النَّاس كانوا يَجْتَمعُونَ بالجابِيَة لقَبْضِ العَطاءِ، وإقامة البُعُوث من أرْض دِمَشْق في زَمن عُمر وعُثْمان، حتَّى نَقَلَهُم إلى مُعَسْكر دَابِق مُعاوِيَةُ بن أبي سُفْيان لقُرْبه من الثُّغُور.
قال: وكان والِي الصَّائِفَة (b)، وإمام العامَّة في أهل دِمَشْق، لأنَّ مَنْ تقدَّمَهُم من أهل حِمْص وأهل قِنَّسْرِيْن وأهْل الثُّغُور مُقَدِّمةٌ لهم، وإلى أهلها يَؤُولُوْنَ إنْ كانت لهم جَوْلةٌ من عدُوِّهم.
وأخْبَرَنا عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحمَّد الشَّافِعِيّ (^١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد هِبةَ الله بن أحْمَدُ وعَبْد الكَريم بن حَمْزَة، قالا: حَدَّثَنا عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا تَمَّامٌ وعَبْدُ الوهَّاب، قالا: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحمَّد، قال: حَدَّثَنا أحْمَدُ بن المُعَلَّى، ح.
قال تَمَّام: وأخْبَرَني أبو إسْحَاق إجَازَةً، قال: حَدَّثَنا ابنُ المُعَلَّى، ح.
قال تَمَّام: وأخْبرَني يَحْيَى بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنا عَبْد الرَّحْمن بن عُمَر، قال: حَدَّثَنا ابن المُعَلَّى، قال: وأخْبَرني صَفْوَان بن صالح، أملاهُ عَليَّ، قال: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بن مُسْلِم، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن مُهاجِر، قال: سَمِعْتُ أخي عَمْرو بن مُهاجِر، قال: سَمِعْتُ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، وذَكَرَ مَسْجِد دِمَشْق، فذَكَر الحِكايَة، ومَقْدَم خَالِد بن عَبْد الله القَسْرِيّ إليه، وقَوْله له حين همَّ برَفْع الزَّخْرَفة منه: ما ذلكَ لك! حتَّى قال: فما قَوْلك: ما ذلك لي؟ قال: لأنَّا كُنَّا مَعْشر أهْل الشَّام، وإخْواننا من أهْل مِصْر، وإخواننا من أهْل العِرَاق، نَغْزُو، فيُعْرَض على الرَّجُل منَّا أنْ يَحْمل من
_________________
(١) (a) لم ترد في نشرة تاريخ ابن عساکر، وموضعها بياض في أصوله. (b) تاريخ ابن عساكر: الصافية، تحريف.
(٢) تاريخ ابن عساکر ١: ٢٦٩.
[ ١ / ١٧٠ ]
أرْض الرُّوم قَفِيزًا بالصَّغير من فُسَيْفِساء، وذِرَاع في ذراعٍ من رُخَام، فيَحْمله أهل العِرَاق وأهْل حَلَب إلى حَلَب، ويُسْتأجر على ما حملوا إلى دِمَشْق، ويَحْمله أهل حِمْص إلى حِمْص، ويَسْتأجر على ما حملوا إلى دِمَشْق، ويَحْمل أهل دِمَشْق ومَن وَراءهم حصَّتهم إلى دِمَشْق.
وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان وفُتُوحها وأحْكامها، تأليف أحْمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (^١)، قال: وحَدَّثَني مُحمَّد بن سَهْم الأنْطاكيِّ، قال: حَدَّثَني مُعاوِيَةُ بن عَمْرو، عن أبي إسْحَاق الفَزَارِيّ، قال: كانت بنو أُمَيَّة تَغْزُو الرُّومَ بأهْلِ الشَّام والجَزِيرَة، صَائِفَةً وشاتِيَةً، ممَّا يلي ثُغُور الشَّام والجَزِيرَة، وتُقيم المراكب للغَزْو، وتُرَتِّب الحَفَظَة في السَّواحل، ويكون الإغْفال والتَّفْرِيط خلال الحَزم والتَّيَقُّظ، فلمَّا وَلي أبو جَعْفَر المَنْصُور تتَبَّع حُصُون السَّواحل ومُدنها، فَعَمَرَها، وحَصَّنَها، وبَني ما احْتاج إلى البناء منها، وفعَلَ ذلك بمُدن الثُّغُور، ثمّ لمَّا اسْتُخِلفَ المَهْدِيّ، اسْتَتَمَّ ما بَقي من تلك المُدُن والحُصُون، وزَادَ في شَحْنها.
قال مُعاوِيَةُ بن عَمْرو: وقد رأينا من اجْتهادِ هارُونَ في الغَزْوِ، ونَفاذ (a) بَصِيْرته في الجِهادِ أمرًا عظيمًا، أقامَ من الصِّناعَة ما لَم يُقَم قَبْلَه، وقَسَمَ الأمْوال في الثُّغُور والسَّواحل، وأشْجر (b) الرُّوم وقَمَعَهُم، وأمرَ المُتَوكِّل بتَرْتيب المراكب في جميع السَّواحل، وأنَّ تُشْحَنَ بالمُقاتِلَة وذلك في سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين ومائتين.
_________________
(١) (a) الأصل: ونفاد، وهو خلاف المُراد. (b) كذا في الأصل وك، وفي كتاب البلاذري (مصدر النقل): "أشجي الروم"، والشجو: الهمّ والحزن، أي أنه أوقع الرُّوم في الهم والحزن، ولفظة "أشجر" تفيد قريبًا من هذا، فأشجر القوم: تخالفوا وتنازعوا فيما بينهم، ولفظة البلاذري أقرب للمراد. انظر: لسان العرب، مادتي: شجر وشجا.
(٢) فتوح البلدان ٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ١ / ١٧١ ]