وتُعْرفُ بالحَدَث الحَمرَاءِ لِحُمْرة أَرضها، وهي مَدِينَة كَثِيْرة الماءِ والزَّرْع، وَحَولها أَنْهار كَثِيْرة، وخَرِبَ حِصْنُها وبقيت المَدِينَة، وساكنُوهَا في زَمننا هذا أرْمَن أهل ذِمَّةِ، وهي في أيْدي المُسْلِمين، وكان يَنْزلُ في مُروجها الأكْرَاد بأغْنامِهِم، وتُسَمِّيها الأرْمَن: كَيْنُوك، وتُسَمِّيها الأكْرَاد: الْهَتُّ، والعَرَب تُسَمِّيها: الحَدَث، وكانت تُسَمَّى قديمًا: المُحَمَّدِيَّة، والمَهْدِيَّة، لأنَّها بُنِيت في أيَّام المَهْدِيّ مُحمَّد بن المَنْصُور ﵀، وتحوَّل إليها أبو مُحمَّد عِيسَى بن يُونُس السَّبِيْعِيّ من الكُوفَة، فنَزَها مُرَابِطًا إلى أنْ مات، وبقي ولدهُ بها بعْدَه. والجَبَل المَعْرُوف بالأُحَيدِب من قبليّها مُطِلّ عليها، شاهدتُها ونزلْتُ في أرضها عندما تَوَجَّهتُ إلى الرُّوم.
وفتَحَها حَبِيْب بن مَسْلَمَة من قِبَل عِيَاض بن غَنْم.
_________________
(١) الحَدَث: تقع إلى الغرب من حصن منصور وشمالًا من مرعش، وهي من الثُّغُور الجَزَرِيَّة، كانت مَدِينَة صغيرة عامرة، عليها سور حصين، وكانت تسمى: الحمراء والمحمدية والمهدية، وتبعد عن أَنْطَاكِيَة ثلاثة أيَّام، وعن حصن منصور يوم، ويطل عليها جبل الأحيدب، وتشكَّك لسترنج في موضعها الحالي لكنه رجّح أن تكون بين مرعش والبستان على ضفاف نهر آق صو قرب أنكلي. انظر: ابن خياط: تاريخ ٤٣٩، ابن خرداذبة: المسالك ٩٧، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، اليعقوبي: تاريخ ٢: ٢٧٧، قدامة: الخراج ١١٥، ١٨٦، ٣٢٠، الأزدي: تاريخ الموصل ٢٥٣، الإصطخري: مسالك ٦٢ - ٦٣، ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٦٥، ١٨١، ١٨٧، ١٨٨، مجهول: حدود العالم ١٧٥، الإدريسي: نُزهة المشتاق ٢: ٦٥٢، ياقوت: مُعْجَمُ البُلْدَان ١: ١١٨، ٢: ٢٢٧، مارميخائيل: تاريخ ٢: ٤٢٤، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٣٩، أبو الفداء: تقويم البُلْدَان ٢٦٣، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦١ (وذكر الوطواط أن الرُّوم تسميها: كينول)، ابن الشحنة: الدر المنتخب، لسترنج: بلدان الخِلَافَة ١٥٤ - ١٥٥، طلاس: المعجم الجغرافي ٣: ٣٢.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وقَرَأتُ في كتاب البُلْدَان تأليف أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ (^١)، ممَّا رَوَاه عن شُيُوخ الشَّام، قالوا: كان حِصْن الحَدَث ممَّا فُتِحَ أيَّام عُمَر؛ فَتَحَهُ حَبِيْب بن مَسْلَمَة من قِبَل عِيَاض بن غَنْم، وكان مُعاوِيَة يَتَعهَّدُهُ بعد ذلك، وكان بنو أُمَيَّة يُسَمُّونَ دَرْب الحَدَث دَرْب السَّلامَة للطِّيرَة، لأنَّ المُسْلِمين كانُوا أُصِيبُوا به، فكان ذلك الحَدَث فيما يَقُول بعضُ النَّاس. قال: وقال قَومٌ: لَقَى المُسْلِمين على الدَّرْب غُلَامٌ حَدَثٌ، فقاتَلُهم في أصْحَابِه فقيل: دَرب الحَدَث.
قال (^٢): ولَمَّا كان زمن فِتْنَة مَرْوَان بن مُحمَّد، خَرَجَت الرُّوم فهَدَمت مَدِينَة الحَدَث، وأجْلَت عنها أهلها، كما فعلت بِمَلَطِيَّة (a). ثمّ لَمَّا كانت سَنَة إحْدَى وستِّين ومائة، خَرَجَ مِيْخَائِيْل إلى عَمْق مَرْعَش، ووَجَّه المَهْدِيُّ الحَسَنَ بن قَحْطَبَة، سَاح في بلاد الرُّوم، فثَقُلَت وَطْأتُه على أهلها حتَّى صَوَّرُوهُ في كَنَائِسهم، وكان دُخُوله من دَرْب الحَدَث، فنَظَرَ إلى مَوْضِع مَدِيْنتها فأُخْبِر أنَّ مِيْخَائِيْل أُخرج (b) منهُ، فارتادَ الحَسَن مَوضع مَدِينَةٍ (c) هناك، فلمَّا انْصَرف كَلَّمَ المَهْدِيّ في بنائها وبناء طَرَسُوس، فأمرَ بتَقديم بناء مَدِينَة الحَدَث، فأنْشَأهَا عليّ بن سُلَيمان بن عَليّ، وهو على الجَزِيرَة وقِنَّسْريْن وسُمِّيَت المُحَمَّدِيَّة، وتُوُفِّي المَهْدِيّ مع فَراغِهم من بنائها، فهي المَهْدِيّةُ والمُحَمَّدِيَّة، وكان بناؤُها باللَّبِن، وكانت وفاتُه سنَة تِسْعٍ وستِّين ومائة، واستُخْلِف مُوسَى الهَادِي ابْنُهُ، فعَزَل عليّ بن سُلَيمان، ووَلَّي الجَزِيرَة وقِنَّسْريْن مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عَليّ، وقد كان عليّ بن سُلَيمان فرغ من بناء مَدِينَة الحَدَث، وفَرَضَ مُحمَّد لها فَرْضًا من أهْل
_________________
(١) (a) ضبطها بكسر الطاء وتشديد المثناة التحتية، كما وجدها في أصول فتوح البُلْدَان، وتقدم التعليق عليه. (b) فتوح البُلْدَان: خَرَج. (c) فتوح البُلْدَان: مدينته.
(٢) فتوح البُلْدَان ٢٦٧.
(٣) فتوح البُلْدَان ٢٦٧ - ٢٦٨.
[ ١ / ٣٦٥ ]
الشَّام والجَزِيرَة وخُرَاسَان في أرْبَعين دِيْنَارًا من العَطَاءِ، وأقْطَعَهُم المسَاكن، وأعْطَى كُلَّ امرئٍ منهم ثلاثمائة دِرْهَم، وكان الفَراغُ منها في سَنَة تِسْعٍ وستِّين ومائة.
قال (^١): وقال أبو الخَطَّاب: فَرَضَ عليُّ بن سُلَيمان بمَدِينَة الحَدَث لأربَعة آلاف فأسكنهم إيَّاَها، ونقل إليها من مَلَطْيَة، وَشِمْشَاط (^٢)، وَسُمَيْسَاط، وكَيْسُوم، ودُلُوْك ورَعبَان ألفَي رَجُل.
قال الوَاقِدِيُّ (^٣): ولمَّا بُنِيَت مَدِينَة الحَدَث، هجَم الشِّتَاء والثُّلُوج، وكثُرت الأمطَار، ولم يكن بَناؤُهَا بِمُتَوثَّق (a) منه ولا مُحتاط فيه، فَتَثَلَّمَتِ المَدِينَة وتشَعَّثَت، ونَزَل بها الرُّوم، فتفرَّق عنها من كان فيها من جُنْدها وغيرهم، وبَلَغ الخَبرُ موسى، فقَطَع بَعثًا مع المُسَيَّب بن زُهَير، وبَعثًا مع رَوْح بن حَاتِم، وبَعْثًا مع حَمزة بن مالِكٍ، فماتَ قبل أن ينفذوا، ثمّ ولي الرَّشِيد، رَحِمَةُ اللهُ عليهِ، الخِلَافَة، فأمر ببِنَائها وتَحْصينها وشِحنتها، وإقطاع مُقاتِلَتِها المَسَاكن والقَطَائِعَ.
_________________
(١) (a) فتوح البُلْدَان: بمستوثق.
(٢) فتوح البُلْدَان: ٢٦٨.
(٣) شمشاط: مَدِينَة قديمة كبيرة، تقع إلى الشمال من كمخ في أقصى شمال غرب جند قِنِّسْريْن، وهي إحدى مدن الثُّغُور الجَزَرِيَّة، وقيل من أرمينية، تبعد عن حصن منصور يوم، وتقع على نهر أرسناس (مراد صو) القادم من قاليقالا رافد نهر الفرات. وفيها قلعة حصينة، ووقع في كثير من المصادر التصحيف في رسم اسمها مع سميساط الواقعة إلى الجنوب منها على نهر الفرات، وقد نبَّه ياقوت إلى هذا الخلط. انظر: الزوقنيني: تاريخ ١٤٣، ابن خرداذبة: المسالك ٩٧، اين رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٦، ابن الفقيه: البُلْدَان ٥٨٣، قدامة: الخراج ١٨٧، ٣٢٢، الإصطخري: مسالك ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨٧، أبو الفداء: تقويم البُلْدَان ٢٧٧، ياقوت: مُعْجَمُ البُلْدَان ٣: ٣٦٢، الحميري: الرَّوض المعطار ٣٤٥، لسترنج: بلدان الخِلَافَة ١٤٩، محمود شيث خطاب: بلاد الجَزِيرَة قبل الفتح وفي أيامه ٤٠.
(٤) النقل متتابع عن فتوح البُلْدَان ٢٦٨.
[ ١ / ٣٦٦ ]
قال (^١): وقال غَيرُ الوَاقِدِيّ: أناخَ بْطْرِيقٌ من عَظمَاء بَطَارقَة الرُّوم في جَمع كثيفٍ على مَدِينَة الحَدَث حتَّى بُنِيَت، وكان بناؤُهَا بِلَبنٍ قد حُمل بعضَها على بعضٍ، وأَضَرَّ (a) به الثُّلُوج، فهَرَب عَامِلُها ومَن فيها، ودَخَلها العَدُوُّ، فَحَرَّقَ مَسجِدَهَا وأخرَبَها، واحتَمل أمتِعَةَ أهلَها، فبَنَاها الرَّشِيدُ حين اسْتُخْلفَ.
قال (^٢): وحَدَّثَنِي بعضُ أهْل مَنْبج، قال: حَدَّثَنِي شيخٌ لنا أنَّ الرَّشِيد، رَحمةُ الله عليهِ، كَتبَ إلى مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بإقراره على عَملهِ، فجَرَى أمرُ مَدِينَة الحَدَث وعِمَارتها من قبل الرَّشِيد على يَده ثمّ عَزَلَهُ.
وقيل: إنَّ المَهْدِيّ بَنَى الحَدَث لمنامٍ رَآهُ.
أنْبَأْنَا عَبْد اللَّطِيف بن يُوسُف بن عليّ، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، عن أبي عبد الله الحُمَيديّ، قال: أَخْبَرَنَا غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسّن بن إبْرَاهِيم الصَّابِئ، قال: وذكَر الرَّئِيس أبو الحَسَن ﵁ - يعني والدَهُ هِلِّل بن المُحَسّن - في كتاب المَنَامات الَّذي صَنَّفه، قال: ذكَر أبو بَكْر بن دُقَّة، مَوْلَى بني هاشم، قال: لَمَّا عزم المَهْدِيُّ على الخُرُوج إلى قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، رَأى في مَنامِه كأنَّ آتيًا أتاه وقال له: إنَّك تَمْضي إلى مَدِينَة يُقالُ لها مَنْبِج، وهُناك شيخٌ كبيرٌ له ثمانون سنةً يُؤْذِّن في بَعْضِ المَسَاجِد، فادْعُ به واضرب رَقَبَتَهُ، وإذا خَرَجْتَ من هذه المَدِينَة، فسَتَرى آثار خُطُوط فابِنِ عَلَيها مَدِينَة وسَمِّهَا الحَدَث.
_________________
(١) (a) فتوح البُلْدَان: وأضَّرت.
(٢) فتوح البُلْدَان ٢٦٩.
(٣) فتوح البُلْدَان ٢٦٩.
[ ١ / ٣٦٧ ]
قال: فلمَّا وَصَل المَهْدِيّ إلى مَنْبج، وحَضَرهُ أهْلها، سَألهم وقال: هل عندكم شيخٌ كبيرٌ مُؤذِّنٌ؟ قالوا: نعم؛ عندنا شَيخ له مائةُ سَنَة وأربع سنين، يُؤذِّن منها ثَمانين سَنةً في بعض المَسَاجِد، فأمَرَ بإحْضَارِه، فلمَّا أُحْضر تقدّم بضَرْب رَقَبتهِ، فارْتاعَ الشَّيْخُ، وناشَدَهُ الله تعالى في أمْره، وأذْكَره بالله في دَفْعهِ عن دَمه، وعرَّفه كبَّر سنِّه وكثرة عيالهِ، فقال له: دَع هذا عَنْك، ولا بدَّ ممَّا أمرْتُ به فيك، ولكن إنْ صَدَقْتني عن أمْرك حَفِظتُك في مُخَلَّفيك، وإلَّا أسَأْتُ إليهم بَعْدك، فقال: أمَّا على ذاك فإنِّي منذ ثمانين سنةً أقول في أذاني: أجْحَدُ أنَّ مُحمَّدًا رسُول الله، فأمَرَ به وقُتِلَ.
قال ابن دُقَّة: وهذا الشَّيْخ جَدّ البُحْتُرِيّ الشَّاعِر.
قُلتُ: وجاءَ مَلِكُ الرُّوم الدَّمُسْتُق في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، ونَزلَ على حِصْن الحَدَث ليحصُره، وكان سَيْف الدَّوْلَة قد بناهُ وأحْكم بناءَهُ، فخرجَ سَيْفُ الدَّوْلَة، فتركَه ومَضَى، وجَرَت له وَقْعَة مع الرُّوم أيضًا، وقد خرج سيف الدولة لبناء الحَدَث، فواقَعهم وقتل منهم وأسَر، وكان أهل الحَدَث سَلَّمُوه بالأمان إلى الرُّوم قبل ذلك فخربُوه.
أخبرَنَا عبْد العَزِيْز بن محمُود بن الأخْضَر البغدادِيّ كتابةً، قال: أخبرَنَا الرئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن عليّ بن نَصْر بن سَعيد، قال: أخبرَنَا أبو البَرَكَات مُحمَّد بن عَبْد الله بن يَحْيَى، قال: أخبرَنَا عليّ بن أيُّوب بن الحُسَيْن، قال: أنْشَدنا أبو الطَّيِّب المُتَنَبي لنَفْسه يَمْدحُ سَيْف الدَّوْلَة، ويذْكُر بناءَهُ ثَغْر الحَدَث، بعد أنْ كان أهلُها أسْلَمُوهَا عن الأمَانِ إلى الرُّوم، ومُنَازلة ابن الفُقَّاس إيَّاه وهَزْمَهُ
[ ١ / ٣٦٨ ]
لابن الفُقَّاسِ، وكان أَسَرَ قُودس الأعْوَر بِطْرِيق سَمَنْدُو (^١) وابن ابنَةِ الدُّمُسْتُق، وأنشَدَهُ إيَّاها بعد الوَقْعَة في الحَدَث (^٢): [الطّويل]
على قَدْر أهل العَزْم تأتي العَزائمُ … وتأتي على قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
وتعظُمُ في عَيْن الصَّغير صِغَارُها … وتَصْغُرُ في عَيْن العَظِيم العَظائمُ
يُكلِّفُ سيفُ الدَّولةَ الجيْشَ همَّهُ … وقد عجزَتْ عنه الجُيُوشُ الخضَارِمُ
قال فيها (^٣):
هَلْ الحدَثُ الحَمْرَاءُ تعرِفُ لونَها … وتَعْلَم أيُّ السَّاقِيَين الغَمائمُ
سَقَتْها الغَمامُ الغُرُّ قَبْل نُزُوله … فلمّا دَنا منها سَقَتْها الجَماجِمُ
بَناهَا فأَعْلى والقَنا يقرَعُ القَنا … ومَوْجُ المنَايا حَوْلها مُتلَاطِمُ
وكان بها مثل الجُنُونِ فأصبَحَتْ … ومن جُثَثِ القَتْلَى عليها تَمائمُ
طَريدَةُ دَهْرٍ سَاقَها فرَدَدْتَها … على الدِّين بالخَطِّيِّ والدَّهرُ رَاغِمُ
وكيفَ يَرْجَى الرُّومُ والرُّوُس هَدْمَها … وذا الطَّعَنُ أسَاسٌ لها ودعائمُ
وقد حاكمُوهَا والمنَايا حَوَاكمٌ … فما ماتَ مَظْلُومٌ ولا عاشَ ظالِمُ
نَثَرْتَهُمُ فَوْقَ الأُحَيْدِب كُلِّهِ (a) … كما نُثرتْ فَوْق العَرُوس الدَّرَاهمُ
وفي ذلك يقول أبو فراس (^٤): [من الطّويل]
وحَسْبي بها يَوْمَ الأُحَيْدِبِ وَقْعَةً … على مِثْلها في الحَرْب (b) تُثْنى الخنَاصِرُ
عَدَلنا بها في قِسْمَة المَوْتِ بينَهُم … وللسَّيْف حُكْمٌ في الكَتِيْبَة جَائِرُ
_________________
(١) (a) الديوان: نثرة. (b) الديوان: العز.
(٢) سمندو: بلدة في وسط بلاد الرُّوم، تقع بين موضع يسمى الرمانة ومرج قيسارية. المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٠، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٣: ٢٥٣.
(٣) ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح العكبري ٣: ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٤) الديوان ٣: ٣٨٠ - ٣٨٨.
(٥) ديوان أبي فراس الحمداني ١١٥ - ١١٦.
[ ١ / ٣٦٩ ]
إذ الشَّيْخُ لا يَلْوِي ونَقَفُورُ مُجْحِرٌ … وفي القِدِّ (a) ألْفٌ كاللُّيُوثِ قَسَاوِرُ
ولَم يَبْقَ إِلَّا صِهْرُهُ وابنُ بِنْتِهِ … وثُوّرَ بالبَاقِين مَنْ هوَ ثَائرُ
وأنبَأنَا عَبْد العَزِيْز بن الأخْضَر، قال: أخبرَنَا أبو الحَسَن، قال: أخبرَنَا أبو البَرَكَات، قال: أخبرَنَا عليّ بن أيُّوب، قال: أنشَدَنا أبو الطَّيِّب المتنَبِّي لنَفْسه يمدَحُ سَيْف الدَّوْلَة، وقد ورَدَ عليه خبَرٌ آخر سَاعة نَهار يوم الثّلاثَاء لستٍّ خَلَوْنَ من جُمَادَى الأُوْلَى سنة أربعٍ وأربعين وثَلاثِمائة، أنَّ الدُّمُسْتُق وجُيُوشَ النَّصْرانيَّة قد نازلَتْ ثَغْر الحَدَث ونصَبَت مَكائد الحُصُون عليهِ، وقَدَّرت أنَّها فُرْصَةٌ فيه لِمَا تَدَاخلها من القَلَقِ والانْزعاج والوَصْم في تَمام بنائِه على يَد سَيْف الدَّوْلَة، ولأنَّ مَلكهم ألزمَهُم قصدَهَا، وأنجدَهُم بأصْنَافِ الكُفْر من البُلْغُر والرُّوس والصَّقْلَب وغيرهم، وأنقَذَ معهم العُدَدَ.
فرَكِبَ سيْفُ الدَّوْلَة لوَقْته نافِرًا، وانتَقَل إلى موضعٍ غير المَوْضِع الّذي كان به، ونَظَر فيما وَجَب أنْ ينظُرَ فيه في ليلَته، وسار عن حَلَب غَدَاةَ يوم الأرْبَعاءِ لسَبْعٍ خَلَوْنَ، فنَزَل رَعْبَان، وأخْبارُ الحَدَث مُسْتَعْجِمةٌ عليهِ، لضَبْطهم الطُّرُقَ، وتَقدِيرهم أنْ يَخْفَى عليه خَبَرهُم.
فلمَّا أسْحَر، لبسَ سِلاحَهُ، وأمر أصْحَابَهُ بمثل ذلك، وسَار زَحْفًا، فلمَّا قَرُبَ من الحَدَث، عَادَت إليهِ الطَّلَائِعُ بأنَّ عَدُوَّ اللهِ لَمَّا أشرفَتْ عليه خُيُول المُسلِمِين على عَقَبةٍ يُقالُ لها العِبْرانيّ، رحَل ولم تَسْتَقِرَّ بهِ دار، وامْتَنع أهْل الحَدَث من البِدَار بالخَبَر خَوْفًا من كَمِين يَعْتَرض الرُّسُل، فنَزَل سَيْف الدَّوْلَة بِظَاهِرها، وذكَر خليفَتُه بها أنَّهم نازلُوه وحاصَرُوه، فلم يُخْلِه اللهُ من نَصْر عليهم إِلَّا في نُقُوبٍ نقبُوْهَا في فصِيْل كان قديمًا للمَدِينَة، وأَتَتْهُم طَلائِعُهم بخَبْر سَيْف الدَّوْلَة في إشْرافهِ على حِصْن رَعْبَان، فوَقَعَت الصَّيْحَةُ وظهَرَ الاضْطرابُ، ووَلَّي كُلّ فريقٍ على وجْههِ،
_________________
(١) (a) الديوان: القيد.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وخرَجَ أهْلُ الحَدَث، فأوقَعُوا ببَعْضهم، وأخَذُوا آلة حَرْبهم، فأعَدُّوْهَا في حِصْنهم، فقال أبو الطَّيِّب في ذلك (^١):
ذي المَعَالِي فليَعْلُونَ من تَعالَى … هكَذا هَكَذا وإلَّا فلا، لا
شَرَفٌ ينطَحُ النُّجُومَ برَوْقيهِ … وعِزُّ يُقَلْقلُ الأجْبَالا
حالُ أعْدَائنا عظيمٌ وسيْفُ الـ … ـدَّولة ابنُ السُّيوف أعظَمُ حَالَا
لا ألُومُ ابنَ لَاوُن مَلِكَ الرُّو … م وإنْ كانَ ما تَمنَّى مُحَالَا
أَقْلَقَتْهُ بَنِيّةٌ بينَ أُذْنَيهِ … وبانٍ بَغَي السَّماءَ فَنَالَا
كلَّما رَامَ حَطَّها اتَّسَعَ البَنْي … فغَطَّى جَبِيْنَهُ والقَذَالَا
يَجْمَعُ الرُّومَ والصَّقَالبَ والبُلْـ … ـغُرَ فيها وتَجْمَعُ الآجَالَا
ويُوافيهمُ (a) بها في القَنا السُّمْر … كما وَافَتِ العِطَاشُ الصِّلالَا
قَصَدُوا هدْمَ سُورِهَا فبَنَوْهُ … وأتَى كي يُقَصِّرُوهُ فَطَالَا
قال فيها (^٢):
إنَّ دونَ التي على الدَّرْب والأحْـ … ـدَبِ والنَّهْرِ مِخْلَطًا مِزْيَالا
المخْلَط المزْيَالُ: هو الكثير المُخالطة للأُمور والمُزَايلة لها.
غَصَب الدَّهْرَ والمُلُوك عليها … فبَناها في وجْنَةِ الدَّهْرِ خالا
وحَماهَا بكُلِّ مطَّرِدِ الأ … كعُبِ جَوْرَ الزَّمانِ والأوْجَالَا
فَهِي تَمْشِى مَشْيَ العَرُوس اخْتِيالًا … وتَثَنّى على الزَّمان دَلَالَا
_________________
(١) (a) الديوان: وتوافيهم.
(٢) ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح العكبري ٣: ١٣٤ - ١٣٨.
(٣) الديوان ٣: ١٤٥ - ١٤٦.
[ ١ / ٣٧١ ]