وهي مَدِينَةٌ كانت في أوَّل الإسْلام عَامِرَة جدًّا، وهي أوَّل مُدُن جُنْد قِنَّسْرِيْن، وكان لها سُور من بناءِ الرُّوم، وكانت تُفَضَّلِ (b) علي قِنَّسْرِيْن في العِمَارة، وخَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلَمَاءِ والرُّؤَسَاء، وفي زَماننا خَرب سُورهَا، ولم يبقَ فيها من العُلَمَاءِ أحَدٌ ولا من الرُّؤَساء، ويُنْسَب أهلها إلى قِلَّة العُقُول.
والغَالِب على أهل البَلَد بنُو كِلَاب، وبَرِّيَّتها نَزلها قديمًا بنُو فَزَارَة.
_________________
(١) (a) يبدو أن النسخة التي ينقل عنها ابن العديم من كتاب ابن حوقل مباينة للنشرة الموجودة الآن، لاختلاف عباراتها - في أكثر من موضع - عما أورده المؤلِّف، وما وقع فيها من نقص، ولو تصرَّف ابن العديم فيها لقال: "ذِكْر ابن حوقل … " لا "قال"، إذ يرد هذا النص في كتاب ابن حوقل على النحو الآتي: "لأن الطَّرِيق انقطع في غير وقت من بَطْن الشَّام على التجار باعتراض السلطان عليهم وبما سرح الرُّوم بالشام في غير وقت فلجؤا إِلى طريق البادية لبوار السلطان واستيلاء الأعراب على الولاة وخفروا وساروا بالإدلاء". (b) كذا مشددًا في الأصل.
(٢) بالس: Balis كانت إحدى مدن العَوَاصِم من جُنْد قِنِسرين، وتقع في جهة الشرقية من الجند على شط الفرات الغربيّ، ومنها ينعطف الفرات شرقًا بعد جريانه إلى الجنوب، وهي أول مدن الشَّام من ناحية الحراق، بين الرقة وحلب، وتقع جنوب شرقي حَلَب على بعد ٩٠ كم، وتبعد عن مَنْبِج نحو ٨٠ كم في جهة الجنوب، وعن قَلْعَة دوسر (قَلْعَة جَعْبَر) خمسة فراسخ، وتسمَّى اليوم: مسكنة، ونتبع منطقة مَنْبِج بمحافظة حَلَب. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ٧٥، الإصطخري: مسالك ٦٢، ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨٠، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٤ - ١٥٦، ١٩٠، مجهول: حدود العالم ١٧٦، سهراب: عجائب الأقاليم ٢٥، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ١: ٣٢٨، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦٣، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٦٨ - ٢٦٩، موستراس: المعجم الجغرافي ١٦٩، لسترنج: بلدان الخِلَافَة ١٣٩، كامل الغزي: نَهْر الذَّهب ١: ٤٨٤ - ٤٨٥، طلاس: المعجم الجغرافي ٥: ٢٤٩، مَحْمُود شيث خطاب: بلاد الجَزِيرَة قبل الفتح وفي أيامه ٣٣ - ٣٤، ٩٩٥ - ٩٩٦ J.Sourdel - Thomine، El، Balis، I، Pp
[ ١ / ٢٥٢ ]
أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور بن مُحمَّد الدِّمَشْقِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن أبي مُحمَّد (^١)، أخْبَرنا أبو القَاسِم بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا عليّ بن مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنَا أبو حَاتِم البُسْتِيّ، قال: أوَّل الشَّام بَالِس.
وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ في كتابهِ (^٢): وأمَّا بَالِس فهي مَدِينَةٌ على شَطِّ الفُرَات، صَغِيرة، وهي أوَّل مُدُن الشَّام من العِرَاق إليها، عَامِرة (a)، وهي مَدِينَة فُرْضَةِ الفُرَات لأهْل الشَّام.
قُلتُ: وكانت الفُرَات تَلْصَق بسُورِ المَدِينَة، فَجَزَرَت عنها وبَعُدَت جدًّا حتَّى صَار بينهما بُعْدٌ، وفي زَماننا قد قَرُبَت منها.
وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان، لأحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، قال (^٣): وحَدَّثَني سُفْيان بن مُحمَّد البهرَانِيّ، عن أشْيَاخِهِ، قالوا: فتح عُبَادَة - والمُسلِمُونَ مَعَهُ - أنطَرسُوس وكان حِصْنًا، ثمّ جَلا عنه أهلُه، فبَنى مُعاوِيَةُ أنطَرسُوس، ومَصَّرها، وأقْطَعَ بها القَطَائِع، وكذلك فَعَل بمَرَقِيَّة (b) وبَالِس.
وقال البَلاذُرِيُّ (^٤)، فيما حَكَاهُ عن شُيُوخ الشَّام: قالوا: ثمّ سار أبو عُبَيْدَة - يعني بعد فَتْح دُلُوْك ورَعْبَان - حتَّى نَزَل عَرَاجِيْن، وقَدَّم مُقَدِّمتَهُ إلى بَالِس، وبعثَ جَيْشًا عليه حَبِيْب بن مَسْلَمَة إلى قَاصِرِين. وكانت بَالِس وقَاصِرِين
_________________
(١) (a) في الأصل: عَامِر. (b) مهملة في الأصل، وفوقها "صـ"، وفي "ك": بمدفنه، وفي نشرة الفتوح: "بَمَرقِيَّة"، وفي نسختين أخريين منه: "مزققه، ومزقية"، وفي كتاب الخراج لقدامة ٢٩٨: "مرقية وبلنياس [كذا] "، وذكرها ياقوت والضبط منه، قال: "قَلْعَة حصينة في سواصل حِمْصَ"، وذكر تجديد مُعَاوِيَة لها. مُعْجَمُ البلدان ٥: ١٠٩.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١: ١٩٦.
(٣) البَلْخِيّ: صور الأقاليم ورقة ٢٤ أ.
(٤) فتوح البلدان ١٨٢.
(٥) فتوح البلدان ٢٠٥.
[ ١ / ٢٥٣ ]
لأخوَيْن من أشراف الرُّوم أُقْطِعَا القُرَى الّتي بالقُرْبِ منهما، وجُعلا حافظَيْن لِمَا بينهما وبين مُدُن الرُّوم بالشَّام، فلمَّا نزل المُسلِمُون بهما صَالَحهُم أهْلها على الجِزْيَة أو الجَلاء، فجلَا أكثُرُهُم إلى بلادِ الرُّوم وأرْضِ الجَزِيرَة.
قالوا: ورَتَّب أبو عُبَيْدَة ببَالِس جَماعةً من المُقاتِلَة، وأسْكنها قَوْمًا من العَرَب الّذين كانُوا بالشَّام، فأسْلَمُوا بعد قدوم المُسْلِمِيْن الشَّام (a)، وقَوْمًا لم يكونُوا من البُعُوث؛ نَزَعُوا من البَوَادِي من قَيْس، وأسْكَن قَاصِرِين قَوْمًا ثمّ رفَضُوها وأعْقابَهُم (b).
ونَقَلْتُ من خَطِّ ابن كَوْجَك، في سِيْرَة المُعْتَضِد، تأليفُ سِنَان بن ثَابِت، وذَكَرَ سِنَان أنَّه نقلَهُ من خَطِّ أحْمَد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في مَسِير المُعْتَضِد لقتال خُمَارَوَيْه بن طُوْلُون في وَقْعَة الطَّوَاحِين، على ما ذكرناهُ في وَصْفه لمَدِينَة حَلَب (^١)، وذكَر أنَّه رَحَل من دَوْسَر (^٢) إلى بَالِس يوم السَّبت لتِسْع ليالٍ خَلَوْنَ منه - يَعْني من شَهْر ربيع الأوَّل من سَنَة إحْدَى وسَبْعِين - فنزلَ في الجانب الشَّرْقيّ، ثمّ عَبَرَ في يوم الأَحَد إلى الجانب الغَرْبيّ من الفُرَات، وهو جانب المَدِينَة، وهي مَدِينَة صَغِيْرةٌ، ولها قَلْعَةٌ ورَبَضٌ، عليها سُورٌ واحد، بعضُ بنائها على الفُرَاتِ وبعْضُهُ بينَهُ وبينَ الفُرَات رَقَّة.
_________________
(١) (a) في الأصل و"ك": من الشَّام! ولا وجه له. ولم ترد في نشرة الفتوح. (b) في الفتوح: أو أعقابهم.
(٢) انظره فيما تقدّم.
(٣) نسبةً لدوسر غلام النُّعْمَان بن المنذر، وتسمى أيضًا: قَلْعَة جَعْبَر، تقع في بادية الجَزِيرَة، وتتبع ناحية الجرنية بمحافظة الرقة، وهي إلى الجنوب الشرقي من بلدة الجرنية على بعد نحو ٥٠ كم. تاريخ الطبريّ ١٠: ٨١، رحلة التطيلي ٣٨٣، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٣: ٤٨٤، ابن شدّاد: الأعلاق الخطيرة ٣/ ١: ١١٠ - ١١٩، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦٠، طلاس: المعجم الجغرافي ٣: ٦٧٦ - ٦٧٧.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وذَكَرَ البَلاذُرِيُّ في كتابهِ، قال (^١): وكانت بَالِس والقُرَى المَنْسُوبة إليها حدّها الأعْلَى والأوْسَط والأسْفل أعْذَاء عُشْرِيَّة، فلمَّا كان مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، تَوَجَّه غَازِيًا للرُّوم من نحو الثُّغُور الجَزَرِيَّة، عَسْكَرَ ببَالِس، فأتاهُ أهلها وأهل تُوبلس (a) وقَاصِرِين وعَابِدِين وصِفِّيْن، وهي قُرَى مَنْسُوبة إليها، وأتاهُ أهل الحدّ الأعْلَى فسَألوه جميعًا أنْ يحفرَ لهم فَهْرًا من الفُرَات يَسْقِي أرْضهم على أنْ يَجْعَلُوا له الثُّلُثَ من غَلَّاتهم بَعْدَ عُشْر السُّلْطَان الّذي كان يأخُذه، فحفر النَّهْر المَعْروف بنَهْر مَسْلَمَة ووفَوا له بالشُّرُوط، ورَمَّ سُوْر المَدِينَة وأحْكَمه، ويُقال: بل كان ابْتداء العَرْض من مَسْلَمَة، وأنَّه دعَاهُم إلى هذه المُعاملَة.
فلمَّا مات مَسْلَمَة، صَارت بَالِس وقُرَاهَا لوَرَثَتِهِ، فلم تزل في أيْدِيهم إلى أنْ جاءَت الدَّوْلَةُ المُبارَكة، وقَبَض عَبْدُ اللّه بن عليّ أمْوَال بَنِي أمَيَّة، فدخَلَت فيها، فأقْطعها أَمِير المُؤمِنِين أبو العبَّاس سُلَيمان بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاس، فصَارت لابنهِ مُحمَّد بن سُلَيمان.
وكان جَعْفَر بن سُلَيمان، أَخُوه، يَسْعى به إلى أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد، ويَكْتب إليهِ فيُعْلمه أنَّه لا مال لهُ ولا ضَيْعة إلَّا وقد اخْتَانَ أضْعَاف قيمته، وأنْفَقه فيما يُرَشِّح لهُ نفسه، وعلى مَن اتَّخَذَ من الخَوَلِ، وأنّ أمْوَاله حِلٌّ طِلْقٌ لأَمِير المُؤمِنِين، وكان الرَّشِيدُ يأمُر بالاحْتِفاظِ بكُتبهِ، فلمَّا تُوُفِّي مُحمَّد بن سُلَيمان، أُخْرجت كُتُب جَعْفَر إليهِ واحْتُجَّ عليه بها، ولم يكن لمحمَّد أخ لأبيه وأُمِّهِ غيره، فأقرَّ بها، وصارَت أمْواله للرَّشِيد، فأقْطَع بَالِس وقُرَاها المأْمُون، فصَارَت لولده من بَعْده.
_________________
(١) (a) كذا في الأصل و"ك"، وفي فتوح البَلاذُرِيّ: نُويلس، وعند ياقوت (نقلًا عن البَلاذُرِيّ): بويلس. مُعْجَمُ البلدان ١: ٣٣٨، وقيدها ابن شدَّاد مع قاصرين وعابدين برسم: تلوسين. ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٧.
(٢) فتوح البلدان ٢٠٥ - ٢٠٦، وانظر شبيهه عند قدامة: الخراج ٣٠٥.
[ ١ / ٢٥٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوْفِيْقِي
قَرَأتُ في كتاب جَغرَافيَا لابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ (^١)، قال: بَالِس وهي مَدِينَةٌ على شَطِّ الفُرَات من غربيِّهِ، صَغِيرة، وهي أوَّل مُدُن الشَّام على الفُرَات (a)، فعَفَت آثارها ودرسَت قوافلُها وتجارُها بعدَ سَيْف الدَّوْلَة، وهي مَدِينَةٌ عليهِا سُورٌ أزَلِيٌّ، ولها بَساتِيْن فيما بينها وبين الفُرَاتِ، وأكْثر غلَّاتها القَمْحِ والشَّعِير، ومن مشْهُورِ أخْبارها أنَّ المَعْروفَ بسَيْفِ الدَّوْلَة عند انْصرافهِ عن لقائهِ صَاحب مصْر، وقد هَلكَ جميعُ ماله (b)، أنْفَذَ إليها المعروفَ بأبي حَصِين (c) القَاضِيّ، فقَبَض من تُجَّارٍ كانوا بها، تَوافَرت لهم الأوقاتُ، ولم يُطْلِق لهم النُّفُور (d) مع خَوْف نَالَهم، فأخْرجَهُم عن أحْمالِ بَزٍّ، وأطْواف زَيْتٍ إلى ما عَدَا ذلك من مَتَاجر الإسْلام في دفعتَيْن بينهما شُهُور قلائل وأيَّام يسيرة، ألف ألف دِيْنار.
ونقلتُ من كتاب البُلْدان، تأليفُ أحْمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب (^٢)، وذكَرَ بَالِس، وقال: وهي مَدِينَةٌ قَديْمةٌ على شَاطِئ الفُرَات في أصْلِ جَبَلٍ، ومنها تُحمل التِّجَاراتُ الَّتي تَرد من مِصْر وسائر أرْضِ الشَّام في السُّفُنِ إلى بَغْدَاد.
وخَرَاجُ بَالِس إلى عَامِل ديار مُضَر، وحَرْبُها وصَلَاتُها إلى عَاِمل جُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم. وأهْلُها أخْلَاطٌ من العَرَب والعَجَم.
_________________
(١) (a) سبقت الإشارة قبل قليل إلى سوء النسخة التي كانت بين يدي ابن العديم، واختلاف عبارتها، ويؤكد ذلك ما وقع من نقص فيها هنا، بانتقال نظر الناسخ سببه تكرار كلمة الشَّام، ونصّ ابن حرقل: "وهي أول مدن الشَّام [من العراق، وكان الطَّرِيق إليها عامرًا، ومنها إلى مصر وغيرها سابل، وكانت فرضة لأهل الشَّام] على الفرات .. ". (b) صورة الأرض: جنده. (c) كذا ضبطه بالفتح، وهو عبد الله بن المحسِّن بن عَبْد اللهِ، يأتي ذكره آخر الجزء عند الكلام على قَبَائِل الجند، وضَبْطه هناك على هذا الوجه أيضًا. وله تَرْجَمَة - حسبما ذِكْر المؤلِّف ذلك في الكنى - وهي ضمن الضائع من الكتاب. (d) صورة الأرض: النفوذ.
(٢) صورة الأرض ١٨٠.
(٣) من الضائع من كتاب ابن واضح اليعقوبي.
[ ١ / ٢٥٦ ]