حَمَاةُ بَلْدَةٌ حَسَنَةٌ، نَضِرَةٌ، حُلَوةٌ، خَضِرةٌ، أطاعَ حُسْنها العَاصِي، واسْتحلاها الدَّانِيّ والقَاصِيّ، طَيِّبَة الفَواكِه والثِّمَار، وأهلُهَا خِيَرَةٌ أبْرَار، وهي مَدِينتان والقَلْعَة بينهُمَا، وعلى كُلِّ مَدِينَة منهما سُور، وفيها سُوْق، والمَدِينَة الغَرْبيَّة تُعْرفُ بِسُوق الأعْلَى، والمَدِينَة الشَّرْقيَّة تُعْرَفُ بسُوْق الأسْفَل، ولكُلِّ
_________________
(١) (a) كذا في الأصل، ومثله عند البلخي، وحقُّه التثنية.
(٢) الذي ذكره الجوهري في الصحاح ٣: ٦٩٦ أنه بلد، ولم يزد.
(٣) البلخي: صور الأقاليم ورقة ٢٤ أ، وقد عدَّهما من جند حمص.
(٤) حماة: مدينة قديمة من مدن الشام، وهى اليوم إحدى مدن سوريا الرئيسية، ومركز محافظة كبيرة، تبعد عن مدينة حمص مسافة ٤٥ كم، ونهر العاصي يمر بها من شرقيها وشماليها، ولها قلعة حسنة البناء مرتفعة، وفي داخلها الأرحية على الماء وبها نواعير على العاصي تسقى أكثر بساتينها. المسالك والممالك لابن خرداذبة ٧٥، البلدان لليعقوبي ٣٢٤، صورة الأرض لابن حوقل ١٧٧، معجم ما استعجم ٢: ٤٦٦، معجم البلدان ٢: ٣٠٠، تقويم البلدان ٢٦٢، خريدة العجائب لابن الوردي ٤٢، الروض المعطار ١٩٩، المجم الجغرافي للقطر العربي السوري ٣: ١٢٧، D. Sourdel، EI ٢ Hamat، III، Pp ١١٩ - ١٢١
[ ١ / ٢٨٠ ]
واحدةٍ منهُمَا مَسْجِدٌ جَامِعٌ تُقَام فيه الخُطْبَة. ونَهْرُ الأُرُنْط يحفُّ بِدُور المدينَتَين، ولم تكن قلعَتها بالحَصِيْنَة ولا المُخْتَارة، وخرَّبتها الزَّلْزَلَة سَنة اثْنتين وخمسين وخَمْسِمائَة، وكانت زَلْزَلَةً عَظِيمَةً هائلةً.
ولمَّا ملكَها تَقِيّ الدِّين عُمر ابن أخي السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر حَصَّنَها وقَوَّاهَا، وجاءَ بعدَهُ وَلدُهُ المَلِك المنصُور مُحمَّد بن عُمَر فجدَّدَ أسْوار القَلْعَة، وبناها وشَيَّدَهَا وعَلَّاهَا، فصَارت من أحْسَن القِلَاع وأبْهَاها، ويَغْلِبُ على أهْلها العِلْم والأدَب، وقد عدَّها البِشَارِيّ (^١) كما ذَكَرْناهُ (^٢) من مُدُن حَلَب.
وقَرأتُ بِخَطِّ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، في رِسَالة أبي المُظَفَّر الليثِيّ، قال: ومنها - يعني من كَفَرْ طَاب - إلى حَمَاة، وهي مَدِينَة نَزِهَةٌ بُنِيَت على النَّهْر المَعْرُوف بالعَاصِي، وربَّما قيل لهُ المَقْلُوب، وعلى حافتي النَّهْر دَوَاليب يُسمِّيها أهلها الحَنَّانَات، ومن جُمْلَتها الحنَّانَة المَعْروفُة بأم الحَسَن، ويُقالُ: إنَّ فلكها أربعونَ ذِرَاعًا.
وقد ذكَرَها امرؤ القَيْس مع شَيْزَر في شِعْره كما ذَكَرْنا (^٣)، وكذلك عُبَيْدُ الله بن قَيْس الرُّقَيَّات في قَوْله (^٤): [من الطويل]
قِفُوا بِيَ أنْظُر نَحْوَ قَوْمِي نَظْرةً … فَلَم يَقِفِ الحادِي بنا (a) وتَغَشْمَرَا
فَواحَزَنا إذ فارَقونا وَجاوَزُوا … سِوى قَوْمِهِم أَعْلى حَمَاةَ وشَيْزَرا
وقال أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب في ذِكْر حَمَاة (^٥): وهي مَدِينَة قَدِيْمَةٌ، وعلى نَهْرٍ يُقالُ لهُ الأُرُنْط، وأهل هذه المَدِينَة قوْم من يَمَنٍ، والأغْلَب عليهم بَهْرَاء وتَنُوخ.
_________________
(١) (a) الديوان: بها.
(٢) أحسن التقاسيم ١٥٤، وقد جعلها البشاري في موضع آخر من كتابه (ص ٥٤) ضمن مدن جند حمص.
(٣) في الفصول الأولى الضائعة من الكتاب.
(٤) في الصفحة قبلها،
(٥) ديوان عبيد الله الرقيات ١٤٠.
(٦) اليعقوبي: البلدان ٣٢٤.
[ ١ / ٢٨١ ]
وعدَّها ابنُ وَاضِح (^١) من عَمَل حِمْص، لكنَّ البِشَارِيّ (^٢) ذكَرها وشَيْزَر ورَفَنِيَّة من مُدُن حَلَب.
وذكَرَ أبو العَلاءِ المَعَرِّيّ (^٣) أنَّها من العَوَاصِم.
ورَفَنِيَّة (^٤): مَدِينَةٌ قَريبةٌ من حَمَاة، خَرِبَت ودَثِرَت.
وقيل: إنَّما سُمِّيت حَمَاة؛ لأنَّهُ نَزَل بها الحَمَانيّ بن كَنْعَان بن حَام.
أنشَدَني أبو الرَّبيع سُلَيمان بن بُنَيمان (a) بن أبي الجَيْش بن بُنَيمان الإرْبِلِيّ لنفسه: [من الوافر]
سَقي زمنًا برَبْع حَمَاةَ وَلّى … هزيمَ الوَدْق مُنهَلَّ الرّبابٍ
حَبِيٌّ يَسْتَطيرُ البَرْقُ فيهِ … كمَتْن السَّيْف سُلّ [من] (b) القرابِ
فكم سلَفَتْ لنا فيها ليَالٍ … سرقناهُنّ من عَصْر التَّصَابي
وكم صِدْنَا بها من ظَبي إنسٍ … رخيمِ الدَّلّ مُقتبلِ الشَّبابِ
_________________
(١) (a) مهملة الأول في الأصل وكذا في اسم أبي جدّه، ويرد ذكره فيما بعد على هذا الوجه - باستثناء مرّة واحدة كتبه باللام في الجزء العاشر - مع إشارة ابن العديم في بعض المواضع إلى أنه التقاه وأخذ عنه فيما رواه من أشعار مشافهة، وورد أيضًا: بليمان، بلام عوض النون عند ابن المستوفي: تاريخ إربل "نشرة بشار عواد" ٤٩٦، وابن الشعار في قلائد الجمان ٢: ٦٥، والذهبي في تاريخ الإسلام ١٥: ٥٧٠، والنجوم الزاهرة ٧: ٣٧٢، وشذرات الذهب ٧: ٦٩٠. والمثبت مع ضبطه من: اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٤: ٣٢١، ابن شاكر: فوات الوفيات ٢: ٥٧، الوافي بالوفيات ١٥: ٣٥٦، الزركشي: عقود الجمان ورقة ١٣٣ أ، السلوك للمقريزي ١/ ٣: ٧٣٨، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٣١٠. (b) كلمة أخفاها التصوير.
(٢) البلدن ٣٢٤.
(٣) أحسن التقاسيم ١٥٤، لكن البشاري عدها في موضع آخر من كتابه (٥٤) من جند حمص.
(٤) لم أقف عليه في المتاح من مؤلفات أبي العلاء المعريّ.
(٥) رفنية: خربة أثرية تقع بالقرب من بلدة بعرين (بارين) بالقرب من حماة، وذكرها ياقوت: كورة ومدينة من أعمال حمص يقال لها: رفنية تدمر، وقيل: بلدة عند طرابلس من سواحل الشام. ابن خرداذبة: المسالك ٧٦، ياقوت: معجم البلدان ٣: ٥٥، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٥٨، ابن سباهي زاده: أوضح المسالك ١٩٠.
[ ١ / ٢٨٢ ]
يُريك إذا بَدَا أنْوار وَجْهٍ … كشَمْسِ الأُفْق تُسْفر عن نِقَابِ
وعَاصيْها يُصفِّقُ حين تشدُو الـ … ــحَمائمُ فَوْق أغْصَانٍ رِطابِ
تَرى الأَنْهارَ منها في اصْطخابٍ … إذا الورقاءُ أبدَت في انْتحابِ
فكم من جَدْولٍ ينسابُ فيهِ … على الحَصْباءِ جَرْيًا كالحبُابِ
وبدرُ التَّمّ قد ألْقَى سَناهُ … عليه فهو فضِيُّ الإهَابِ
فلا تَعْدِل بعَاصيْها قُوَيْقًا … فأينَ الدّوحُ من تلك الهِضَابِ