وهي مَدِينَةٌ هي الآن في أيْدِي المُسْلِمِيْنَ، وهي مَذْكُورَة، وفيها مَعْدِن حَديدٍ، يُجْلَب منها الحَدِيْد إلى البِلادِ، وهي الآن قَرْيَة، وبينها وبين الحَدَث ثَمانية عشر فَرْسَخًا.
وذَكَرها أبو زَيْد أحْمدُ بن سَهْلٍ البَلْخِيّ في كتابهِ، وقال (^١): وأمّا زِبَطْرَةُ فإنَّها حِصْنٌ كان من أقْرَب هذه الثُّغُور إلى بَلَدِ الرُّوم، خَرَّبَها الرُّومُ.
_________________
(١) (a) البَلْخِيّ: صور الأقاليم ورقة ٢٤ أ.
(٢) زبطرة: تقع على حد بلاد الرُّوم بجوار ملطية، إلى الشمال من حصن مَنْصُور على مسيرة يوم، وهي من الثُّغُور الجَزَرِيَّة وأقرب الثُّغُور إلى بلاد الرُّوم، حصن عظيم، وقلعة قديمة من بناء الرُّوم، وهي في أرض مستوية تحيط بها الجبال، وقد تعرض الحصن للتدمير من قبل الرُّوم أكثر من مرة ثمّ بناه المَنْصُور والرشيد والمأمون، وكانت محاطة بسور انهار أمام السيل الجارف الَّذي داهم المَدِينَة سنة ٢٢٠ هـ/ ٨٣٥ م. ثمّ هاجمها الرُّوم سنة ٢٢٣ هـ/ ٨٣٨ م فأخربوها وشتتوا أهلها، وبعد خرابها ابتني المعتصم. منصرفه من عمورية - مكانها وفي نواحيها مجموعة من الحُصُون لتقوم مقامها، فايتني: حصن طبارجيّ، وحصن الحسينية، وحصن بني المؤمن، وحصن ابن رحوان. وقد زارها أبو الفداء سنة ٧١٥ هـ/ ١٣١٥ م ووجدها خراب خالية من الزرع والسكان، ورجَّح لسترنج أن موضع زبطرة حاليًا هو في مكان مَدِينَة ويران شهر جنوب ملطية. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ٩٧، اليعقوبي: تاريخ ٢: ٣٣٤، الطبريّ: تاريخ ٩: ٥٥، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، قدامة: الخراج ١١٥، ١٨٦، ٣٢١، المسعودي: مُروج الذَّهب ٤: ٣٥٧، الإصطخري: مسالك ٦٣، ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨٧ - ١٨٨، مجهول: العيون والحدائق ٣: ٣٨، مارمِيْخَائِيْل: تاريخ ٢: ٤٣٥، ٣: ٥٣ (وفيه نقلًا عن الأصل السرياني وترجمته الفرنسية: زوبطرا)، ابن الأثير: الكامل ٦: ٤٧٩، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٣: ١٣١، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٤٠، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٣٤، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦١، ابن الشحنة: الدر المنتخب ١٩٤، الحميري: الرَّوض المعطار ٢٨٥، لسترنج: بلدان الخِلَافَة ١٥٣. وضبطها ابن العديم. في هذا الموضع والذي يليه فقط - بفتح الزَّايّ، وأهمل ضبطه في بقية المواضع حيثما ترد، والمثبت موافق لما عند ياقوت (مُعْجَمُ البلدان ٣: ١٣٠)، ووردت بكسر الزاي في شعر أبي تمام ١: ٦١.
[ ١ / ٣٧٢ ]
قُلتُ: وقد كانت الرُّوم في صَدْر الإسْلام تنتابُه وتَطْرُقُهُ لقُرْبهِ من بلادهَا، فتُخَرِّبهُ ويعمره المُسلِمُون مَرَّةً بعد أُخْرَى، فإنَّ أبا جَعْفَر أحْمد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ ذكَرَ، فيما نَقَلَهُ في كتاب البُلْدان، عَمَّن حدَّثَهُ من أهل الشَّام، فقال (^١): قالوا: وكانت زِبَطْرَةُ حِصْنًا قديمًا رُوْمِيًّا، ففُتحَ مع حِصْن الحَدَثِ القَدِيم فتَحَهُ حَبِيْب بن مَسْلَمَة الفِهْرِيّ، وكان قائمًا إلى أنْ أخْربَتْهُ الرُّوم في أيَّام الوَلِيد بن يَزِيد، فبُنِيَ بناءً غير مُحْكَم، فأناخَت الرُّوم عليه في أيَّام فِتْنَة مَرْوَان فهَدَمَتْهُ، فبَنَاهُ المنْصُور، ثمّ خَرَجَت إليهِ فشعَّثَتْه، فبناهُ الرَّشِيد أَمِيرُ المُؤمِنِين على يَد مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم، وشَحَنَهُ.
فلمّا كانت خِلَاقة المأْمُون، طَرَقَهُ الرُّومُ فَشَعَّثُوهُ، وأغَارُوا على سَرْحِ أهْله فاسْتَاقُوا لهم مَواشيَ، فأمَرَ المأْمُون، ﵀، بِمَرَمَّتِهِ وتَحْصِيْنِهِ، وقَدِمَ وَفْدُ الطَّاغِيَة في سنَة عَشْر ومائتين يَسْأل الصُّلْح، فلم يُجبْهُ إلى ذلك، وكَتَبَ إلى عُمَّالِ الثُّغُور، فَسَاحُوا في بلادِ الرُّوم فأكْثَروا فيها القَتْل، ودَوَّخُوهَا، وظَفرُوا ظَفَرًا حَسَنًا، إِلَّا أنَّ يَقْظَانَ بن عَبْد الأعْلَى بن أحْمَد بن يَزِيد بن أُسَيْد السُّلَمِيّ أُصِيْب.
ثمّ خَرَجَت الرُّومُ إلى زِبَطْرَة في خِلَافَة المُعْتَصِم أبي إسْحَاق بن الرَّشِيد، فقَتَلُوا الرِّجَالَ، وسَبوا النِّسَاءَ، وأخْرَبُوها، فأحْفَظه ذلك وأغْضَبه، فَغَزَاهم حتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّة، وقد أخْربَ فيها (a) حُصُونًا، فأناخَ عليها حتَّى فَتَحَها، فَقَتَل المُقاتِلَة، وسَبَى النِّسَاءَ والذُّرِّيَّة، ثُمَّ أخْربَها، وأَمَرَ ببناءِ زِبَطْرةَ، وحَصَّنَهَا وشَحَّنَها، فَرَامَهَا الرومُ بعد ذلك، فلم يَقْدرُوا عليها.
_________________
(١) (a) فتوح البلدان: قبلها.
(٢) فتوح البلدان ٢٧٠.
[ ١ / ٣٧٣ ]