وهي من عَمَل حَلَب، واسمُها بالرُّومِيَّة: قَطَا ميْلا؛ ذكَرَ ذلك أحْمد بن الطَّيِّب السَّرخَسِيّ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك، وقال: ومن قَطا ميْلا إلى العُذَيْب أربعة وعشرون مِيْلًا.
وبناها هِشام بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، ولها سُور من الحَجَر، وفي داخلها مَصْنَع كبير لماء المَطَر يَشْربُ منهُ أهلُها، وهي قَوِيَّة مَنِيعَة؛ لأنَّها في بَرِّيَّةٍ، ولا ماء عندها إلَّا ماء المَصْنَع الّذي هو داخِل السُّور، وكان هِشَام قد اتَّخذها دار إقامته، ويَجْري بها خَيْل الحَلَبة، وتَفِدُ إليه الوُفود بها. وأهلُها مَيَاسِيْر وتغلب عليهم التِّجَارَة.
نَقَلْتُ من كتاب ربيع الآداب، في مَحَاسِن الأخْبار، وعُيُون الأشْعَار، تَصْنيف أبي أحْمد الحَسَن بن عبد الله بن سعيد العَسْكَريّ (^٢)، من نُسخةٍ مَقْروءة
_________________
(١) الرُّصافة: أو رصافة هشام، نسبة لبانيها هشام بن عبد الملك، ويذكر الطبري أنها مدينة قديمة من بناء الروم وأنها كانت تسمى: سيرجيو بوليس، أي "مدينة القديس سركيس"، مدينة تقع في أقصى جنوب شرق جند قِنّسرين في البرية، وتبعد عن الفرات مسيرة يوم أو أقل، وتبعد عن حلب في جهة الجنوب الشرقي نحو ٢٠٠ كم، وعن الرقة نحو ٥٠ كم إلى جهة الجنوب الغربي، وكانت منيعة ولها سور من الحجر، شرب أهلها من مصنع (خزان) كبير في داخل السور ولا ماء عندهم من غيره. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ٧٥، قدامة: الخراج ٣١٥، ابن الفقيه: البلدان ١٨٠، الطبري: تاريخ ٧: ٢٠٧، الآبي: نثر الدر ٣: ٦٥، ياقوت: معجم البلدان ٣: ٤٧، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦٣، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٧١، الحميري: الرَّوض المعطار ٢٦٩، لسترنج: بلدان الخلافة ١٣٧، کامل الغزي: نهر الذهب ١: ٤٨٢ - ٤٨٤، محمود شيث خطاب: بلاد الجزيرة قبل الفتح وفي أيامه ٣٢. وهي اليوم اليوم قرية أثرية بناحية المنصورة في محافظة الرقة، أقيمت إلى الجنوب منها على بُعد نحو ٢٥ كم منها قرية على اسمها "الرصافة". طلاس: المعجم الجغرافي ٣: ٤٩٢.
(٢) أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري (ت ٣٨٢ هـ)، له مؤلفات عديدة في اللغة والنحو والأدب، بعضها مطبوع متداول مثل كتاب المصون في الأدب، أما كتابه الذي ذكره ابن العديم فمفقود، ولم يرد ذكره عند مَن ترجم له. انظر وفيات الأعيان ٢: ٨٣ - ٨٥، بغية الوعاة ١: ٥٠٦. ونقل ابن شداد هذا النص عن ابن العديم، وأدرجه في كتابه الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
عليه، قال: أخْبَرنِي مُحمَّد بن يَحْيَى بن العبَّاسِ، أخْبَرَنَا الحَسَنُ بن عُلَيْل العَنْزِيّ بها (a)، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الصَّبَّاح، قال: حَدَّثَني هِشَام بن مُحمَّد، قال: لَمَّا كَثُرَ الطَّاعُونُ في زَمَنِ بَني أُمَيَّة وفَشَا، كانت العَرَب تَنْتَجعُ البَرَّ، وتَبْتَنِي القُصُور والمصَانع هَرَبًا منهُ، إلى أنْ وَلي هِشَام بن عَبْد المَلِكِ، فابْتنَى الرُّصَافَة.
وكانت الرُّصَافَة مَدِينَةً رُوْمِيَّةً؛ بَنَتْها الرُّوم في القَديم، ثمّ خَرِبَت، وكان الخُلَفَاءُ وأبناؤُهُم يَهْربُون من الطَّاعُون، فينزلون البَرِّيَّة، فعزِم هِشَامٌ على نُزُول الرُّصَافَة، فقيل لهُ: لا تَخْرُج، فإنَّ الخُلَفَاءَ لا يُطْعَنُون؛ لم نَرَ خَلِيفَةً طُعِن! قال: أفتريدُونَ أنْ تُجَرِّبُوا بي؟ فخرج إلى الرُّصَافَةِ، وهي بَرِّيَّةٌ فابْتنَى بها قَصْريْن.
وذكَرَ حَمْزَة بن الحَسَن الأصْبَهَانِيّ في كاب تَوَاريخ الأُمَمِ (^١): أنَّ النُّعْمان بن الحَارِث بن الأيْهَم بن الحاَرِث بن مَارِيَة ذات القُرْطَيْنِ، وهو أحَد مُلُوك غَسَّان، هو الّذي أصْلَح صَهاريج الرُّصَافَة، وكان بعض مُلُوك لَخْم خَرَّبَها.
قُلْتُ: وفي الرُّصَافَة دَيْرٌ مَذكورٌ للنَّصارَى؛ ذكَرَه الشِّمْشَاطِيّ في كتاب الدِّيَارَات (^٢)، وذَكَرَ حِكايَة الأَخْطَل، وشَدِّ رَاهب الدَّيْر إيّاهُ على هَجوه النَّاس، وَسَنَذكُر ذلك في تَرْجَمَةِ الأَخْطَل (^٣) إنْ شَاءَ اللَّهُ.
_________________
(١) (a) كذا في الأصل، ونسبته لعنزة القبيلة وليست مكانًا، وهو من سر من رأى، إلا أن يكون أَفْلت من نسبته: السامري، نسبة لبلده.
(٢) حمزة الأصفهاني: تاريخ سني ملوك الأرض ٧٢، ونقله ابن شداد عن البغية. الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٩.
(٣) علي بن محمد العدوي الشمشاطي، أبو الحسن (كان حيًا سنة ٣٧٧ هـ)، له مؤلفات. كثيرة عددها النديم وياقوت من بينها كتاب الديارات الذي وصفه بالكبير، وهو كتاب مفقود، نفل عنه ابن العديم في العديد من الواضع وذكره باسم: كتاب الديارات، وأحيانًا كتاب الديَرَة، انظر الجزء السادس: ترجمة حفص بن أحمد الكمدي، وترجمة حمدان الأثاربي. النديم: الفهرست ١/ ٢: ٤٧٧، ياقوت: معجم الأدباء ٤: ١٩٠٧ - ١٩٠٩.
(٤) ترجمة الأخطل (غياث بن غوث) في الضائع من أجزاء الكتب، وذكره في الكنى وأحال على ترجمته الضائعة.
[ ١ / ٢٤٨ ]