وهي مَدِينَة من الثُّغُور الشَّامية والإقْليم الرَّابع، بينها وبين المِصِّيْصَة ثمانية عشر مِيْلًا، وهي مَدِينَة مَذْكُورَة خَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلَمَاء والحُكَمَاء.
وقال أحمد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان (^٢): وحَدَّثَني أحمدُ بن الحَارِث الوَاسِطِيّ، عن مُحَمَّد بن سَعْد، عن الوَاقِدِيّ، قال: لمّا كانت سنَةُ ثمانين ومائة، أمَر الرَّشِيد، صَلواتُ اللهِ عليه، بابْتناءِ مَدِينَة عَيْن زُرْبَة وتَحْصينها، ونَدَبَ إليها نُدْبَةً من أهل خُرَاسَان وغيرهم، فأقْطَعهم بها المنازل. هكذا ذَكَرَ البَلاذُرِيّ.
وقال أحمد بن يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتب (^٣): بَنَى عَيْن زُرْبَة أَمِير المُؤمِنِين المَهْدِيّ بن المَنْصُور، وأتْقَنَها.
_________________
(١) عن زُرْبَة (زَرْبَى): Ainzarba مدينة من الثغور الشامية، تقع شمال المصيصة على أحد روافد نهر جيحان، وهي تشبه المناطق الغورية، وعليها سور، وقد قام هارون الرشيد بتجديد الثغر وإحكام تحصينه في سنة ١٨٠ هـ/ ٧٩٦ م، وتحول اسمها منذ القرن السادس الهجري فأصبحت تسمى "ناورزا أو آناوارزا". انظر: ابن خرداذبة: المسالك ١٠٠، اليعقوبي: البلدان ٣٦٣، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، قدامة الخراج ١٨٦، ٣١١، الإصطخري: مسالك ٦٣، ٦٧، ابن حوقل: سورة الأرض ١٦٥، ١٨٣، ١٨٨، الإدريسي: نُزهة المُشتاق ٢: ٦٤٦ - ٦٤٧، ياقوت: معجم البلدان ٤: ١٧٧، ابن الأثير: الكامل ٦: ١٥٣، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٥١، (وفيه: أنها تقع على جبل، وهو مخالف لما ذكره جمهرة الجغرافين من كونها غورية)، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦١ الحميري: الرَّوض المعطار ٤٢٢، موستراس: المعجم الجغرافي ٣٦٨، لسترنج: بلدان الخلافة ١٦١، M.Canard،EL ٢، AynZarba،I،PP ٧٨٩ - ٧٩٠ وتجاوز ابن العديم عن ضبط زربة الملحقة بالعين، واقتصر في رسمها على هذا الوجه حيثما ترد، ربما للخلاف في ضبطها، فهي عند ياقوت (معجم البلدان ٤: ١٧٧) بفتح أوله وألف مقصورة في آخرها: زَرْبى، ونص الزبيدي أنها بالضم عندما يكون آخرها التاء المربوطة، وبالفتح عندما تكون بالمقصورة بوزن سَكْرى. انظر: تاج العروس، مادة: زرب.
(٢) فتوح البلدان ٢٣٤.
(٣) لم يرد في كتاب البلدان لليعقوبي، ولا في تاريخه.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فيُحْتمل أنَّ المَهْدِيّ حين أغْزى الرَّشِيد ابنَهُ الغَزَاة المَعْرُوفة، ابْتَناها الرَّشِيد بأمْر أبيهِ، فنُسِبَت إليه، واللهُ أعْلَمُ.
وذَكَرَ أبو زَيْد أحْمَدُ بن سَهْلٍ البَلْخِيِّ، في كتابه الّذي ذكَر فيهِ صُورة الأرْض والمُدُن وما تَشْتَمل عليه، قال فيه (^١): وعَيْن زُرْبَة بَلَدٌ فيه الغُورِيّة، بها نَخْلٌ، وهي خِصْبَة واسعة الثِّمَار والزُّرُوع والمَرْعَى، وهي المَدِينَة التي أرادَ وَصِيْفٌ الخادِم أنْ يَدْخُل بَلَد الرُّوم منها، فأدْركه المُعْتَضِد هناك.
وقيل: إنَّ أبا سُلَيمان الخَادِم التُّرْكِيّ بَنى عَيْن زُرْبَة في أيَّام الرَّشِيد، وكان وَلَّاهُ الثُّغُور، والصَّحيح أنَّه أبو سُلَيْم فَرَج.
قال البَلاذُرِيّ (^٢): وقد كان المُعْتَصِمُ بالله نَقَلَ إلى عَيْن زُرْبَة ونواحيها بَشَرًا من الزُّطِّ الّذين كانوا قد غَلَبُوا على البَطائِح بين وَاسِط والبَصْرَة؛ فانْتَفَعَ أهْلُهَا بهم.
وكانت عَيْن زُرْبَة قد خَرِبَت في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، فسار سَيْف الدَّوْلَة، وبَناها، وغَزا الرُّوم بعد بنائها، وفي ذلك قال أبو فِرَاس (^٣): [من البسيط]
وكُلّ يَوْمٍ تَزُورُ الثَّغْرَ لا ضَجَرٌ … يُثْنِيكَ عنهُ ولا شُغْلٌ ولا مَلَلُ
فالنَّفْسُ جاهِدَةٌ والعَيْنُ سَاهِدَةٌ … والجيْشُ مُنتهكٌ (a) والمالُ مُبْتذَلُ
_________________
(١) (a) الديوان: منهمك.
(٢) البلخي: صور الأقاليم ورقة ٢٤ ب، وفيه بالذال محرفًا: عين ذربة.
(٣) فتوح البلدان ٢٣٥.
(٤) ديوان أبي فراس الحمداني ٢٢٠.
[ ١ / ٣٠١ ]