وكانت بَلْدة صَغِيرَة، ولها حِصْنٌ، وبناؤه بالحَجَر الأَسْوَد الصَّلْد، وهي من كُورَة الأَحَصِّ وبلاد بَني أَسَد، وكان عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵁ قد تَدَيَّرها، وكان يُقِيم بها في أكْثر أوْقاته، وهي اليَوم قَرْية من قُرى الأَحَصّ، يَسْكُنها الفَلَّاحُون، وخَرِبَ حِصْنُها وأبْنيتها، ونُقِلَت حِجارَته.
وسُمِّيت باسْم بانيها: خُنَاصِرَة بن عَمْرو بن الحَارِث، وقِل: بناهَا أبو شَمِر بن جَبَلَة بن الحَارِث.
أنْبَأنَا أبو المُظَفَّر عَبْد الرَّحِيْم بن أبي سَعْد السَّمْعانيّ، عن أبيهِ أبي سَعْدٍ، قال (^٢): وخُنَاصِرَةُ بناهَا خُنَاصِرَةُ بن عَمْرو بن الحَارِث بن كَعْب بن الوغا (^٣) ابن عَمْرو بن عَبْد وُدّ بن عَوْف بن كِنَانَةَ الكَلْبِيّ. وقيل: الخُنَاصِرَة (a) بن عَمْرو، خَلِيفَة إبْرَاهِيْم الأَثْرَم صَاحب الفِيْل، خَلَفَهُ باليَمَن بصَنْعاء إذ سَار إلى كِسْرَى أَنَوشَرْوان، وبوم خُنَاصِرَة أجارُوا على العَجَم. وقيل: بناهَا أبو شَمِر بن جَبَلَة بن الحَارِث.
_________________
(١) (a) أنساب السمعاني: الخناصر.
(٢) خُناصرة: تقع شرقي حَلَب بميلة إلى الجنوب على بعد نحو ٧٠ كم، أو مسيرة يومين، وإلى الشمال الشرقي من مَدِينَة الرصافة، وهي تحاذي قِنِّسرين وعلى حدّها، تقع في طرف البرية من جُنْد قِنِّسرين، وكانت في عهدي أُمَيَّة مسكنًا لعمر بن عبد العزيز، وحصنها مبني بالحجر الأسود الصلد. وهي تسمى اليوم خناصر، ونتبع منطقة السفيرة بمحافظة حَلَب انظر: اليعقوبي: تاريخ ٢: ٢١٤، الإصطخري: مسالك ٦٢، ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٧٩، ١٨٧، الإسكندري: الأمكنة ١: ٤٦١، ابن سَعِيد، بسط الأرض ٨٦، ياقوت، مُعْجَمُ البلدان ٢: ٣٩٠، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦٢، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٣٢، كامل الغزي: نَهْر الذَّهب ١: ٤٢٣، طلاس: المعجم الجغرافي ٣: ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٣) السمعاني: الأنساب ٥: ٢٠٠ - ٢٠١.
(٤) هكذا في الأصل وأنساب السمعانيّ، ويريد في رواية تأتي بعده: كَعْب الوكاء.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ونَقَلتُ من كتاب البُلْدان، تأليفُ أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، قال (^١): حَدَّثَني العبَّاس بن هشَامٍ، عن أبيهِ، قال: خُنَاصِرةُ نُسِبَتْ إلى خُنَاصِر بن عَمْرو بن الحَارِث الكَلْبِيّ ثمّ الكِنَانِيّ.
وقَرَأتُ بِخَطِّ مُحَمّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ النَّسَّابَة، في كتاب الجَوْهَر المَكْنُون (^٢): خُنَاصِرَة فَخذٌ في عُذْرَهَ كَلْب، هُم ولَدُ خُنَاصِرَة بن عَمْرو؛ أحَد بَنِي عَبْد وُدّ بن عَوْف بن كِنَانَة بن عُذْرَة بن زَيْد اللَّات بن رُفَيْدَة بن ثَوْر بن كَلْب، وبهِ سُمِّيت خُنَاصِرَة.
وقَرَأتُ في جَمْهَرَة نَسَب اليَمَن (^٣)، ولا أعْلِمُ مؤلِّفه، في ذكْر كَعْب المَعْرُوفِ بالوَكَّاء بن عَمْرو بن عَبْد وُدّ بن عَوْف بِن كِنَانَة بن عَوْف بن عُذْرَة بن زَيْد اللَّات بن رُفَيْدَة بن زَيْد بن كَلْب بن وَبْرَة بن تَغْلِب بن حُلْوَان، قال: فمن بنَي الوَكَّاءِ بن عَمْروِ خُناصِر بن الحَارِث بن كَعْب الوَكَّاء؛ كانَ قد مَلَكَ الشَّامَ، وبهِ سُمِّيت خُنَاصِرَة.
_________________
(١) فتوح البلدان ٢٠٣.
(٢) تَمام العنوان في السلوك للمقريزي ١/ ١: ٥ وكشف الظنون لحاجي خليفة ١: ٦٢٠: "الجوهر المكنون في القَبَائِل والبُطُون"، وعَدّه حاجي خليفة "من الكتب الجامعة في الأنساب، أتقن صاحبه أصولها، وأورد فيه من الأنْساب ما ينتَفع به اللَّبيب، ويستغني بوجوده الكاتب الأريب"، نقل عنه المقريزي في السلوك ١/ ١: ٥، والكتاب الآن في حكم المفقود، نقل عنه ابن العديم في تَرْجَمَتِه للحسين بن عليّ المَعْرُوف بأميركا، وتَرْجَمَة الحُسَيْن بن عليّ الإسحاق (كلاهما في الجزء السادس)، وتَرْجَمَة ربيع بن عبد اللّه الحَمَوِيّ (الجزء الثامن). ومؤلِّفه هو: الشريف مُحَمّد بن أسعد بن عليّ الجواني المصري (ت ٥٨٨ هـ)، عالم نسابة، ولي نقابة الأشراف بمصر مدَّة، وله كتاب تاج الأنساب ومنهاج الصواب، وكتاب طبقات الطالبيين، وكتاب عنوانه: نُزهة القلب المعنى في نسب بَنِي مهنا، نقل عنه ابن العديم (في الجزء الخامس) وابن خلدون: العبر ٧: ٣٣٣، انظر تَرْجَمَة الجواني في: خريدة القصر ١٤: ١١٧ - ١١٩، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٢: ١٧٥ (في كلامه على قرية الجوانية)، الوافي بالوفيات ٢: ٢٠٢، لسان الميزان ٥: ٧٤ - ٧٦. وانظر شبيه كلام الجواني في نسبة المَدِينَة لخناصرة بن عَمْرو بن عبد ودّ بن عَوْف في عذرة عند ابن سلّام: كتاب النسب ورقة ٦١ أ.
(٣) لعلّه الكتاب الَّذي يذكره المؤلِّف فيما بعد باسم "جماهير أنساب اليمن وأسماء ملوكها"، كان قد اطَّلع عليه في القاهرة.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقال ابنُ الكَلْبِيّ (^١): بناهَا خُنَاصِرَة بن عمرو بن الحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو بن عَبْد وُدّ بن عوْف بن كِنَانَة، وكان مَلَك الشَّام.
وقال غيرهُ: عَمرها الخُناصِرُ بن عَمْرو خَلِيفَة الأَثْرَم صَاحب الفِيْل.
قال جِرَانُ العَوْدُ (^٢)؛ وجعَلَها خُنَاصِرَات: [من الوافر]
نَظَرْتُ (a) وصُحْبَتي بخُنَاصِرَاتٍ … ضُحَّيًا (b) بعْدَما متَعَ النَّهَارُ
إلى ظُعُنٍ لأُخْتِ بَنِي نُمَيْر (c) … بكابَة حيثُ زاحَمَها العفارُ
يَعْني: الرَّمْل.
وفي خُنَاصِرَة يقول عَدِيّ بن الرِّقَاع العَامِلِيّ، وقد نزلَ بها الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، ووَفَدَ عليهِ (^٣): [الكامل]
وإذا الرَّبِيْعُ تتابَعَتْ أنوَاؤُهُ … فَسَقَى خُنَاصِرَةَ الأَحَصِّ وزادَهَا (d)
نَزَلَ الوَلِيدُ بها فكانَ لأهْلِها … غَيْثًا أغَاثَ أنيسَها وبِلادَهَا
وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ (^٤) في جُنْد قِنَّسرين: والخُنَاصِرَة حِصْنٌ على شَفِير البَرِّيَّةِ، كان يَسْكُنُه عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز.
وقال ابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ في جَغْرَافيَا (^٥): خُنَاصِرَةُ، هي حِصْنٌ يُحَاذِي قِنَّسْرِيْن من (e) ناحيَةِ البَادِيَةِ، وهي على شَفِيرها وسِيْفها، وكان عُمَرِ بن عَبْد العَزِيْز يَسْكُن بها، وهي صَالِحة في قَدْرها، مغُوثة للمُجتازين عليها في وَقْتنا هذا؛ لأنَّ
_________________
(١) (a) الديوان: رأيت. (b) الديوان: بَنِي عفار. (c) الديوان: حمولًا. (d) الديوان: فجادها. (e) ابن حوقل: إلى.
(٢) لم يذكره في كتابيه في النسب: جمهرة النسب، ونسب معد واليمن الكبير.
(٣) ديوان جران العود ٨٦ - ٨٧.
(٤) ديوان عدي بن الرقاع ٩١.
(٥) البَلْخِيّ: صور الأقاليم ورقة ٢٤ أ.
(٦) صورة الأرض ١٧٩.
[ ١ / ٢٥١ ]
الطَّريق انْقَطع من بَطْن الشَّام بإتيان الرُّومِ عليهِ، وهَلاك مَرافقه، وبَوار وُلاته، واسْتيلاءَ الأعْرَاب عليهم بَعْد هلاك وُلاته، فلَجأ النَّاسُ إلى طَريق البَادِيةِ والبَرِّ بالأَدِلَّاءِ والخَفَارَة (a).