هي مَدِينَةٌ صَغِيرَة، وفَواكِهُهَا كَثِيْرة، ولها قَلْعَةٌ حَصِيْنَة، ومَدِينَةٌ تحتَ مَدِينَة، اسْتولَى عليها الفِرِنْج حين خرجوا إلى الشَّام، وانتَزعوها من أيدي وُلاة الإسْلام، وكان لسَدِيدِ المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن المُقَلَّد بن مُنْقِذ قَلْعَةُ الجِسْر إلى جانبها، فَعَمَرَها وحَصَّنَها، وقصَدَ بذلك التَّضْييقَ على الأُسْقُف الّذي كان بشَيْزَر، فحصَل لابن مُنْقِذ ما قصَدَه، وضَاقَ بالأُسْقُف الأمرُ، وكَرِهَ بلَدَهُ، فاشْتَرى شَيْزَر من الأُسْقُف بمالٍ بَذَلَهُ، وتَسَلَّم منه البَلَد ونَزَله، وذلك في سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، وعَمرها ابن مُنْقِذ وسكَنها، وشَيَّد قَلْعتها وحَصَّنَها، فصَارت مَذْكُورة بين البِلادِ.
وأمراؤُها السَّادة بنو مُنْقِذ هم الأجْنَاد، وقصَدَهَا أبو المَكَارِم مُسْلِمُ بنُ قُرَيْشٍ بالحِصَار، فعَاد عنها بالخَيْبَةِ والخَسَار، فقال فيه سَالم بن المُهَذَّب، عند عَجْزه عنها، أبياتًا سَتُذكَر في تَرجَمَتِهِ إنْ شَاءَ اللّهُ، منها (^٢): [من الطويل]
فَمُتْ كمدًا بالجسر (a) لسْتَ بجَاسِرٍ … عليهِ وعَايِنْ شَيْزَرًا أبدًا شَزْرًا
_________________
(١) (a) في الأصل و"ك": فالجسر، وستأتي صحيحة في ترجمة سالم، والمثبت موافق لما في الخريدة والوافي.
(٢) شيزر: تقع على الضفة اليسرى لوادي العاصي، إلى الشمال الغربي من مدينة حماة، على بُعد ٢٥ كم، وإلى الشمال الغربي من مدينة محردة على بُعد ٣ كم، ولا زالت قلعة شيزر قائمة إلى اليوم. انظر عن البلدة وقلعتها: ابن خرداذبة: المسالك ٧٥، اليعقوبي: كتاب البلدان ٣٢٤، البكري: معجم ما استعجم ٣: ٨١٨، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٤، الإدريسي: نزهة المشتاق ٢: ٦٤٥، ياقوت: معجم البلدان ٣: ٣٨٣، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٦٢، الحميري: الروض المعطار ٣٥٢، ابن سباهي زاده: أوضح المسالك ٤٢٩، طلاس: المعجم الجغرافي ٤: ٨٩ - ٩٠، J. M. Mouton، EI ٢، Shayzar، IX، Pp ٤١٠ - ٤١١
(٣) البيت في خريدة القصر للعماد الأصفهاني ١٢: ١٢، والوافي بالوفيات ١٥: ٨٢، ويأتي في ترجمة سالم بن عبد الجبار بن المهذب في الجزء التاسع من هذا الكتاب.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وشَيْزَر بَلَدٌ مَوْصُوف بالوَخَامَةِ، وفيه يقُول مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَة (^١): [من الكامل]
وُخِمَتْ (a) وجاوَرَها العَدُوُّ؛ فأهلُها … شُهَداءُ بين الطَّعْنِ والطَّاعُونِ
ولم تزل شَيْزَر في أيدِي بني مُنْقِذ، يسكُنونها ويُحامون عنها ويحفظُونها، إلى أنْ جاءت الزَّلْزَلَة سَنة اثْنَتين وخمسين وخَمْسِمائَة، فهدمَت شَيْزَر وحَمَاة، وقَتَلت صَاحبها مُحمَّد بن سُلْطان بن مُنْقِذ، وهتكت حِمَاهُ، وكان قد ابْتنى دَارًا وزَخْرَفَها، وجَلَس فيها وعنده أولاده وبنو عَمّه وحاشيتَهُ، وهم يتفرَّجون على قِرْد عندهم، فجاءت الزَّلْزَلَة وهَدمت الدَّار عليهم، فلم يَنْجُ منهم غير القِرْد، وبادر نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي إلى شَيْزَر فتسلَّمها وعمر أسْوارها، ودَفعها إلى سَابِق الدِّين عُثْمان ابن دَايَتِهِ (^٢)، ولم تزل في عِمَارَة وزِيَادة إلى أنْ أُخِذَت من ابن ابنهِ؛ حَصَرهُ المَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر رحِمهما اللّهُ، فتشَعَّثَت أحْوال المَدِينة، وقَلَّت مَعايش أهلهَا لعَدَم سُكْنى العَسْكَر بها.
وأمَّا القَلْعَةُ فأحْوالُها مُنْتظمةٌ، وأمُورُها مُسْتقيمةٌ ملتئمَة، ونَهْر الأُرُنْط يَحُكُّ سَفْح القَلْعَة، وقد بُنى عليه سَكْر (b) ليَجْتَمع الماء تحت القَلْعَة، ويُسَمَّى ذلك المَوْضِع الخِرَطْلَة.
وقد ذكَرَها امرؤ القَيْس في قَصِيدَته الرَّائِيَّة بقَوله (^٣): [من الطويل]
تقَطَّعُ أسْباب اللُبانَة والهَوَى … عشيَّة جَاوَزنا حَمَاةَ وشَيْزَرا
_________________
(١) (a) في الخريدة والوافي: وَبِئَتْ. (b) ورد في الحاشية: "هُدم هذا السكر بِزِيَادة العاصي في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، كتبه محمد بن السابق الحموي". وقدَّر أبو الفداء ارتفاع هذ السد بما يزيد على عشرة أذرع، (تقويم البلدان ٣٦٣).
(٢) لم ترد في ديوانه، ونسبه العماد الأصفهاني والصفدي لأبي المُعافى سالم بن عبد الجبار المذكور قبله، انظر خريدة القصر ١٢: ١٢٩، والوافي بالوفيات ١٥: ٨٢، وعند سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ٢٠: ٣٨٣ لأبي الحكم الأندلسي.
(٣) ولهذا يسمى ابن الدَّايَة، وانظر عنه: ابن خلدون: العبر ١٠: ١٩٩.
(٤) ديوان امرئ القيس ٩٥، وتاريخ ابن الوردي ١: ١٠٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
أخْبَرَنَا أبو العبَّاس أحمد بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، قال: أخْبَرنا أبو البَرَكَات مُحمَّد بن حَمْزَة العِرْقِيّ كتابةً، وأخْبَرَنَا عنهُ سَمَاعًا أبو مُحمَّد عَبْد الدَّائم بن عُمَر بن حُسَين، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم على بن جَعْفَر السَّعْدِيّ المَعْروفُ بابنِ القَطَّاع، قال: أخبرَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن البِرّ اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنَا أبوَ مُحمَّد إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبرَنا أبو نَصْر إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ (^٤)، قال: وشَيْزَر اسمُ موضعٍ لا أحْسَبُه عَرَبيًّا صَحيحًا.
وقد ذكَرَها أبو زَيْد أحْمَد بن سَهْلٍ البِلْخِيُّ، في كتاب صُورة الأرْض والمُدُن وما تَشْتمل عليه، فقال (^٥): فأمَّا شَيْزَر وحَمَاةُ فإنَّهُما مَدِينتان صَغِيْرَتان نَزِهَتان، كَثِيْرة (a) المياه والشَّجَر والزَّرْع.