وهي مَدِينَةٌ قَدِيْمَةٌ من بناءَ الرُّوم، سُمِّيَت باسْمِ أَذَنَة بن يَاوَان بن يَافِث، وقد ذَكَرنا ذلك في باب المِصِّيْصَة، وجُدِّدت عمارتُها في الدَّوْلَةِ العبَّاسيَّة، كما جُدِّد عِمَارَة غيرهَا من مُدُن الثُّغُور، وحالها في الخَرَاب كحال المِصِّيْصَة.
_________________
(١) أذنة Adana: تقع إلى الغرب من المصيصة على خط العرض ٣٧.٠١ والطول ٣٥.١٨، وهي مدينة قديمة من بناء الروم، وكانت من مشاهير مدن الثغور الشامية في العهد الإسلامي، تقع على نهر سيحان من غربيه بقرب المصيصة، وتبعد نحو ٣٠ كم عن ساحل البحر الأبيض المتوسط، وكانت تسمى أدَانُم، جددت ورممت في العهد العباسي أكثر من مرة، أولها في عهد المنصور سنة ١٤١ هـ/ ٧٥٨ م الذي قام ببناء قسم منها، ثم أعاد بنائها هارون الرشيد، وفي الرشيد في خلافة أبيه المهدي قصرًا قرب الجسر سنة ١٦٥ هـ/ ٧٨٢ م، ثم في سنة ١٩٤ هـ / ٨١٠ م أمر محمد الأمين عامله على أعشار الثغور فرج بن سليم الخادم بإعادة بنائها وإحكامها وتحصينها، وللمدينة ثمانية أبواب وسور وخندق، وتسمى اليوم: أضنة، وأطنة، وأدنة. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ٩٩، ابن خياط: تاريخ ٤٢١، اليعقوبي: البلدان ٣٦٣، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، ابن الفقيه: البلدان ١٠٩، قدامة: الخراج ١٨٦، ٣٠٩ - ٣١٠، المسعودي: مروج الذَّهب ٥: ١٦٨، المسعودي: التنبيه ٥٨، ١٨٣، الإصطخري: مسالك ٦٣ - ٦٤، ٦٨، ابن حوقل: صورة الأرض ١٦٥، ١٨١، ١٨٣، المقدسي: أحسن التقاسيم ٢٢، مجهول: حدود العالم ١٧٥، الإدريسي: نُزهة المشتاق ٣: ٦٤٧، ابن سعيد: بسط الأرض ٨٤، ياقوت: معجم البلدان ١: ١٣٣، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٣٣، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦١، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٤٩، ابن الشحنة: الدر المنتخب ١٨١، الصفدي: تحفة ذوي الألباب ١: ١٩٦، الحميري: الرّوض المعطار ٢٠، موستراس: المعجم الجغرافي ٣٧، لسترنج: بلدان الخلافة ١٦٣، R.Anhegger، EL ٢:Adana، I، PP ١٨٢ - ١٨٤
[ ١ / ٣٠٢ ]
قَرَأتُ بِخَطِّ يَاقُوت بن عَبْد الله الحَمَوِيّ، قال (^١): ولأَذَنَة نَهْر سَيْحَان، وعليهِ قَنْطَرَة حِجَارَة عَجَيبة بين المَدِينَة وبين حِصْن ممَّا يلي المِصِّيْصَة، وهو شبيهٌ بالرّبَضِ، والقَنْطَرَة مَعْقُودةٌ على طَاقٍ واحدٍ، ولأَذَنَة ثمانية أبوابٍ، وسُورٌ، وخَنْدَقٌ.
وقال: قال ابن الفَقِيه (^٢): عُمرت أَذَنَةُ في سَنَة تسعين ومائَة على يدي أبي سُلَيمان؛ خادمٌ تُرْكيٌّ كان للرَّشِيْد وَلَّاهُ الثُّغُور، وهو عَمَّر طَرَسُوس وعَيْن زُرْبَة.
قال: وقال البَلاذُرِيّ (^٣): بُنِيَتْ أَذَنَةُ في سَنة إحْدى أو اثنتَين وأرْبَعين ومائة، وجُنود خُرَاسَان مُعَسْكرون عليها بأمر صالِح بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس.
وقَرَأتُ بِخَطِّ بَنُوْسَة، في كتاب البُلْدان للبَلاذُرِيّ، فيما حَكاهُ عنْ شُيُوخه، قالوا (^٤): ولمَّا كانت سَنَهَ خَمسٍ وستِّين ومائة، أغْزَى المَهْدِيّ، ﵀، ابنَهُ هارُونَ الرَّشِيد، صَلَواتُ اللهِ عليهِ، بلاد الرُّوم، فنَزل على الخلَيْج، وبَني القَصْر الّذي عند جِسْر أَذَنَة على سَيْحَان، وقد كان المنصُور، صَلواتُ اللهِ عليهِ، أغْزَى صَالِح بن عليّ بلادَ الروم، فوَجَّه هِلالَ بن ضَيْغَم في جَمَاعَةٍ من أهْل دِمَشْق والأُرْدُنّ وغيرهم، فبنى ذلك القَصْر، ولم يكن بناؤُه مُحْكمًا، فهدَمَهُ الرّشِيدُ، وبَناهُ.
_________________
(١) معجم البلدان ١: ١٣٣.
(٢) ما نقله ياقوت عن ابن الفقيه يقع ضمن الضائع من كتاب البلدان.
(٣) النقل متتابع من ياقوت وهو في فتوح البلدان ٢٣٠، باختلاف قليل، وهو النص الوحيد الذي نقله ابن العديم عن البلاذري بوساطة، مع وجود أصل البلاذري بين يديه.
(٤) فتوح البلدان ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ثُمَّ لمَّا كانت سنَةُ أربعٍ وتِسْعِين ومائة بَني أبو سُلَيْم فَرَج الخَادِم أذَنَة، فأحْكمَ بناءَها وحَصَّنها، ونَدَبَ إليها رِجَالًا من أهل خُرَاسَانَ وغيرهم على زِيَادةٍ في العَطاءِ، وذلكَ بأمْرِ مُحَمَّد بن الرَّشِيدِ، ورَمَّ قَصْر سَيْحَان، وكان الرَّشِيدُ، رَحْمةُ الله عليه، تُوُفِّي سَنَة ثلاثٍ وتِسْعِين ومائَة، وعَامِلُهُ على أعْشَارِ الثُّغُور أبو سُلَيْم، فأقَرَّهُ مُحَمَّد، وأبو سُلَيْم هذا هو صَاحب الدَّار بأَنْطاكِيَة.
قُلتُ: وهذا أبو سُلَيْم قَدِمَ الثُّغُور في أيَّام المَهْدِيِّ هو وغيره من الخَدَم، وسكنُوهَا رَغْبَةً في الجِهادِ، وكانوا من أوْلاد المُلُوك بخُرَاسَان، ولِخِصَائهم سَبَبٌ أنا ذاكرهُ، ونَقَلْتُهُ من خَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله الطَّرَسُوسيِّ قال: سَمِعْتُ أبا نَصْر مُحَمَّد بن أحمد بن الحَمَّال، قبل أنْ يُصِيبَهُ ما أصَابَهُ، يقول: سَمِعْتُ أبا حَفْص (a)، يقول: سَمِعتُ أبا حَفْصٍ عُمَر بن سُلَيمان الشَّرَابِيِّ (b)، يقول: سَمِعْتُ أبا العبَّاس بن المُعْتز باللهِ، يقول: ورَدَت الكُتُب من خُرَاسَان في أيَّام أبي جَعْفَر المنصُور: أنَّ قَوْمًا من أبناءَ وجُوهِ خُرَاسَان منَعُوا جانبَهم، وقُدِرَ عليهم، والْتُمِس إذْنُ المَنْصُور فيهم، فأَلْفى ورُود الكتابِ أبا جَعْفَر حَاجًّا، وتُوُفِّي في طريقهِ ذاكَ، واسْتُخلف المَهْدِيُّ، فعُرِضَ عليهِ الكتاب، فأمرَ بكَتْب الجَواب عَنْهُ، وأنْ يُحْصَى أولئكَ الأبناء فيُعمل في بابهم ما يَعُود بالصَّلَاح، فَسَقَط من
_________________
(١) (a) كذا في الأصل، ولعله تكرار، أو يكون وجده هكذا في كتاب الطرسوسي فنقله، إذ لم يرد فيمن يروي عن الشَّرابيّ من يكنى أبا حفص. (b) في الأصل: ابن الشرابي، والصواب المثبت حسبما يرد يما بعد في نقل آخر أثبته ابن العديم عن أبي عمرو الطرسوسي، فقد كان مولى للمعتز بالله وشرابيًا لابنه عبد الله، وترجم له ابن العديم - حسبما يذكر يما بعد - وسقطت ترجمته في الضائع من كتابه.
[ ١ / ٣٠٤ ]
قَلَم الكَاتِب على أعْلَى الحاءِ مِقْدَار النَّقْط، فَقُرِئَ بخُرَاسَان بالخاءَ مُعْجَمَة. فَخَصُوهُم خَدَمًا، أربعة آلاف، منهم: أبو سُلَيْم، والحُسَيْن صَاحب المَهْدِيّ، وأبو مَعْرُوف، وبشَّار.
ونَقَلْتُ من كتاب أبي زَيْد أحمد في سَهْلٍ البَلْخيّ، في كتاب صُوْرة الأرْض والمُدُن وما تَشْتَمل عليهِ (^١)، قال: وأَذَنَةُ مَدِينَةٌ خِصْبَةٌ عَامِرَةٌ، وهي مُنْعَطِفَةٌ (a) على نَهْر سَيْحَان في غَرْبي النَّهْر. وسَيْحَان هو دونَ جَيْحَان في الكِبَر، عليهِ قَنْطَرَةُ حِجَارَة عَجِيْبَة البناءَ طَويلة جدًّا، يخرج هذا النَّهْر من بلد الرُّوم أيضًا.
وقال أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح في كتابهِ (^٢): ومَدِينَة أَذَنَةَ بَناهَا أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد، واسْتَتَمَّها أَمِير المُؤمِنِين مُحَمَّد بن الرَّشِيد، وبها مَنازِلُ وُلَاةِ الثُّغُور في هذا الوَقْت لِسَعَتها، وهي على هذا النَّهْر الّذي يُقالُ لهُ سَيْحَان. وأهلها أخْلاطٌ من مَوَالِي الخُلَفَاء وغيرهم.
قُلتُ: وكان بأَذَنَة جَمَاعَة من الرُّؤَسَاء والعُلَمَاءِ والمحدِّثِيْن، سَنَذْكرهُم في الأسماءِ (^٣) إنْ شَاءَ اللهُ.
_________________
(١) (a) البلخي: منقطعة.
(٢) البلخي: صور الأقاليم ورقة ٢٤ ب.
(٣) لم يرد في كتاب البلدان لليعقوبي، ولا في تاريخه.
(٤) من المنسوبين لأذنة ممن بقيت تراجمهم في كتاب ابن العديم: أحمد بن محمَّد الأذنيّ (الجزء الثالث)، وإسحاق بن الجرَّاح الأذنيّ (الجزء الثالث)، وإسحاق بن عبد الله الأذنيّ، (الجزء الثالث)، وأبو سَعيد الأذنيّ (الجزء العاشر)، وأبو مُحَمَّد بن مضاء بن عبد الباقي الأزْديّ الأذني (الجزء العاشر).
[ ١ / ٣٠٥ ]