هي قَلْعَة مَذْكُورَة حَصِيْنَة، وكان الطَّريق إلى الثُّغُور للغَزَاةِ عليها، وكان المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أيُّوب قد اسْتَنْقَذَهَا من أيدي الكُفَّار في ثاني شَعْبان من شُهُور سَنَة أرْبَع وثَمانين وخَمْسِمائَة، فخرَّب قلْعهَا. فجاءَ الفِرِنْج الدِّيْوِيَّة (^٢) وعَمَروها واسْتَولوا عليها وهي الآن في أيْدِيهم.
_________________
(١) بغراس Bekrass: حصن يقع إلى الشمال من أنطاكية في لحف جبال الأمانوس (اللكام) لا يزال قائمًا إلى اليوم، ويبعد عن أنطاكية ٣٨ كم، ومثلها بينه وبين إسكندرونة، ويقع جنوب دربساك في الجبل المطل على عمق حارم، وحارم إلى جهة الشرق منه، وهو على طريق الثغور، يتقي لأن يكون مدينة لأنه كان فيه منبر، وهى اليوم مدينة تركية في لواء بيلان. انظر: الإصطخري: مسالك ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨٤، مجهول: حدود العالم ١٧٦، ١٨٧، البكري: معجم ما استعجم ١: ٣٠٠، الإدريسي: نُزهة المشتاق ٢: ٦٥٢، ياقوت: معجم البلدان ١: ٤٦٧، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٩٨، أبو الفداء: تقويم البلدان ٣٥٩، العيني: عقد الجمان ٢: ١٠٤، موستراس: المعجم الجغرافي ١٦٦، كامل الغزي: نهر الذهب ١: ٤٦٠ - ٤٦١، طلاس: المعجم الجغرافي ٢: ٣٤٠، CL. Cahen، EI ٢، Baghras، I، Pp ٩٠٩ - ٩١٠
(٢) الدّيوية، أو الدَّاوية: جماعة فرسان المعبد، أو فرسان الهيكل، هيئة تأسست إبان الحروب الصليبية في سنة ٥١٣ هـ / ١١١٩ م بدأت كمنظمة خيرية دينية بهدف إيواء الحجاج المسيحيين ومدواتهم وتأمين الحماية لهم، ثم تحولت إلى منظمة عسكرية لها مساهمة فاعلة في الحروب التي وقعت، واشتهر فرسان الداوية ببسالتهم في الحروب. انظر: الإسبان وفرسان القديس يوحنا لعمر محمد الباروني (طرابلس، ١٩٥٢ م)، ٧٥ وما بعدها.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقريبٌ منها حِصْن الدَّربسَاك (^١)، فتَحَهُ المَلِكُ النَّاصِر أيضًا [في ثامن شَهْر رَجَب من السَّنَة المَذْكُورَة] (a)، وهو في أيْدِي المُسْلِمِيْن اليوم.
وقَرَأتُ في كتاب أبي زَيْد أحْمَد بن سهل البَلْخِيّ، في صِفَة الأرْض والمُدُن وما تَشْتملُ عليهِ (^٢)، قال: وبَغْرَاس على طَرِيق الثُّغُور، وبها دارُ ضِيَافَة لزُبَيْدَة، وليس بالشَّام دار ضِيَافَة غيرها.
وذكَرَ أحمدُ بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ، في كتاب البُلْدان وفُتُوحها وأحْكامها، ونَقَلْتُه من خَطِّ بَنُوْسَةَ، وحَكَاهُ البَلاذُرِيّ (^٣) عمَّن حَدَّثه من أهْلِ الشَّام، قالوا: وكانت أرْض بَغْرَاس لمَسْلَمَة بن عَبْدِ المَلِك فوقَفَها في سُبُل البِرِّ، وكانت عَيْنُ السِّلَّوْر وبُحَيرتُها له أيضًا.
قُلتُ: يُريد بعَيْن السِّلَّوْر وبُحَيرتها: بُحَيرَة يَغْرَا من عَمَل حَارِم، وناحية العَمْق.
وقال البَلاذُرِيّ (^٤): وحَدَّثَني بعضُ أهْلِ أَنْطاكِيَة وبَغْرَاس أنَّ مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك لمَّا غَزَا عَمُّورِيَّة، حَمَل معه نساءَهُ، وحَمل ناسٌ ممَّن معَهُم نسَاءَهُم، وكانت بنو أُمَيَّة تَفْعَل ذلك إرادَةَ الجَدِّ في القِتَالِ للغَيْرة (b)، فلمَّا صَار في عَقَبَةِ
_________________
(١) (a) ما بين الحاصرتين مكتوب بهامش الأصل بمخرج إلى ناحية اليسار، ولعله من قلم متملك النسخة ابن السابق الحموي. (b) فتوح البلدان: للغيرة على الحرم.
(٢) دربساك: تقع إلى الجنوب من قورس، وإلى الشمال من بغراس على بعد نحو مرحلة منها، بقرب أنطاكية، وتبعد عن بلدة قرق خان مسافة ٣ كم بقرب ممر بيلان، وهي قلعة مرتفعة، ولها مسجد جامع ومنبر، وفي شرقيها مروج واسعة، يخترقها نهر الأسود. انظر: ياقوت: معجم البلدان ٢: ٥٠٠ (وسماها: دير بساك)، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٩٩ (وسماها: درب ساك)، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٦١، طلاس: المعجم الجغرافي ٣١٨:٣.
(٣) البلخي: صور الأقاليم ورقة ٢٥ أ.
(٤) فتوح البلدان ٢٠٢.
(٥) فتوح البلدان ٢٢٩.
[ ١ / ٢٨٤ ]
بَغْرَاس، عند الطَّريق المُستَدّقَّة الّتي تُشْرفُ على الوَادِي، سقَط مَحْمَلٌ فيه امرأةٌ إلى الحَضِيضِ، فأمَر مَسْلَمَةُ أنْ تمشي سائرُ النِّسَاء، فمشَيْنَ، فسُمِّيت تلكَ العَقَبَةُ عَقَبَة النِّسَاءِ.
قال (^١): وقد كان المُعْتَصِم بالله صَلواتُ اللهِ عليهِ بَنَي على حَدِّ تلكَ الطَّريق حائطًا قصيرًا من حِجَارَة.
قال البَلاذُرِيّ (^٢): وقد اخْتلَفُوا في أوَّل مَن قَطَع الدَّرْب، وهو دَرْبُ بَغْرَاس، فقال بعضُهم لبَعْضٍ: قَطَعَهُ مَيْسَرةُ بن مَسْرُوق العَبْسِيّ؛ وجَّهَهُ أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح فلَقِيَ جَمْعًا للرُّوْم ومعَهُم مُسْتَعْربَةٌ من غَسَّان وتَنُوخ وإيَاد؛ يُريدُوْنَ اللَّحاق بهِرَقْل، فأوْقَعَ بهم، وقَتَل منهم مَقْتلةً عَظِيمَة، ثمّ لَحِقَ به الأشْتَر النَّخَعِيّ مَدَدًا من قِبَلِ أبي عُبَيْدَة وهو بأَنْطاكِيَة.
وقال بعضُهم: أوَّل مَن قَطَع الدَّرْب عُمَيْر بن سَعْد الأنْصاريّ حين توجَّه في أثر جَبَلَة بن الأيْهَم.
وقال أبو الخَطَّاب الأزْدِيّ (^٣): إنَّ أبا عُبَيْدَة نفْسَه غَزَا الصَّائِفَة فمرَّ بالمِصِّيْصَة وطَرَسُوس، وقد جَلَا أهلُهَا وأهْلُ الحُصُون الّتي تليها، فأدْرَبَ وبلغَ في غَزاته زَنْدَة (a).
وقال غيره: إنَّما وجَّه مَيْسَرة بن مَسْرُوق فبلَغَ زَنْدَة.
_________________
(١) (a) رسمها مهملة الأول في الأصل: رندة، وتتكرر كذلك فيما بعد أيضًا، والصواب: بالزاي المعجمة: زَنْدَة، وهو المثبت عند البلاذري وياقوت: معجم البلدان ٣: ١٥٤.
(٢) النقل متتابع عن الفتوح ٢٢٩.
(٣) فتوح البلدان ٢٢٤.
(٤) البلاذري: فتوح البلدان (مصدر النقل) ٢٢٥.
[ ١ / ٢٨٥ ]