ويُقالُ لها: الكَنِيْسَة المحتَرِقة: أيضًا.
وهي مَدِينَةٌ قَدِيْمَة، مَبْنِيَّة بالحَجَر الأَسْوَد من بناءَ الرُّوم، وأغارَت الرُّوم عليها وأحْرقتها، فقيل لها: الكَنِيْسَة المُحْتَرِقة، وحالُها في الخَرَاب والعِمَارَة حالِ بَقِيَّةِ مُدُن الثُّغُور.
وقال أبو زَيْدِ البَلْخِيّ في كتابهِ (^٢): والكَنِيْسَة حِصْنٌ فيه مِنْبَرٌ، وهو ثَغْرٌ في مَعْزِل من شَاطِئ الَبَحْر.
وقال أحْمَد بن الطَّيّب السَّرْخَسِيّ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك: ومن عَوَادِل الثُّغُور الشَّاميّة (^٣): الهَارُوْنيَّة، كَنِيْسَة السَّوداءِ، تلّ جُبَيْر.
_________________
(١) الكنيسة السوداء: وهي مدينة من الثغور الشامية، وتقع قريبًا من حصن الهارونية، وهي رومية قديمة، سميت بذلك لأنها مبنية من الحجارة السوداء، ويقال لها أيضًا الكنيسة المحترقة، لأن الروم أغارت عليها وأحرقها، وفيها منبر (أي أنها مدينة)، وهي ثغر بعيد عن ساحل البحر، وموضعها اليوم غير معروف على وجه التحديد، لكنها - مثل الهارونية - في الجبال بين مرعش وعين زربة. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ١٠٠، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، قدامة: الخراج ١٨٦، ٣١١ الإصطخري: مسالك ٦٣، ٦٨، ابن حوقل: صورة الأرض ١٦٥، ١٨٢، مجهول: حدود العالم ١٧٥ (وسماها "كنيس"، مدينة صغيرة في سفح جبل)، ياقوت: معجم البلدان ٤: ٤٨٥، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٣٦، الحميري: الرَّوض المعطار ٥٦، لسترنج: بلدان الخلافة ١٦١ - ١٦٢.
(٢) البلخي: صور الأقاليم ٢٤ ب، وفي: حُصين الكنيسة.
(٣) يرد مصطلح العوادل أو الطرق العادلة في بعض المصادر الجغرافية دون بيان لمدلوله؛ وإضافة لكلام السرخسي أعلاه يذكر ابن خرداذبة عند الحديث على السكك والطرق أربعة مواضع سماها عوادل الثغور الشامية، وهي: "عين زربة والهارونية والكنيسة السوداء وتل جبير"، وهد عند قدامة أيضًا" "سكك الطريق العادلة من منبج إلى الثغور الشامية، من حلب إلى قنسرين تسع سكك، ومن قنسرين إلى انطاكية أربع سكك، ومن أنطاكية إلى الإسكندرونة أربع سكك، ومن الإسكندرونة إلى المصيصة سبع سكك، ومن المصيصة إلى أذنة ثلاث سكك، ومن أذنة إلى طرسوس خمس سكك، ومن المصيصة إلى عين زربة سكّتان". وعرّف الخوارزمي مصطلح عوادل الثغور لكنه زاده غموضًا، قال: "وعوادل الثغور: التى عدلت عنها". فإشارته تعني الثغور المنحرفة!. والعَدل عن الطريق: الانحراف عنه، وعدل عن الطريق عدولًا: رجع، وعدلَ الطريق نفسه: مال، ولعل مراد ابن خرداذبة وقدامة: تلك الطرق المنحرفة أو الثانوية، غير تلك الطرق الرئيسية. انظر، ابن خرداذبة: المسالك ١٠٠، الخوارزمي: مفاتيح العلوم ١٤٤، قدامة: الخراج ١٢٩، لسان العرب وتاج العروس، مادة: عدل.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وقال أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكاتب في كتابهِ، بعد ذِكْر المِصِّيْصَة وأَذَنَة وطَرَسُوس (^١): وللثُّغُور الشَّامِيَّة - غير هذه الثَّلاث المُدُن الّتي قد ذكرْناها -: مَدِينَةُ عَيْن زُرْبَةَ، والهَارُوْنِيَّة، والكَنِيْسَة المُحْترِقة. بَني عَيْن زُرْبَة أَمِيِر المُؤمِنِين ابن المنصُور وأتْقَنَهَا، وبَني الهَارُونِيَّةَ الرَّشِيدُ في أيَّام المَهْدِيِّ، وهو ولي عَهْدٍ، وبَنى الكَنِيْسَة المُحتَرِقة الرَّشِيدُ أيضًا.
ونَقَلْتُ من خَطِّ بَنُوْسَة، في كتاب البُلْدان للبَلاذُرِيّ (^٢)، ممَّا حَكَاهُ عن شُيُوخه من أهل الشَّام، قالوا: وكانت الكَنِيْسَة السَّوْدَاء من حِجَارَة سُوْد بناهَا الرُّوم على وَجْهِ الدَّهْر (a)، ولها حِصْنٌ قديم، أُخْرِبَ فيما أُخْرِب، فأمرَ الرَّشِيدُ ببناءِ مَدِينَة الكَنِيْسَة السَّوداءِ وتَحْصِيْنها، ونَدَبَ إليها المُقَاتِلَةَ في زِيَادةِ العَطَاءِ.
قال (^٣): وأخْبَرَني بعضُ أهْلِ الثَّغْر وعَزَّانُ (b) بن سَعْدٍ: أنَّ الرُّوم أغَارت عليها، والقَاسِم بن الرَّشِيد مقيم بدَابِق، فاسْتاقُوا مَواشِي أهْلِها، وأَسَرُوا عدَّةً منهم، فنَفَرَ إليهم أهْلُ المِصِّيْصَة وَمُطَّوِّعَتُها، فاسْتَنْقَذُوا جميعَ ما صَار إليهِم، وقتَلوا منهم بَشَرًا كَثِيرًا، ورجَعَ الباقونَ منكُوبين مَفْلُولينَ، فوَجَّه القَاسِم منْ حَصَّنَ المَدِينَة، وَرَمَّها، وزادَ في شِحْنَتها.
قلتُ: وهذه المَدِينَة هي الآن أيضًا في أيْدِي الأرْمَن، خَذَلَهُم اللهُ (c).
_________________
(١) (a) كتبها في الأصل: "الأرض"، ثم ضبب عليها. (b) هكذا مضبوطًا في الأصل، والذي في نشرة الفتوح: عَزُّون، وذكره البلاذري بهذا الرسم أيضًا في كتابه أنساب الأشراف ١/ ٣: ٢٧١ وسمى أباه: سعد بن نصر. (c) ترك المؤلِّف ثلثي الصفحة بعده بياضًا.
(٢) لم يرد في كتاب البلدان لليعقوبي ولا في تاريخه.
(٣) فتوح البلدان ٢٣٥.
(٤) فتوح البلدان ٢٣٥.
[ ١ / ٣٠٧ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ ثِقَتِي